عدن في مشروع هادي
لقد أدرك هادي مبكراً أن عدن ليست مدينة هامشية يمكن التعامل معها بعقلية النفوذ التقليدي، بل مدينة تمتلك مقومات تاريخية واستراتيجية قادرة على صناعة نهضة اقتصادية حقيقية لليمن والمنطقة. ولذلك كان حريصاً على إعادة الاعتبار لميناء عدن ودوره العالمي، بعد سنوات طويلة من التعطيل الممنهج الذي أفقد المدينة كثيراً من أهميتها الاقتصادية والتجارية.
ومن أبرز الخطوات التي ارتبطت باسمه موقفه من شركة موانئ دبي، التي كان يُنظر إلى إدارتها لميناء عدن باعتبارها أحد أسباب تعطيل الميناء وإبقائه خارج المنافسة الإقليمية، بما يخدم موانئ أخرى في المنطقة.
وقد مثّل إنهاء ذلك العقد رسالة سياسية واقتصادية واضحة بأن عدن يجب أن تستعيد دورها الطبيعي كميناء دولي ومركز ملاحي وتجاري مهم، لا أن تبقى رهينة لسياسات الاحتكار وتعطيل المنافسة.
ولم يتوقف مشروع هادي عند حدود الميناء فقط، بل امتد إلى رؤيته السياسية لمكانة عدن داخل الدولة الاتحادية.
ففي مخرجات الحوار الوطني، كان من أبرز الداعمين لمنح عدن خصوصية سياسية واقتصادية وإدارية، باعتبارها إقليماً اقتصادياً خاصاً يتمتع بصلاحيات واسعة تساعده على النهوض واستعادة مكانته التاريخية.
وكان يدرك أن عدن لا يمكن أن تنهض بعقلية الإدارة التقليدية نفسها التي أدارت البلاد لعقود وأوصلتها إلى هذا المستوى من التراجع.
لقد كان مشروع الدولة الاتحادية بالنسبة لهادي جزءاً من مشروع إنقاذ وطني شامل، يقوم على توزيع السلطة والثروة وإنهاء احتكار النفوذ، وإعطاء المدن الحيوية مثل عدن فرصة لإدارة مواردها وبناء نموذج اقتصادي حديث قائم على الاستثمار والتجارة والانفتاح.
ولذلك لم يكن غريباً أن تتجه الرئاسة في عهده نحو عقد شراكات واتفاقيات اقتصادية مع جمهورية الصين الشعبية، في إطار رؤية تهدف إلى إعادة إحياء البنية الاقتصادية والموانئ والمناطق الحرة وربط اليمن، وعدن تحديداً، بمسارات التجارة الدولية الحديثة.
غير أن هذا المشروع اصطدم بمصالح إقليمية وقوى داخلية لم تكن ترى في نهوض عدن مصلحة لها. فالإمارات، التي كانت تنظر إلى موانئ المنطقة من زاوية التنافس الاقتصادي والاستراتيجي، لم تكن مرتاحة لأي مشروع يعيد لميناء عدن عافيته ومكانته التاريخية. كما وجدت قوى محلية مرتبطة بمصالح النفوذ والصراع أن بقاء عدن مدينة مضطربة ومنهكة يخدم استمرار سيطرتها ومكاسبها السياسية والاقتصادية.
ومن هنا، تحولت عدن إلى ساحة صراع تتقاطع فيها المصالح الإقليمية مع أدوات الداخل، وتم تعطيل كثير من المشاريع والرؤى التي كان يمكن أن تفتح باباً مختلفاً لمستقبل المدينة واليمن عموماً. فبدلاً من أن تتحول عدن إلى مركز اقتصادي عالمي ومنطقة استثمار واستقرار، جرى دفعها نحو الفوضى والاستقطاب والصراعات المتكررة، حتى بقيت أسيرة الأزمات والخدمات المنهارة والانقسامات السياسية.
ورغم كل الانتقادات التي وُجهت للرئيس هادي خلال سنوات حكمه، إلا أن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بأنه كان من القلائل الذين حاولوا إعادة التفكير في مستقبل عدن بعيداً عن منطق الهيمنة التقليدية.
لقد كان يرى أن نهضة اليمن تبدأ من نهضة عدن، وأن استعادة دور المدينة الاقتصادي والثقافي والحضاري ليست قضية محلية تخص أبناءها فقط، بل مشروع وطني يعيد لليمن توازنه وموقعه في المنطقة.
رحم الله الرئيس عبد ربه منصور هادي، فقد حاول أن يعيد لعدن شيئاً من حقها التاريخي، لكن قوى الصراع والنفوذ كانت أكثر قوة وإصراراً على إبقاء المدينة ساحة مفتوحة للفوضى بدلاً من أن تكون عاصمة للاقتصاد والثقافة والسلام.