اتفاق مكة

د. علي عبدالكريم

بحر السياسة، إن ساده الهدوء لحظة، ما تلبث أمواجه أن تضطرب. البحر والسياسة عالمان، أسرارهما ليست للفرجة، بل لسبر أغوارهما، وتلك مهمة من كان ملاحًا على غرار همنغواي، يدرك كيف يحرك أشرعته ويدير مجاديفه. فالبحر إن هاج لا يرحم، والسياسة بحر زاخر بالمفاجآت، في عالم مضطرب زادت من اضطرابه تزايد مفاعيل القوة فرضًا لتغيير معالم واقع دولي أو إقليمي من قبل من تسول له قوته وعنجهيته أنه بات سيد الموقف قوة وإمكانات ونفوذًا، يمتلك نواصي تغيير اتجاه السياسة كما تسول له أربحته الأمر.

هكذا أخبرنا التاريخ وماديته التاريخية، كيف تولدت قسرًا مراحل تاريخ قادتها مفاعيل القوة لفرض وقائع على الأرض، وعلى الآخر القبول والتسليم.

منطقتنا، ببحرها الهائج، ومنذ لحظة 7 أكتوبر 2023، والبحر لا يهدأ. فالمشروع الاستيطاني الأخطر على حساب حقوق فلسطين أدرك أن لحظة انحناء البحر قد حانت، فأعاد ترتيب أوراقه مع عناصر ومفاعيل قوته التي عليها استند وتغول، خاصة بعد حرب السويس عام 1956، وأفول من لا تغيب عنه الشمس، لتتجلى شمس أمريكا التي توهجت أكثر مع مهرج الصفقات ترامب.

منذ 7 أكتوبر وحتى آخر مواجهات أمريكا وإسرائيل مع مشروع إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، جرت تحت النهر مياه حارقة لم تتمكن من إحراق كامل عباءة الثوب الملالي المتدثر به كل من الأب الروحي الخميني أو خليفته، وقادة الحرس الثوري، فلم يتمكنا من تفكيك الحرس الثوري، ولا تغيير النظام، ولا أذرعه.

ما جرى هو المزيد من اضطراب منطقة الشرق الأوسط غير المستقرة أصلًا بكاملها، واختنق الخليج بقواعده ونفطه، وأصيبت أسواق العالم بمتاعب المصران الأعور، فلا تدفق نفط رخيص، ولا غاز بديل، ولا غزة انتهى أمرها، وكل ما حدث هو المزيد من اضطراب الأسواق، وعدم استقرار أسواق السياسة والاقتصاد وسلاسل الإمداد.

وبين مد وجزر، وتبدلات مسرحية العبث التي يديرها ترامب ونتنياهو، يكذب من يقول إن عودة جودو، كما صورها صموئيل بيكيت في مسرحيته "في انتظار جودو"، أي المنقذ، تنطبق عليهما. فقطعًا لا نتنياهو ولا ترامب يمثلان عودة جودو المنقذ، بل هما شرارة شر مستطير لمشروع هيمنة متجذر بعمق فلسفتهما الصهيونية حول الحلم الصهيوني، والعالم كله يدفع ثمنه.

ثمن هياج بحر السياسة الترامبية والنتنياهوية في عالم بات يبحث عن حل يعيد الهدوء والاستقرار لعالم بحره مضطرب بسبب عواصف من أطلق عنانها، لكنه ما عاد يمتلك السيطرة عليها، تمامًا كما نجح همنغواي وهو يقاوم عنف الرياح حتى لا تغرق سفينته. لكن همنغواي غير ترامب ونتنياهو، فهما يمثلان شيطان الحرب والصفقات.

والسؤال: ترى من سيتمكن من لجم مفاعيل هوس نتنياهو لتغيير خارطة الشرق الأوسط، مدعومًا من ترامب، عبر تدمير إيران وبرنامجها النووي، وعبر تهييج نرجسية تاجر الصفقات ترامب، الذي أخفقت حساباته، فبات يبحث عن مخرج يقيه من الغرق في بحار هاجت عليه، بالداخل الأمريكي المضطرب، ومؤشرات انتخابية مزعجة، ولعبة أوانٍ مستطرقة يلعبها الملالي بذكاء، لا يعيرون الخسائر اهتمامًا، ويحركون الأذرع أين ومتى أرادوا.

ضمن هذه الصورة المضطربة من بحار السياسة في منطقة تمتد ضمن مفهوم الشرق الأوسط الكبير، أتى متغير له دلالاته: اتفاق سعودي - تركي - باكستاني.

ترى، هل هو تحالف بغداد مستجد؟ أطرافه على علاقة بطرفي الحرب، خاصة أمريكا وإيران، لكن ضمن مفارقة تقول إن ثلاثي السعودية وتركيا وباكستان لا يمكن اعتباره في حالة مواجهة مع إيران.

فما الغرض منه إذن، إذا كانت أهداف قيامه تتأسس على ما يلي: أولًا: إرساء الأمن في المنطقة. ثانيًا: تطوير أوجه التعاون متعدد الأوجه. ثالثًا: عدم التوجه نحو توسيع الإمكانات النووية.

لكن هناك معطى جرى تضخيمه مع إعلان قيام التحالف بين البلدان الثلاثة، وهو أن أي عدوان على أي طرف يعتبر عدوانًا على أطرافه جميعًا.

إذن، ماذا وراء الأكمة؟ ولماذا الآن تحالف إسلامي بغياب بلد بحجم مصر؟ وما موقف أمريكا التي تربطها بالدول الثلاث علاقات ذات طابع استراتيجي، ناهيك عن تركيا ووضعها كعضو في الناتو؟

هل هو حلف بغداد جديد؟ ظروف اليوم، نعم، أشد سوءًا من ذلك الحين، لكن يبقى الأمر محل تساؤل: كيف سيكون موقف إسرائيل والهند؟ وما الموقف من مشروع التطبيع والشرق الأوسط الكبير؟

أسئلة ستجيب عنها الأيام القليلة القادمة، خاصة مع تطورات الحرب مع إيران، وما يمكن أن تشهده حرب المضايق، هرمز وباب المندب، من تأثيرات على مآلات الحرب إن اشتعل أوارها. فأول من سيكتوي بنارها المحرقة، لا شك، بلادنا وجوارها، وهو ما لا نريده أبدًا.

لذلك يظل السؤال: ماذا وراء الأكمة التي تختفي خلفها أهداف قيام هكذا حلف؟