معادلة جديدة.. لماذا يعيد الحوثيون رسم خارطة التصعيد نحو باب المندب؟

راكان الجبيحي

تواجه جماعة الحوثي ضغوطاً متزايدة على المستويين الداخلي والعسكري في ظل مؤشرات عن تراجع قدرتها على الحفاظ على حالة التماسك الشعبي والاجتماعي في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تنامي مخاطر المواجهة العسكرية في جبهات القتال .

يأتي ذلك في وقت يشهد فيه معسكر القوات الحكومية مستوى متقدماً من التنسيق والتكامل بين مختلف تشكيلاته عبر غرف عمليات مشتركة ورفع مستوى الجاهزية، بما يعزز قدرته على خوض مواجهة أكثر تنظيماً، ويضع الحوثيين أمام مأزق عسكري وسياسي وأمني.

وتتزامن هذه الضغوط مع تحولات إقليمية وتفاهمات جديدة قد تعيد تشكيل موازين الصراع، وتزيد من المخاطر المحيطة بالجماعة ومشروعها .

وفي ظل هذه المعطيات يبدو أن الحوثيين بدعم وإسناد إيراني، يتجهون إلى إعادة ترتيب مسرح العمليات وخريطة الانتشار والتمركز، وتوسيع نطاق التصعيد الصاروخي والمسيّر بدلاً من الانخراط في مواجهة برية مباشرة قد تكون عالية الكلفة .

ويهدف هذا التحول إلى تعزيز الوضع الدفاعي للجماعة وفتح مساحات جديدة للمناورة، واستهداف مواقع ومنشآت حيوية في مناطق ذات أهمية استراتيجية، خصوصاً في ساحل تعز وباب المندب ومأرب، أملاً في تحقيق تأثيرات ملموسة تتيح لها فرض وقائع جديدة، وتحسين موقعها في أي مسار تفاوضي أو ترتيبات سياسية وعسكرية مقبلة، محلياً وإقليمياً .

وهو ما بدا واضحا من تحركات الجماعة من خلال إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية في تعز تحديدا في انتقال يتجاوز حسابات الدفاع عن مناطق سيطرتها إلى محاولة فرض معادلة جديدة على الساحل ومضيق باب المندب .

فبينما تمثل الحوبان شرياناً اقتصادياً مهماً للجماعة ومصدراً للإيرادات والتمويل، تبدو الأنظار الحوثية اليوم أكثر تركيزاً على مقبنة والساحل الغربي وميناء المخا وصولاً إلى باب المندب، في محاولة لنقل التصعيد من نطاقه المحلي إلى مستوى إقليمي .

ورغم ما يمثله ميناء الحديدة من أهمية باعتباره أحد أهم المنافذ البحرية التي تعتمد عليها الجماعة في تمويل أنشطتها العسكرية والاقتصادية من خلال الإيرادات والضرائب وشبكات التهريب وغيرها، إلا أن محاولاتها المتكررة لم تنجح في استهداف الملاحة والمصالح المرتبطة بالموانئ والممرات البحرية في تحقيق التأثير الذي تسعى إليه .

ومع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، يبدو أن الجماعة تبحث عن مساحة أكثر تأثيراً تستطيع من خلالها إعادة تقديم نفسها كفاعل إقليمي قادر على تهديد أحد أهم الممرات البحرية العالمية .

يأتي ذلك في ظل تغير واضح في طبيعة المشهد العسكري داخل الحكومة الشرعية، مع اتساع حجم التشكيلات العسكرية، وتحسن مستوى التنسيق، وتطور غرف العمليات المشتركة، وارتفاع الجاهزية بما يجعل أي مواجهة برية واسعة بالنسبة للحوثيين أكثر كلفة وخطورة .

وفي المقابل تواجه الجماعة ضغوطاً متزايدة في مناطق سيطرتها، تتصل بالأوضاع المعيشية والخدمية، وتراجع القدرة على التجنيد والتعبئة، الأمر الذي يدفعها إلى البحث عن مسارات تصعيد جديدة تخفف الضغط الداخلي وتعيد توجيه الأنظار نحو تهديدات وأهداف خارج نطاق مناطق سيطرتها .

ومن هذا المنظور يمكن قراءة الحشد الحوثي الأخير باتجاه تعز وساحلها باعتباره محاولة لتحقيق أكثر من هدف في وقت واحد .

فالجماعة تسعى إلى تشتيت القوات الحكومية، وخلق ضغط عسكري على محاور الساحل، ومحاولة الفصل بين قوات الساحل والقوات الموجودة في مدينة تعز ومحيطها، بما يتيح لها التعامل مع كل محور بصورة منفصلة .

كما أن الاقتراب من الساحل يمنحها فرصة أفضل لتطوير قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة باتجاه الأهداف البحرية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب .

ويبدو أن الحوثيين يسعون من خلال هذا التصعيد إلى تجاوز معادلة الحرب المحلية نحو معادلة ذات أبعاد إقليمية ودولية .

فاستهداف ميناء المخا أو المواقع والقوات الحكومية في الساحل لا يمثل هدفاً عسكرياً محلياً فقط وإنما يمكن أن يكون جزءاً من محاولة وصول صواريخها وطيرانها المسير إلى باب المندب وتهديد حركة الملاحة والتجارة الدولية عبر هذا الممر الاستراتيجي .

وقد أسهم التصعيد الإيراني المرتبط بمضيق هرمز في تعزيز هذه المقاربة، إذ يمنح موقع باب المندب وأهميته الاستراتيجية بالنسبة للتجارة العالمية الحوثيين فرصة لمحاكاة معادلات الضغط التي تستخدمها إيران في الممرات البحرية، وتحويل الجغرافيا اليمنية التي يسيطرون عليها إلى ورقة تأثير تتجاوز حدود الصراع الداخلي .

وعليه فإن انتقال الحوثيين من التركيز على المحاور المحلية إلى الساحل الغربي ومحيط باب المندب لا يعني التخلي عن أهمية الحوبان، بل تشير طبيعة التحركات إلى سعي الجماعة إلى تحصين المحور الشرقي والجنوبي في الحوبان ومديريات دمنة خدير وماوية والتعزية، باعتبارها مناطق ذات أهمية جغرافية واقتصادية وعسكرية، بالتزامن مع تعزيز حضورها في مقبنة ومحيطها باتجاه الساحل .

وهذا يكشف عن توزيع وظيفي للأدوار: تحصين العمق والحفاظ على الجغرافيا التي تسيطر عليها من جهة، وفتح مساحة للمناورة والتصعيد باتجاه الساحل من جهة أخرى .

فالحوبان بالنسبة للحوثيين منطقة ينبغي الحفاظ عليها، بينما يمثل الساحل مساحة للمناورة ومحاولة خلق وقائع جديدة قد تمنح الجماعة أوراق ضغط تتجاوز الحسابات العسكرية المحلية .

وبالتالي فإن التعزيزات الحوثية خلال الأسابيع الماضية تكتسب أهمية خاصة في فهم هذا التحول خصوصاً مع الدفع بمعدات عسكرية، واستحداث مواقع جديدة، وتجهيز منصات لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في مناطق جبلية مطلة وذات أهمية استراتيجية .

كما أن وجود خبراء إيرانيين مرتبطين بالحرس الثوري، وفق المعطيات المتداولة، للإشراف على عمليات التحشيد والإعداد يعزز فرضية أن التصعيد لا ينحصر في كونه تحركاً ميدانياً محدوداً وإنما يرتبط بإعداد مسرح عمليات قابل للتصعيد والتطور .

وبذلك تبدو التحركات الحوثية في تعز والساحل جزءاً من استراتيجية مزدوجة: الحفاظ على مناطق السيطرة والعمق الاقتصادي والعسكري، وفي الوقت نفسه توسيع هامش المناورة نحو الساحل وباب المندب .

وهي استراتيجية تعكس خشية الجماعة من مواجهة برية واسعة قد تستنزف قدراتها وتكشف نقاط ضعفها، مقابل محاولة نقل المعركة إلى مجال تستطيع فيه استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديد البحري لإنتاج تأثير سياسي واقتصادي يتجاوز حدود اليمن .

وفي المحصلة فإن التحول الحوثي من الحوبان إلى الساحل لا يمثل تغييراً جغرافياً في الانتشار فحسب بل يعكس محاولة لإعادة تعريف طبيعة المعركة نفسها: من صراع محلي على الأرض إلى ورقة إقليمية ودولية عبر باب المندب .

وهو ما يجعل التصعيد في ساحل تعز ومحيط المخا والمضيق جزءاً من حسابات تتداخل فيها حاجة الحوثيين إلى حماية مناطق نفوذهم، ورغبتهم في تجنب مواجهة برية مكلفة، وسعيهم إلى إثبات قدرتهم على التأثير في أمن الملاحة الدولية بما يتقاطع في الوقت ذاته مع الحسابات الإقليمية الإيرانية .