لماذا ينبغي انتقاد شخص آخر غير الغيثي؟
في الدول الطبيعية، حين يخرج مسؤول رفيع داخل مؤسسات الدولة ليهاجم الأساس الذي قامت عليه تلك الدولة، فإن السؤال الأول لا يكون: ماذا قال؟ بل: من الذي جاء به إلى هذا الموقع أصلاً؟ ولماذا ما يزال هناك رغم كل ما يقوله ويفعله؟
ولهذا تبدو الضجة التي أُثيرت حول تصريحات محمد الغيثي أقرب إلى إعادة تدوير للأزمة لا إلى مواجهة حقيقية لها؛ فالرجل لم يخفِ يوماً موقفه السياسي القائم على الانفصال، ولم يتظاهر حتى بأنه يؤمن بالمشروع الذي يفترض أن منصبه جزء منه.
بالنسبة للبعض بدا الأمر مفاجئاً، وربما يعود ذلك إلى قياسهم المسألة على طبيعة المنصب الذي يشغله الرجل، وهو منصب يفترض فيه الانسجام مع مقتضيات الدولة التي يمثلها، رغم أن الغيثي نفسه لا يمتلك خبرة سياسية كبيرة، ودُفع فجأة إلى واجهة هذا الموقع.
أما آخرون، فلم يتفاجأوا إطلاقاً، إذ كان الغيثي يقول ما كان يقوله دائماً، لكن بعض المحسوبين على الدكتور رشاد العليمي رأوا في رده السريع على خطاب رئيس مجلس القيادة نوعاً من التطاول السياسي أو التحدي غير المقبول، فانطلقوا للدفاع عن العليمي أكثر من انشغالهم بجوهر المشكلة نفسها.
في المقابل، أعاد طرف ثالث توجيه الأنظار نحو الجهة التي ينبغي أن تتحمل المسؤولية الحقيقية عن هذه النتيجة؛ أي الجهة التي اختارت الغيثي ومنحته هذا الموقع وأبقت عليه رغم كل مواقفه التي تتصادم مع طبيعة الدولة التي يمثلها.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر أهمية من الجدل نفسه: هل المشكلة فعلاً في تصريحات الغيثي، أم في السلطة التي قررت أن تضع شخصاً يحمل مشروعاً سياسياً مناقضاً للدولة داخل أحد أعلى هياكلها الرسمية، ثم تتصرف لاحقاً وكأن ما يحدث أمر غير متوقع؟
إن النقد المنطقي لا ينبغي أن يتوقف عند تصريحات الغيثي أو غيره من المحسوبين على المشروع الانفصالي، ولا عند أشخاصهم فقط مهما كانت أوزانهم وتأثيراتهم، بل يجب أن يتجه إلى البداية؛ إلى الشخص الذي منحهم هذه المناصب، رغم أنهم ـ أولاً ـ لا يستحقونها، وثانياً بسبب مواقفهم وسلوكهم السياسي والوظيفي الذي لا يلتزم أساساً لا بالدستور ولا بالقانون ولا حتى بمقتضيات الوظيفة العامة.
العبث الحقيقي ليس في تصريحات الغيثي وحدها، بل في ترك هذه الشخصيات تفعل ما تشاء على الضد من الدولة التي تتنعم بمناصبها ومواردها، دون محاسبة أو حتى عتاب جاد. أما الانشغال كل مرة بتصريحات هذا أو ذاك، فهو في حد ذاته نوع من استنزاف الناس واستهلاك غضبهم في اتجاهات جانبية.
نعم، هؤلاء يستحقون النقد بلا شك، لكن التوقف عندهم فقط يعني إغفال المسؤول الأول الذي جاء بهم وشرعن وجودهم ومنحهم النفوذ.
تخيل أن شخصاً جرى تعيينه في منصب لا يناسبه أصلاً، ثم يتحول كل الغضب الشعبي نحوه وحده، بينما يتم تجاهل الجهة التي جاءت به! كثيرون يتغاضون عن هذه النقطة بدوافع مختلفة؛ إما الخوف، أو الشللية، أو المزايدة، مهما ادعوا الحرص على القضايا الوطنية.
خلال الفترة الماضية، كان الغيثي وغيره يقولون ما يشاؤون، ثم يجتمعون بالعليمي وكأن شيئاً لم يكن. وهذا سلوك غريب؛ فمن غير المعقول أن يصدر مسؤول مواقف تقوّض مقتضيات منصبه والدولة التي يمثلها، ثم لا يلقى حتى لوماً أو توبيخاً من المسؤول الأعلى منه، وهذا بالضبط ما يشجع مثل هذه الشخصيات على التمادي أكثر وفعل ما تريد.
لذلك ينبغي توجيه الغضب والنقد إلى الشخص الذي جاء بالغيثي، لا إلى الغيثي نفسه؛ ففي النهاية، الغيثي مجرد موظف لم يصل إلى هذا المنصب بقدراته أو شعبيته أو حتى ثقله السياسي، بل جرى تمكينه من قبل شخص يريد البقاء في السلطة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك عبر تمكين المشروع الذي كان مسيطراً في المحافظات الجنوبية، أي المجلس الانتقالي.
ولم يتغير هذا النهج حتى بعد إضعاف الانتقالي عسكرياً وسياسياً، مع الإبقاء على نفس الشخصيات التي ساهمت سابقاً في التمرد على الدولة وتقويضها.
قد يقول البعض إن السعودية هي صاحبة القرار الحقيقي، وهذا صحيح جزئياً، لكن في النهاية السعودية دولة لديها مصالحها الخاصة. فهل من المنطقي أن نحاسب السعودية فقط ونترك الشخص الذي يدير السلطة في البلد؟ حتى لو لم يكن صاحب القرار الأول والأخير، فإنه يظل مسؤولاً عن اختياراته وعن إدارة الدولة، وبالتالي يجب أن يتحمل النقد والمسؤولية.
في كثير من دول العالم توجد تدخلات وضغوط خارجية، لكن مواطني تلك الدول لا يذهبون بالكامل لمهاجمة الدول المتدخلة ويتركون حكوماتهم دون مساءلة.
إن استمرار تعيين شخصيات انفصالية في مواقع حساسة، في تكرار لنفس نهج الفشل الذي كاد أن يقضي على الجمهورية لولا تقاطع المصالح المرحلي بين السعودية واليمن، سيعيد إنتاج النتائج الكارثية نفسها.
كما أن استمرار الناس في تجاهل الشخص الذي يدير هذه اللعبة ويأتي بهذه الشخصيات ليس مفيداً للدولة ولا لاستقرارها، بل هو نوع آخر من الهروب والعبث، يختلف فقط عن العبث الموجود على الأرض.
وجهوا سهامكم إلى الرأس لا إلى الأطراف؛ ففي الرأس تكمن المشكلة، لا في هذه الشخصيات وحدها. أما الدوران المستمر حول ماذا قال الغيثي أو ماذا فعل فلان وعلان، فهو مجرد ملهى سياسي يستهلك الناس ويمنح المسؤولين الحقيقيين فرصة الإفلات من المساءلة.