العيد في اليمن.. طقوس تتوارثها الأجيال
قبل عيد الأضحى بأيام، يدخل اليمنيون في مزاج مختلف تماماً، حتى وإن كانت الظروف المعيشية القاسية تفرض نفسها على تفاصيل الاستعدادات.
ورغم الحرب والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، ما يزال العيد يحتفظ بشيء من فرحته القديمة، كأن الناس يتمسكون به بوصفه فرصة نادرة للهروب المؤقت من ثقل الحياة اليومية.
في الأسواق، يبدو الجميع في سباق مع الوقت؛ الرجال يحاولون، بما تيسر لديهم من مال، شراء الأضاحي، أحياناً بشكل فردي وأحياناً عبر المشاركة مع أقارب أو جيران لتخفيف التكلفة، إلى جانب شراء ملابس الأطفال والحلوى والمكسرات وحاجيات العيد الأخرى.
لكن آثار الحرب باتت واضحة عاماً بعد آخر؛ فالكثير من الأسر لم تعد قادرة على الاحتفال كما كانت تفعل سابقاً، فيما جاء هذا العيد وسط ظروف معيشية أكثر صعوبة دفعت كثيرين إلى تقليص نفقاتهم أو الاكتفاء بالحد الأدنى من متطلبات المناسبة.
في المقابل، تدخل النساء في ما يشبه ورشة اجتماعية واسعة داخل البيوت؛ تنظيف المنازل، إعادة ترتيب الأثاث، تجهيز أدوات الضيافة، وتحضير الحلويات والأكلات المرتبطة بالعيد، إلى جانب التزين بالحناء أو "الخضاب"، وهي من الطقوس التي لا تزال حاضرة بقوة في كثير من المناطق اليمنية.
ومع أن كثيراً من العادات القديمة بدأت تتراجع تحت ضغط الحرب وتغير أنماط الحياة وتسارع الحداثة، فإن اليمنيين ما يزالون يتعاملون مع العيد بوصفه مساحة لاستعادة شيء من ذاكرتهم الجماعية.
فالعيد هنا لا يُختزل في الصلاة أو الملابس الجديدة فقط، بل يعيش في تفاصيل صغيرة تقاوم الاختفاء؛ في رائحة البخور، والأهازيج الشعبية، ودقات "الطاسة"، والعسب الذي ينتظره الأطفال بلهفة، والرقصات التراثية التي يحاول كبار السن نقلها إلى الأجيال الأصغر حتى لا تضيع مع الوقت.
صباح يشبه الذاكرة
مع أول تكبيرات العيد، تتغير ملامح المدن والقرى، ففي الأزقة القديمة بصنعاء، وفي قرى تعز، وأحياء عدن، ووديان حضرموت وغيرها، يخرج الرجال بملابسهم التقليدية؛ الثوب الطويل، والجنبية التي تتوسط الخصر، والشال، وقد يرتدي آخرون المعاوز أو البناطيل، بينما يمسك الأطفال بأيدي آبائهم وهم يتجهون إلى الساحات والمساجد لأداء صلاة العيد.
في تلك اللحظات، يبدو المشهد أكبر من مجرد مناسبة دينية، حيث يشبه العيد هدنة اجتماعية مؤقتة؛ تتراجع فيها الخصومات، ويعود الناس إلى بعضهم بالمصافحات والعناق والزيارات.
في بعض المناطق، يلامس الرجال وجوه بعضهم أثناء السلام، بينما يشتهر أهالي سقطرى بتحية ملامسة الأنوف، وفي قرى أخرى ينحني الأطفال لتقبيل أيدي الكبار أو ركبهم احتراماً لهم.
ورغم اختلاف العادات من محافظة إلى أخرى، فإن القاسم المشترك بينها جميعاً هو ذلك الإحساس الجماعي بأن العيد فرصة لإحياء الروابط القديمة التي أضعفتها الحياة.
النساء يصنعن العيد من الداخل
بينما تمتلئ الساحات بالمصلين، تكون البيوت اليمنية قد دخلت منذ ساعات الفجر في طقس آخر؛ حيث تنشغل النساء بإعداد "جعالة العيد”، وهي مزيج من الزبيب واللوز والفستق والكعك والحلويات التي تُقدّم للضيوف منذ الصباح الباكر.
وفي أحد البيوت الريفية بمحافظة إب، تقول أم خالد وهي تراقب "السباية" داخل الفرن الطيني:
"مهما تغيّرت الدنيا، لا يمكن أن يدخل العيد بيتاً يمنياً بلا رائحة السمن والعسل".
تتنقل النساء بين إعداد القهوة والبخور وتجهيز الطعام واستقبال الزوار، بينما تتحوّل البيوت إلى مساحات مفتوحة للضيافة.
وعلى الموائد، تظهر الأكلات التي ارتبطت بالعيد جيلاً بعد جيل؛ الزربيان في حضرموت والمناطق الساحلية، والسلتة في صنعاء، والعصيد والشفوت والهريش في مناطق أخرى، فيما تبقى "بنت الصحن" بالعسل اليمني واحدة من أكثر الأطباق حضوراً في صباحات العيد.
حتى طريقة تقديم الطعام تحمل طابعاً تراثياً خاصاً، ففي كثير من البيوت، لا يزال صاحب المنزل يقدّم المرق بنفسه للضيوف في تقليد يرى فيه اليمنيون جزءاً من معنى الكرم والاحترام.
"العسب".. فرحة الأطفال
وبالنسبة للأطفال، يبدأ الجزء الأجمل بعد انتهاء الزيارات العائلية، حيث يتحرك الصغار في مجموعات صغيرة بين البيوت، يطرقون الأبواب، يشربون العصائر، يأكلون الحلوى، ثم ينتظرون اللحظة التي تمتد فيها يد الجد أو العم أو الجار ببعض النقود ويسمى ذلك في اليمن "العسب".
ورغم تدهور الظروف الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، لا تزال هذه العادة حاضرة بقوة، حتى في البيوت محدودة الدخل.
بعض الأسر قد لا تتمكن من تقديم المال، لكنها تعوّضه بالحلوى أو المكسرات أو حفنة زبيب يمني، لأن الفكرة الأساسية بالنسبة لهم ليست قيمة ما يُعطى، بل بقاء شعور العيد نفسه.
حين تدافع الطبول عن الذاكرة
بعد أداء صلاة العيد وزيارة الأرحام، تبدأ الساحات باستعادة صوتها القديم، تعلو دقات الطبول، وتتجمع حلقات الرقص الشعبي في أكثر من مدينة وقرية، بينما يتقدم الرجال الصفوف بثقة لافتة.
في يافع، يحضر البرع بالخناجر والبنادق على إيقاع الزوامل الشعبية، وفي حضرموت، تتنوع رقصات الشبواني والهبيش والزربادي والدراج، بينما تتعالى التصفيقات مع كل حركة متقنة يؤديها الراقصون.
لهذا، يبدو العيد في اليمن أشبه بمحاولة جماعية لحراسة الذاكرة.
ورغم الحرب والفقر والنزوح وكل التحولات التي مرّت بها البلاد، لا يزال اليمنيون يتمسكون بهذه التفاصيل الصغيرة وكأنهم يدافعون بها عن آخر ما تبقى من شكل الحياة التي عرفوها.
وفي النهاية، قد لا يتذكر الأطفال بعد سنوات كم كان سعر الأضحية، ولا كم بلغت قيمة "العسب"، لكنهم سيتذكرون شيئاً آخر؛ رائحة السمن والعسل في البيت، صوت الطبول في الساحات، يد الأب وهو يقودهم إلى صلاة العيد، وضحكات الأقارب التي ملأت المنازل لساعات قليلة قبل أن يعود الجميع إلى همومهم اليومية.