الخلاف لا يفسد الوطن.. وسوء إدارته يهدمه
ليس الخطر في أن يختلف اليمنيون، فالاختلاف طبيعي، بل الخطر في عجزنا عن إدارته بعقلانية، وتحويله من خلاف سياسي إلى خصومة وكراهية ومناطقية ومذهبية، ثم الاستقواء بالخارج.
ما يحدث في اليمن اليوم يؤكد أن الخلافات حين تخرج من إطار الحوار والمؤسسات، تتحول إلى صراعات تستنزف المجتمع وتفتح الباب أمام الاستقطاب الخارجي. فبدلا من أن نختلف حول شكل الدولة والحقوق والسلطة والعدالة، أصبحنا نختلف حول المناطق والهويات والمذاهب، حتى أصبح المختلف عند البعض عدوا لا شريكا في الوطن. وهنا تبدأ الكارثة.
الخارج لا يحتاج دائما إلى صناعة خلافاتنا؛ يكفيه أن يجد خلافا قائما فيضخمه، ويدعم طرفا في مواجهة آخر، ثم يعيد ترتيب أدواته وفقا لمصالحه. والنتيجة أن يصبح القرار الوطني مرهونا بالصراع الداخلي وبحسابات الآخرين.
لذلك، فإن مسؤوليتنا الوطنية ليست أن نتفق على كل شيء، وإنما أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتقاتل، وكيف نطالب بحقوقنا دون أن نستقوي بالخارج، وكيف ندافع عن مشاريعنا دون أن نحولها إلى أدوات للكراهية.
نختلف في شكل الدولة، في الوحدة أو الفيدرالية، وفي تفاصيل السياسة، وهذا حق مشروع. لكن لا يجوز أن يتحول الخلاف إلى تخوين أو تحريض أو استدعاء للقبيلة والمذهب والمنطقة والسلاح.
فالاستقواء بالخارج قد يمنح البعض مكسبا مؤقتا، لكنه في النهاية ينتقص من القرار الوطني ويضعف الجميع. اليمن اليوم بحاجة إلى عقل سياسي جديد يدرك أن الحوار ليس ضعفا، والتنازل المتبادل من أجل الوطن ليس هزيمة، والاختلاف لا يعني العداء.
لسنا بحاجة إلى وطن بلا خلاف، بل إلى وطن يعرف كيف يدير خلافاته دون أن يسمح للآخرين باستخدامها لتفكيكه. فالخلاف يجب أن يبقى يمنيا، والحوار يجب أن يكون
يمنيا، والحل في النهاية يجب أن يصنعه اليمنيون. نختلف كما نشاء، لكن لا نسمح لخلافاتنا أن تصبح بابا يدخل منه الآخرون إلى وطننا.