26 سبتمبر.. المعركة التي لم تنته
بعد أربعة وستين عاما على ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، لا تزال اليمن تقف أمام السؤال ذاته الذي فجّر الثورة الأولى: هل تكون الدولة ملكا لفئة أو سلالة تدعي لنفسها حقا استثنائيا في الحكم، أم وطنا لجميع مواطنيها على قدم المساواة؟
لم تكن ثورة سبتمبر مجرد انقلاب على نظام سياسي، بل كانت ثورة على منظومة فكرية واجتماعية كرستها الإمامة لعقود؛ منظومة جعلت النسب طريقا إلى السلطة، والطاعة أساسا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وميزت بين اليمنيين على أساس الانتماء السلالي والمكانة الموروثة.
جاءت الجمهورية لتقول إن اليمنيين متساوون، وإن السلطة ليست امتيازا عائليا ولا حقا دينيا ولا ملكية خاصة، وإنما مسؤولية عامة تستمد مشروعيتها من الشعب والقانون.
ولهذا لم تنته معركة سبتمبر بسقوط النظام الإمامي في صنعاء. فقد كان إسقاط السلطة أيسر من تفكيك الموروث الذي صنعها. واستمرت الجمهورية في مواجهة بقايا الإمامة حتى حصار السبعين، ثم دخلت اليمن مرحلة طويلة من الصراع على معنى الجمهورية نفسها: هل تكون دولة مواطنة ومؤسسات، أم مجرد عنوان يخفي استمرار الامتيازات القديمة بأشكال جديدة؟
لقد فتحت الجمهورية أبوابها أمام جميع اليمنيين، بمن فيهم أبناء الأسر التي كانت تتمتع بمكانة خاصة في العهد الإمامي، على أساس أن سقوط الإمامة لا يعني إقصاء أبنائها، وإنما يعني إسقاط الامتياز السياسي الذي قام على التمييز. وكان الرهان أن يتحول المجتمع كله إلى مواطنين متساوين، وأن يصبح النسب شأنا اجتماعيا لا مصدرا للسلطة.
غير أن بقايا ذلك الإرث ظلت حاضرة في السياسة والمجتمع، بأشكال مختلفة، واستمر الصراع حول حق اليمنيين في بناء دولة لا يكون فيها الحكم حكرا على فئة بعينها.
ومن هنا يمكن فهم أهمية ثورة الحادي عشر من فبراير؛ فقد جاءت امتدادا لمسار طويل من البحث عن دولة حديثة، وديمقراطية، ومؤسسات، ومواطنة متساوية، ورفض إعادة إنتاج السلطة على أساس التوريث والاستئثار.
لكن الانقلاب الحوثي أعاد اليمن إلى قلب الصراع القديم، وإن اختلفت الأدوات والشعارات. فالمشكلة ليست في أن يرفع أي طرف شعار الجمهورية، وإنما في مضمون الجمهورية التي يريدها. الجمهورية التي تتسع للجميع لا يمكن أن تقوم على مرجعية تمنح جماعة بعينها حقا مميزا في السلطة، أو تجعل النسب مدخلا إلى النفوذ السياسي، أو تستبدل مؤسسات الدولة بشبكة من المشرفين والولاءات.
الجمهورية ليست اسما، بل نظاما سياسيا واجتماعيا له جوهر واضح: المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وتداول السلطة، واحتكار الدولة للسلاح، ورفض أي امتياز سياسي قائم على السلالة أو الطائفة أو المنطقة.
ولهذا فإن محاولة تغييب السادس والعشرين من سبتمبر ليست مجرد خلاف حول ذكرى تاريخية. فهذه الثورة تمثل في الوعي اليمني لحظة تأسيس لفكرة أن اليمن ملك لجميع أبنائه، وأن أحدا لا يولد حاكما ولا يولد مواطنا من الدرجة الثانية.
ومن الخطأ اختزال معركة اليمن اليوم في صراع بين مناطق أو جماعات أو هويات اجتماعية. المعركة الأعمق هي معركة الدولة: أي دولة نريد؟ دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، أم دولة الامتيازات والولاءات والمرجعيات الخاصة؟
إن استعادة روح سبتمبر لا تعني استعادة الماضي بكل ما فيه، ولا تعني منح صكوك براءة أو إدانة لأجيال مضت. إنها تعني استكمال المهمة التي بدأت في 26 سبتمبر ولم تكتمل: بناء دولة حديثة لا يكون فيها لأي يمني حق سياسي إضافي بسبب اسمه أو نسبه، ولا يكون فيها مواطن أقل حقوقا بسبب منطقته أو مذهبه أو طبقته الاجتماعية.
اليمن اليوم بحاجة إلى سبتمبر كقيمة سياسية، لا كاحتفال موسمي؛ إلى الجمهورية كدولة مؤسسات، لا كشعار؛ وإلى الديمقراطية كوسيلة لإدارة الاختلاف، لا كواجهة شكلية. لقد انتصر اليمنيون على الإمامة كنظام حكم، لكن معركة التخلص من آثارها الفكرية والسياسية والاجتماعية لم تنته بعد.
وستظل الجمهورية مهددة ما دام هناك من يعتقد أن السلطة حق موروث، أو أن بعض اليمنيين أرفع منزلة من بعض، أو أن الدولة يمكن أن تخضع لمرجعية فوق القانون.
أما اليمن الذي حلم به أبطال سبتمبر، فهو اليمن الذي لا سيد فيه على مواطن، ولا مواطن فيه أقل من مواطن، ولا سلطة فيه فوق الدستور والقانون.
ذلك هو جوهر سبتمبر، وتلك هي المعركة التي لم تنته.