عبد ربه منصور هادي.. رئيس رحل بعيداً عن وطنه.. فهل تدفن الشرعية خارجه أيضاً؟

عادل الشجاع

يرحل الرجال، لكن بعض الرحيل لا يكون حدثاً عابراً، بل لحظة تكشف بعمق ما آلت إليه الدولة وفكرتها السياسية والإنسانية. وبرحيل الرئيس عبد ربه منصور هادي، لا يودع اليمن رجلاً شغل منصب الرئاسة فحسب، بل يودع مرحلة كاملة قامت عليها شرعية الدولة اليمنية المعترف بها داخلياً وخارجياً طوال سنوات الحرب والانقلاب.

لقد كان عبد ربه منصور هادي، بكل ما له وما عليه، الرئيس الذي التفّت حوله الشرعية اليمنية في أصعب الظروف، والرجل الذي حمل صفة الرئيس الشرعي في مواجهة الانقلاب الحوثي، واستندت باسمه مؤسسات الدولة والتحالفات والقرارات الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن 2216 والمرجعيات الثلاث المعروفة.

ومن المفارقات المؤلمة أن الرجل الذي حمل عبء الشرعية لسنوات، انتهى به المطاف بعيداً عن تراب وطنه، ممنوعاً من العودة إليه حياً، وها هو اليوم يواجه احتمال أن يدفن خارج اليمن أيضاً. وإن حدث ذلك، فلن يكون مجرد إجراء جنائزي أو قرار عائلي، بل رسالة سياسية وتاريخية قاسية، وكأن الشرعية اليمنية نفسها توارى الثرى خارج حدود الوطن.

إن دفن الرئيس عبد ربه منصور هادي خارج اليمن لا يمس شخصه وحده، بل يمس رمزية الدولة اليمنية وذاكرة الجمهورية ومكانة الرئاسة ذاتها. فمن غير المقبول وطنياً وأخلاقياً أن يبقى رئيس الجمهورية الذي اعترف به العالم رئيساً لليمن، بعيداً عن أرض اليمن حتى في مثواه الأخير.

إن أقل ما يمكن تقديمه للرجل بعد رحيله هو رد الاعتبار إليه وهو ميت، بعدما حُرم من العودة إلى وطنه وهو حي، فالتاريخ لا يرحم، والشعوب التي لا تحفظ رموز دولتها تفتح الباب لإهانة فكرة الدولة نفسها.

وعليه، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي اليوم مطالبة رسمية وشعبية واضحة بإعادة جثمان الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى اليمن، ليدفن فيها بوصفه رئيساً للجمهورية اليمنية، لا منفياً سياسياً بعيداً عن تراب وطنه.

إن تشييع جثمانه في عدن أو أبين أو أي مدينة يمنية سيكون رسالة وفاء للدولة اليمنية، ورسالة احترام لمنصب الرئاسة، ورسالة بأن الشرعية التي قامت باسمه لا تزال ترى في اليمن وطنها النهائي، لا محطة مؤقتة في المنفى.

رحم الله الرئيس عبد ربه منصور هادي، وغفر له، وألهم أهله ومحبيه والشعب اليمني الصبر والسلوان. لقد رحل بعيداً عن وطنه الذي أفنى سنوات عمره في خدمته، لكن ذكراه ستبقى حاضرة في ذاكرة اليمنيين بوصفه رئيساً قامت عليه شرعية الدولة في أحلك الظروف. ونسأل الله أن يحفظ اليمن من أن يفقد الوطن ذاكرته الجمهورية، فإن بقاء هذا الوطن أمناً واستقراراً يحفظ شعبه من كل مكروه.