باب المندب يغيّر المعادلة.. اليمن قضية استقرار عالمي

د. ناصر أحمد بن حبتور

في بيئة دولية تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة وحركة التجارة العالمية، لم يعد اليمن مجرد ملف سياسي محلي أو أزمة إقليمية ممتدة، بل أصبح أحد المفاتيح الرئيسة لفهم معادلات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والعالم. فقد أثبتت التطورات التي شهدها البحر الأحمر ومضيق باب المندب خلال الفترة الماضية أن ما يحدث في اليمن لم يعد شأناً يخص اليمنيين وحدهم، بل بات يؤثر بصورة مباشرة في أمن الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، واستقرار الاقتصاد العالمي.

لقد أعادت هذه المتغيرات رسم موقع اليمن في الحسابات الإستراتيجية للدول الكبرى. وليس لأن جغرافية اليمن تغيرت، بل لأن العالم أدرك أن أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم يبدأ من استقرار الدولة اليمنية، وأن أي فراغ سياسي أو أمني فيها لا يبقى محصوراً داخل حدودها، وإنما يمتد سريعاً إلى مصالح دولية واسعة.

ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح هو كيفية احتواء الأزمة اليمنية، بل كيف يمكن إنهاؤها بصورة مستدامة، بما يحقق استقرار اليمن ويحمي في الوقت نفسه الأمن الإقليمي والدولي.

باب المندب... الممر الذي غير المعدلة:

يشكل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط، ويعبر من خلاله جزء كبير من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن أي اضطراب في هذا الممر لا ينعكس على المنطقة وحدها، بل يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وإعادة توجيه خطوط الملاحة، وإرباك سلاسل الإمداد، وزيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي.

ولهذا، لم يعد أمن باب المندب قضية بحرية فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، وهو ما يمنح الملف اليمني بعداً إستراتيجياً يتجاوز حدوده الوطنية.

من إدارة الأزمة إلى بناء السلام:

خلال سنوات الحرب، ركزت الجهود الدولية على الحد من تداعيات الأزمة الإنسانية والأمنية، وهي جهود كانت ضرورية ولا تزال، لكنها لم تكن كافية لمعالجة جذور المشكلة. لقد أثبتت التجربة أن إدارة الأزمات، مهما طالت، لا يمكن أن تكون بديلاً عن صناعة السلام. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق من خلال احتواء التداعيات فقط، بل عبر بناء دولة قادرة، تمتلك مؤسسات فاعلة، وتفرض سيادة القانون، وتحتكر استخدام القوة، وتوفر لمواطنيها الأمن والخدمات وفرص التنمية.

ومن هنا، فإن دعم الدولة اليمنية لم يعد خياراً سياسياً يخص اليمن وحده، بل أصبح استثماراً مباشراً في أمن البحر الأحمر، واستقرار التجارة الدولية، وحماية الاقتصاد العالمي من أزمات متكررة. ورغم أهمية الاعتبارات الجيوسياسية، فإن الإنسان اليمني يجب أن يبقى محور أي مقاربة للمستقبل. فاستمرار معاناة الملايين لا يمثل أزمة إنسانية فحسب، بل يحد أيضاً من قدرة الدولة على النهوض، ويطيل أمد عدم الاستقرار.

إن تمكين اليمنيين من العيش في ظل دولة مستقرة، واقتصاد منتج، ومؤسسات فعالة، هو الضمان الحقيقي لتحويل الموقع الإستراتيجي لليمن من مصدر للتوتر إلى رافعة للتنمية والشراكة الإقليمية.

المملكة العربية السعودية... استثمار في الاستقرار:

في هذا السياق، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها الطرف الإقليمي الأكثر إدراكاً للعلاقة الوثيقة بين أمن اليمن وأمن المنطقة. فقد تبنت منذ بداية الأزمة مقاربة شاملة جمعت بين دعم الشرعية اليمنية، ورعاية مسارات الحل السياسي، وتقديم الدعم الإنساني والتنموي، وتعزيز أمن البحر الأحمر، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين. وتعكس هذه السياسة رؤية إستراتيجية تعتبر أن استقرار اليمن ليس مصلحة يمنية أو سعودية فحسب، بل ركيزة لاستقرار الخليج والبحر الأحمر، وعنصراً أساسياً في حماية التجارة العالمية وأمن الطاقة. كما تؤكد الجهود السعودية المستمرة في تهيئة الظروف للحوار، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية، وتشجيع الحلول السياسية، أن المملكة تنظر إلى السلام باعتباره استثماراً طويل المدى في الأمن الإقليمي والدولي، وليس مجرد تسوية مؤقتة لأزمة عابرة.

فرصة تستحق البناء عليها:

اليوم، تبدو الظروف أكثر ملاءمة للانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء السلام. فالإدراك الدولي المتزايد لأهمية البحر الأحمر، والتوافق الواسع على ضرورة حماية الملاحة الدولية، يهيئان فرصة حقيقية لإعادة تحريك الملف اليمني برؤية أكثر شمولاً، تقوم على دعم مؤسسات الدولة، وتمكينها من استعادة دورها، وإطلاق عملية سياسية جامعة تعالج جذور الصراع، لا مظاهره فقط. وهذا يتطلب شراكة مسؤولة بين اليمنيين، وإسناداً عربياً تقوده المملكة العربية السعودية، ودعماً فاعلاً من المجتمع الدولي، بحيث يصبح الاستثمار في السلام خياراً إستراتيجياً يخدم الجميع.

خاتمة:

لقد غيّر باب المندب بالفعل طريقة نظر العالم إلى اليمن. فلم يعد هذا البلد مجرد ساحة نزاع محلية، بل أصبح عنصراً مؤثراً في معادلات الأمن البحري، واستقرار التجارة الدولية، وأمن الطاقة، والاقتصاد العالمي. ومن هنا، فإن استعادة الدولة اليمنية، ودعم مؤسساتها، وإنجاح مسار السلام، لم تعد أهدافاً وطنية فحسب، بل أصبحت ضرورة تخدم الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي.

إن حماية الملاحة الدولية تبدأ من استقرار اليمن، لكن استقرار اليمن يبدأ بإرادة سياسية تتجاوز إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل، وبشراكة حقيقية بين اليمنيين، وإسناد عربي مسؤول، وتعاون دولي يدرك أن الاستثمار في السلام اليوم أقل كلفة بكثير من إدارة الأزمات غداً.