من حرب استعادة الدولة إلى حرب الوكالات: كيف تحولت اليمن إلى ساحة صراع؟

أحمد ناصر حميدان

ماذا نسمي هذه الحرب اليمنية التي تتطور كل يوم من شكل إلى آخر؟

بدأت تحت عنوان واضح: استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب على مخرجات الحوار الوطني. ثم دخلت الدول الإقليمية، وتشكل التحالف العربي، وتدخلت القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، كل طرف يبحث عن مصالحه وموقعه في اليمن.

ومع مرور الوقت، لم تعد الحرب حربا واحدة، بل تحولت إلى مجموعة حروب متداخلة، لكل حرب أدواتها وشعاراتها ومصالحها.

حرب في الشمال، وأخرى في الجنوب، وصراعات بين المناطق، وبين القوى والمكونات، وبين الشرق والغرب. جرى تحويل الصراع من مشروع وطني كبير إلى مشاريع صغيرة: هذا يريد أن يسيطر على الجنوب، وذاك يريد أن يحكم الشمال، وآخر يريد أن تكون منطقته دولة داخل الدولة. وهكذا تقلصت المعركة.

من استعادة الدولة إلى استعادة الأرض، ومن استعادة الأرض إلى الاستحواذ على السلطة والنفوذ والثروة.

وفي هذه الفوضى، جرى بناء أدوات محلية متعددة، بعضها تحت شعارات دينية ومذهبية، وبعضها تحت شعارات مناطقية وجهوية، وبعضها تحت عناوين سياسية، وكل أداة ترتبط بدرجات مختلفة بمصالح قوى إقليمية ودولية. وبينما تتضخم هذه الأدوات عسكريا وسياسيا واقتصاديا، يتراجع المواطن اليمني إلى أسفل السلم.

لا كهرباء، لا رواتب منتظمة، لا خدمات، لا أمن اقتصادي، ولا دولة تحمي حقوقه. وفي المقابل، تتوسع شبكات النفوذ، وتكبر الثروات، وتتمدد الامتيازات، وتدخل الأدوات التي صنعتها الحرب إلى مؤسسات الدولة نفسها، لتصبح الدولة في كثير من الأحيان غطاء لمراكز القوة بدلا من أن تكون هي صاحبة القرار. ثم تطورت الحرب مرة أخرى.

انتقلنا من البنادق إلى الصواريخ، ومن الجبهات التقليدية إلى الطائرات المسيرة والطائرات من دون طيار، وأصبحت اليمن ساحة لتجريب أدوات عسكرية وسياسية جديدة. لكن السؤال الحقيقي ليس: من يملك السلاح الأكثر تطورا؟ السؤال هو: هل هذا التطور يقرب اليمن من السلام والدولة، أم يوسع قدرتها على تدمير نفسها؟

وهل يستطيع اليمنيون أن يتحرروا من كل الأدوات التي زرعتها القوى المتصارعة داخل بلدهم، سواء كانت مرتبطة بإيران أو السعودية أو الإمارات أو غيرها من القوى الدولية؟ أم أن اليمن أصبح مجرد ساحة قمار سياسي وعسكري، تتنافس فيها القوى الكبرى والإقليمية على تحسين مواقعها، استعدادا لتسوية قادمة يريد كل طرف أن يدخلها بأكبر قدر ممكن من النفوذ والأوراق والمصالح؟

المؤلم أن اليمنيين أنفسهم أصبحوا وقودا لهذا الصراع. يتم استدعاء العصبيات والمناطقيات والمذهبيات، وتزرع الكراهية، وتصنع الأصنام السياسية والعسكرية، ثم يطلب من الناس أن يدافعوا عنها وكأنها وطن.

وفي لحظة من أخطر لحظات تاريخنا، أصبح بعض اليمنيين مستعدين لأن يقاتلوا من أجل مشروع لا يعرفون أين يبدأ ولا أين ينتهي، وأن يخاصموا أخا لهم في الوطن لأن هذا الأخ ينتمي إلى منطقة أخرى أو يؤيد مكونا آخر. وهنا تكمن الكارثة الأكبر.

فاليمن الذي عرفته كتب التاريخ، واليمن الذي يفتخر كثير من العرب بأن أصولهم تعود إليه، واليمن الذي كان واحدا من منابع الحضارة العربية، أصبح بعض أبنائه يتبرأون من يمنيته، أو يختصرون هويتهم في منطقة أو جماعة أو زعيم.

بدلا من أن نقول: نحن اليمنيون، أصبحنا نقول: أنا شمالي، أنا جنوبي، أنا من هذه المنطقة، أنا مع فلان، أنا ضد فلان. وكأن هذه الجغرافيا الصغيرة التي يسكنها الجميع أصبحت أضيق من أن تتسع لأبنائها.

المشكلة إذن ليست فقط في السلاح الذي دخل اليمن، ولا في القوى الخارجية التي تبحث عن مصالحها، وإنما في قابلية الداخل لأن يتحول إلى أداة في يد الخارج.

ولذلك فإن المعركة الحقيقية التي يجب أن يخوضها اليمنيون اليوم ليست معركة السيطرة على هذه المنطقة أو تلك، ولا معركة من يكون سيدا على الشمال أو الجنوب.

إنها معركة استعادة الإنسان اليمني لوعيه، واستعادة اليمن لدولته، واستعادة اليمنيين لهويتهم الوطنية الجامعة. فلا إيران ستبني لنا دولة، ولا السعودية، ولا الإمارات، ولا أمريكا، ولا بريطانيا.

كل دولة تبحث عن مصالحها.

أما نحن، فإذا لم نبحث عن مصلحة اليمن، فسنظل نخوض حروبا كثيرة، وننتصر في معارك صغيرة، بينما نخسر الوطن الكبير.

هذه ليست حربا واحدة بعد اليوم؛ إنها حرب الوكالات والمصالح والنفوذ، وقد تحولت إلى حروب صغيرة داخل حرب أكبر.

لكن أخطر ما فيها أن أدواتها تكبر، بينما الوطن يصغر. والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه كل يمني اليوم هو: هل نريد أن ننتصر لبعضنا على بعض، أم نريد أن ينتصر اليمن؟