طبيب الكوليرا الأول في اليمن.. حكاية "محمد حشابرة" الذي أمضى 6 عقود في خدمة مرضى الحديدة (قصة صحفية)
في مدينة الحديدة، حيث اعتاد الناس أن يقيسوا عمر المكان بما تركه أبناؤه في ذاكرته، أُسدل الستار، الجمعة 7 أغسطس/آب، على حياة طبيب ارتبط اسمه بمرحلة تأسيسية من تاريخ الطب الحديث في المحافظة.
كان "محمد عثمان حشابرة"، الذي توفي عن عمر ناهز 88 عاماً، واحداً من أوائل الأطباء اليمنيين الذين غادروا البلاد لدراسة الطب في الخارج، قبل أن يعود إلى الحديدة في ستينيات القرن الماضي ليجد نفسه أمام واقع صحي شديد الصعوبة، وأمراض وأوبئة تفتك بالسكان، وإمكانات طبية محدودة.
لم يكن "حشابرة"، بالنسبة إلى كثير من أبناء الحديدة، ممن تحدثت إليهم منصة "الهدهد"، طبيب باطنية عادي، فقد تحول مع مرور السنوات إلى جزء من ذاكرة المدينة الطبية والإنسانية، بعدما أمضى نحو 6 عقود في علاج المرضى، وتطوير الخدمات الصحية، وتدريب الكوادر، والعمل في مستشفى العلفي الذي ارتبط اسمه به طوال سنوات طويلة.
إلى موسكو
بدأت قصة "حشابرة" مع الطب في وقت كانت فيه الخدمات الصحية في اليمن لا تزال في مراحلها الأولى، ففي مستشفى "الأحمدي" في الحديدة، الذي أصبح لاحقاً مستشفى الشهيد العلفي، عمل في بداياته إلى جانب أطباء إيطاليين، واكتسب خبرات مهنية مبكرة قبل أن تبدأ رحلته الأهم.
عام 1957، ابتُعث إلى العاصمة السوفييتية "موسكو" ضمن بعثة يمنية لدراسة الطب، في خطوة كانت استثنائية في ذلك الوقت، إذ كان السفر إلى الخارج لدراسة الطب فرصة نادرة بالنسبة إلى أبناء اليمن.
أمضى هناك نحو عقد من الزمن في الدراسة والتخصص، قبل أن يعود إلى اليمن عام 1967، حاملاً تخصصه في الأمراض الباطنية والحميات، ليكون من أوائل الأطباء اليمنيين المتخصصين في هذا المجال في محافظة الحديدة، لكن عودته لم تكن بداية حياة مهنية هادئة، بل كانت بداية واحدة من أصعب مراحل مسيرته.
في مواجهة الوباء
كانت الحديدة عند عودته تواجه أوضاعاً صحية صعبة، مع انتشار الأمراض والأوبئة وندرة الأطباء المتخصصين، وفي تلك الظروف، وجد "حشابرة" نفسه في مواجهة وباء الكوليرا، وسط نقص كبير في الإمكانات والكوادر الطبية.
وبحسب روايات عن تلك المرحلة، تولى الطبيب الشاب، إلى جانب عدد محدود من الممرضين والمساعدين، مسؤولية علاج المرضى والمشاركة في جهود مكافحة الوباء، متنقلاً بين الحالات في وقت كانت فيه وسائل التشخيص والعلاج والرعاية الصحية محدودة مقارنة بما هو متاح اليوم.
ولم تكن الكوليرا وحدها من التحديات التي واجهها، فقد تعامل خلال سنوات عمله مع أمراض وحالات وبائية وصحية مختلفة، بينها حالات الاستسقاء، في وقت كانت فيه المحافظة تفتقر إلى كثير من الإمكانات الطبية الحديثة.
كان ذلك الطبيب، الذي عاد لتوه من موسكو، أمام واقع لا يسمح بالكثير من الخيارات: مرضى ينتظرون العلاج، وأطباء قليلون، ومستشفى يحتاج إلى التطوير، وكوادر تحتاج إلى التدريب، ومن هنا بدأت علاقته الطويلة بمستشفى العلفي.
العلفي.. أكثر من مستشفى
تولى "حشابرة" مسؤوليات إدارية وفنية في مستشفى الشهيد العلفي، وأسهم في تطوير خدماته الطبية وتدريب الكوادر الصحية العاملة فيه.
لم تكن مهمته مقتصرة على علاج المرضى، فقد كان جزءاً من مرحلة بناء الخدمات الطبية في المحافظة، وهي مرحلة احتاجت إلى أطباء لا يكتفون بالممارسة السريرية، بل يعملون أيضاً على تأسيس بيئة طبية قادرة على الاستمرار.
وبمرور السنوات، ارتبط اسم حشابرة بالمستشفى وبالطب الباطني في الحديدة، وأصبح واحداً من الوجوه الطبية المعروفة في المحافظة، كما أسهم في تدريب كوادر صحية وأطباء، لتتحول تجربته المهنية إلى معرفة تنتقل من جيل إلى آخر.
طبيب الفقراء
لكن ما بقي في ذاكرة كثير ممن عرفوا "حشابرة" لم يكن فقط المناصب التي شغلها أو السنوات التي أمضاها في المستشفى، إنما الطريقة التي تعامل بها مع مرضاه.
يصفه زملاؤه ورفاق مسيرته بأنه كان بسيطاً ومتوازناً وقريباً من الناس، وأن مهنته بالنسبة إليه ظلت قبل كل شيء مسؤولية تجاه المريض.
وكان الفقراء والمحتاجون حاضرين في مسيرته المهنية، وفق شهادات من عرفوه، فيما ظل حريصاً على أداء عمله بعيداً عن الاستعراض والمظاهر.
6 عقود من الطب
على امتداد عقود، شهدت الحديدة تغيرات كبيرة في واقعها الصحي والاجتماعي، توسعت المستشفيات، وتعددت التخصصات، وتخرج أطباء وكوادر صحية جديدة، لكن "حشابرة" ظل حاضراً في المشهد الطبي، شاهداً على التحول من بدايات محدودة الإمكانات إلى منظومة صحية أكثر اتساعاً، وإن ظلت تعاني تحديات كبيرة.
وكان أحد أولئك الذين عاشوا هذه التحولات من داخل المستشفى، من زمن كان فيه الطبيب المتخصص نادراً، إلى زمن أصبح فيه الطب أكثر تنوعاً وتخصصاً، وبذلك، لم تكن قيمة مسيرته في عدد السنوات التي قضاها في المهنة فقط، وإنما في موقعه ضمن جيل وضع اللبنات الأولى لخدمات طبية حديثة في محافظة الحديدة.
الوداع الأخير
في السابع من أغسطس/آب، حمل أبناء الحديدة جثمان محمد عثمان حشابرة إلى مثواه الأخير، وحضر التشييع أفراد أسرته، وأصدقاؤه، وزملاؤه، ومحبو الطبيب الذي عاش بعيداً عن الأضواء، لكنه ترك أثراً واسعاً في المكان الذي قضى فيه معظم حياته.
برحيله، فقدت الحديدة واحداً من أقدم كوادرها الطبية، وطوت صفحة رجل أمضى عقوداً في المستشفيات وبين المرضى، من مواجهة الأوبئة في بدايات عمله إلى تدريب أجيال من العاملين في القطاع الصحي.
ولعل أكثر ما يلخص إرث "حشابرة" أن الرجل الذي بدأ رحلته الطبية طالباً في موسكو، عاد إلى الحديدة في ستينيات القرن الماضي ليواجه واقعاً صحياً صعباً، ثم أمضى بقية حياته في محاولة تغييره.
رحل الطبيب، وبقيت سيرته في ذاكرة مرضاه وزملائه، وفي تاريخ مستشفى ارتبط اسمه به، وفي مدينة عرفته طبيباً قبل أن تعرفه شخصية عامة، وهكذا، لا تبدو قصة محمد عثمان حشابرة مجرد سيرة طبيب رحل بعد عمر طويل، بل حكاية جيل من الأطباء الذين بدأوا من إمكانات محدودة، وحاولوا أن يؤسسوا في اليمن طباً أكثر قدرة على مواجهة المرض، وأكثر قرباً من الإنسان.