العيد في اليمن: حين يصير الفرح وجعا

توفيق الحميدي

أي عيد هذا الذي يحل على شعب بلا راتب، بلا أمن، بلا دولة، بلا يقين، وبلا قدرة حتى على ادعاء الفرح؟

أي عيد يطرق أبواب البيوت التي أكلتها الحاجة، ويجلس على صدور الآباء الذين لا يجدون ثمن ملابس لأطفالهم، ولا قيمة دواء لمريضهم، ولا إيجار بيتهم، ولا ما يسدون به رمق يوم واحد من أيام العيد؟

في اليمن لم يعد العيد فرحة جماعية، بل صار امتحانا قاسيا للكرامة. هناك آباء يقفون أمام حاجيات العيد منكسرين، لا لأنهم لا يحبون أبناءهم، بل لأنهم عاجزون عن شراء أبسط ما يليق ببراءة الأطفال. هناك أمهات يخفين الدموع في المطبخ، ومرضى ينتظرون علاجا لا يصل، وموظفون شابت أرواحهم وهم يطاردون راتبا صار كالحلم، وأطفال يسألون عن ثياب العيد، ولا يعرفون أن السؤال نفسه يجرح قلوب آبائهم.

هل تشعرون بهذا؟

هل تفهمون ماذا يعني أن يبكي رجل في داخله لأنه لم يستطع أن يشتري لطفله قميصا؟

هل تدركون معنى أن يبحث مريض عن ثمن العلاج فلا يجد؟

هل تعرفون معنى أن ينام إنسان وهو يحسب الإيجار والدواء والطعام وثياب الأطفال، ثم يستيقظ على خطاباتكم الباردة وصوركم الملمعة وأخبار سفركم واجتماعاتكم؟

لم يبدأ هذا الخراب من فراغ. لقد بدأ حين فُتحت أبواب الشر من صنعاء، حين سقطت الدولة تحت سلطة السلاح، وانكسر معنى القانون، وتحول الراتب إلى منحة، والجوع إلى وسيلة حكم، والخوف إلى سياسة يومية، والكرامة إلى تهمة. من صنعاء بدأ الإذلال منظما، والجوع مقصودا، والإنسان محاصرا في قوته وصوته وحريته.

ثم امتد الوجع إلى عدن، حيث كان يفترض أن تقوم سلطة مختلفة، تحمي الناس وتحفظ ما بقي من كرامتهم، فإذا بالشرعية تكشف فقرا أخلاقيا وسياسيا موجعا؛ لا فقرا في الإمكانات وحدها، بل فقرا في الشعور، في الخجل، في المسؤولية، في الإحساس بأن هناك بلدا يطحن، وشعبا ينهار، وبيوتا تصرخ من الداخل ولا يسمعها أحد.

هل تعون معنى المسؤولية؟

هل تعرفون أن المسؤولية ليست منصبا ولا صورة ولا تصريحا ولا سفرا ولا راتبا بالدولار؟

المسؤولية أن تشعر بجوع الناس قبل أن تتحدث باسمهم، وأن تخجل من امتيازك حين لا يجد المواطن قوت يومه، وأن تخاف من دمعة أم، ومن انكسار أب، ومن صمت مريض، ومن طفل نام في ليلة العيد بلا ثوب جديد.

يحق لهذا الشعب أن يرفق التكبير باللعنات؛ لا لعنة على العيد، ولا على الحياة، بل على من سرقوا معنى العيد والحياة. لعنة على كل حاكم له راتب ومنزل وحراسة، بينما الناس بلا رواتب ولا بيوت ولا أمان. لعنة على كل وزير يتصدر الأخبار ولا يرى من الدولة إلا امتيازاته. لعنة على كل وكيل ومسؤول يستلم بالدولار ويعيش في الخارج، ثم يحدث الناس عن الصبر من مكان آمن. لعنة على كل قريب من أصحاب النفوذ حوّل القرابة إلى وظيفة، والسلطة إلى غنيمة، والوطن إلى ميراث خاص.

لم تعد اليمن، في عيون الملايين، سوى وجع مفتوح: مرضى بلا علاج، موظفون بلا رواتب، أسر بلا إيجار، أطفال بلا ملابس عيد، وأمهات بلا قدرة على طمأنة أحد. والأقسى من الجوع أن هناك من يعتاش عليه، ومن يسافر باسمه، ومن يتصدر بوجع الناس، ومن يصنع من آلام الضحايا سلما لمجده الشخصي.

 

لن نسامحكم.

لن ننسى.

سنلعنكم في وجوهكم، لأنكم رأيتم البلد يطحن وسكتم.

سنصرخ في وجوهكم، لأنكم حولتم السلطة إلى امتياز، والوطن إلى رصيد، ومعاناة الناس إلى مادة للخطابات.

سنذكركم واحدا واحدا بأن دموع الفقراء ليست ماء عابرا، وأن انكسار الآباء ليس تفصيلا، وأن وجع المرضى ليس رقما في تقرير، وأن جوع الأطفال عار على كل من حكم وتصدر وسكت واستفاد.

نحن لا نحتاج إلى تبديل وجوه بوجوه، ولا إلى خطابات جديدة تضاف إلى ركام الخداع. نحن بحاجة إلى ثورة معنى وكرامة؛ ثورة تستعيد الإنسان قبل السلطة، والقيم قبل المناصب، والدولة قبل الحكومة. ثورة تبدأ من صنعاء، حيث كسر السلاح فكرة الدولة، ولا تتوقف عندها، بل تمتد إلى عدن، حيث عجزت الشرعية عن أن تكون بديلا أخلاقيا ووطنيا يليق بتضحيات الناس.

العيد في اليمن لا يحتاج إلى تهان كثيرة. يحتاج إلى راتب يصل، ودواء يتوفر، وإيجار لا يطرد أسرة إلى الشارع، وطفل يلبس ثوب العيد دون أن ينكسر قلب أبيه، ومسؤول يخجل، ودولة تعرف أن الناس ليسوا رعايا في مزرعة، بل أصحاب حق في وطن.

حتى يأتي ذلك اليوم، سيظل التكبير في اليمن محملا بالحزن، وسيظل العيد ناقصا، وسيظل سؤال الناس معلقا في وجوهكم:

هل تشعرون؟

هل تسمعون؟

هل تعرفون أن هناك بلدا يطحن؟

وهل بقي فيكم شيء من الخجل؟