حين يكون العقل السياسي أقوى من الخلاف... مجلس شبوة الوطني العام نموذجًا

د. سمير أحمد بوست

قال بسمارك ذات يوم: "السياسة هي فن الممكن". وربما كان في هذه العبارة القصيرة درسٌ سياسي طويل: فالحكمة ليست أن ترى ما تريد فقط، بل أن تعرف كيف تصل إليه دون أن تخسر في الطريق ما هو أهم.

وفي السياسة، كما في الحياة، ليس كل اختلاف يحتاج إلى معركة، ولا كل موقف يحتاج إلى رفع الصوت. أحيانًا تكون السياسة الأكثر قوة هي تلك التي تقول كلمتها بوضوح، ثم تترك للحكمة بقية الطريق.

ومن هذه الزاوية، تستحق تجربة مجلس شبوة الوطني العام أن تُقرأ بهدوء.

وليس المقصود هنا تقديم صورة مثالية عن أي تجربة سياسية، ولا وضع طرف في مواجهة طرف؛ فالمشهد الشبواني أوسع من ذلك بكثير. وإنما الفكرة أن بعض التجارب تستحق أن تُقرأ من زاوية مختلفة: كيف يمكن لمكوّن سياسي أن يدافع عن رؤيته وحقوق محافظته، في بيئة تتعدد فيها المطالب والتوجهات، دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، أو المطالب إلى صدام؟

فالمجلس يجمع خبرات سياسية راكمتها سنوات من العمل العام، إلى جانب كفاءات أكاديمية وإدارية، وشخصيات اجتماعية ذات حضور وثقل.

وهذا التنوع يمكن أن يصنع عقلًا سياسيًا يرى المشهد من أكثر من نافذة: خبرة تقرأ الواقع، ومعرفة تفهمه، وإدارة تسأل عن الممكن، ومجتمع يذكّر الجميع بكلفة أي قرار على الناس.

وهنا تظهر قيمة هذا المزيج خصوصًا عندما تكون القضية حساسة، والمساحة بين الموقف والتصعيد ضيقة.

ففي التعقيدات السياسية الأخيرة في شبوة، اتضح أن الدفاع عن حقوق المحافظة وخصوصيتها، ومواجهة أي توجه شمولي أو إقصائي، يحتاج إلى موقف واضح؛ لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى قدر كبير من ضبط النفس وحسن تقدير المآلات.

والسياسة الذكية لا تخلط بين قوة الموقف وقسوة الأسلوب، وهو ما يبرز في تجربة مجلس شبوة الوطني العام حين يحافظ على جوهر موقفه، دون أن يجعل الاختلاف بابًا للصدام.

يمكن أن ترفض فكرةً دون أن ترفض أصحابها. ويمكن أن تتمسك بحقك دون أن تجعل من حقك سببًا لخصومة. ويمكن أن تختلف مع السلطة المحلية دون أن تحول الاختلاف إلى مواجهة.

بل إن من علامات النضج السياسي أن تحافظ على استقلالية موقفك، وفي الوقت نفسه تترك أبواب الحوار مفتوحة، وتحمي النسيج الاجتماعي من أن يدفع ثمن خلاف سياسي يمكن إدارته بالحكمة.

وهذا مهم في شبوة أكثر من أي مكان آخر؛ لأن المحافظة ليست مجرد ساحة للمواقف السياسية، بل مجتمع له علاقاته وامتداداته وحساسياته، وأي شرخ فيه قد يكون أسهل من ترميمه.

ولعل ما شهدته المحافظة مؤخرًا من مطالبات وأصوات مجتمعية، ومنها ما ظهر في منطقة العرم، يذكّر الجميع بأن المجتمع يريد أن يُسمع صوته، وأن قضايا الناس لا ينبغي أن تبقى خارج حسابات السياسة. وقد تنوعت المطالب والتعبيرات حول تلك التحركات، وهو ما يجعل الحاجة أكبر إلى قنوات سياسية ومجتمعية تستوعب التعدد، وتحول المطالب إلى حوار، والحوار إلى حلول.

لذلك، فإن نجاح أي مكوّن سياسي لا ينبغي أن يُقاس فقط بما يقوله في لحظة الخلاف، وإنما بما يتركه وراءه بعد أن تهدأ الأصوات. هل أصبح المجتمع أكثر تماسكًا؟ هل بقيت مساحة للحوار؟ هل حُفظت الحقوق دون أن تُفتح أبواب صدام لا حاجة له؟ وهل ظل المختلفون قادرين على الجلوس حول طاولة واحدة عندما تنتهي العاصفة؟ هذه، في تقديري، هي الأسئلة التي تكشف العقل السياسي الحقيقي، وتمنح تجربة مجلس شبوة الوطني العام قيمتها بوصفها تجربة قابلة للقراءة والتقييم، لا مجرد موقف عابر في سجال سياسي.

فالمواقف السياسية قد تختلف، وهذا طبيعي. لكن الحكمة أن يبقى الاختلاف داخل حدود السياسة، وألا يتحول إلى عداوة اجتماعية.

فليس المطلوب أن يتفق الجميع... بل أن يعرف الجميع كيف يختلفون دون أن يخسروا بعضهم.

وشبوة لا تحتاج إلى سياسة تزيد عدد الخصوم، بقدر حاجتها إلى سياسة تزيد مساحة الممكن.

سياسة تدافع عن الحقوق دون ضجيج زائد، وتواجه الإقصاء دون إقصاء، وتحافظ على المبدأ دون أن تغلق أبواب التفاهم.

وفي النهاية، ربما يكون أجمل انتصار سياسي ليس أن تقول: "لقد غلبنا الآخر"... بل أن تستطيع أن تقول: "لقد حافظنا على حقنا، وحفظنا مجتمعنا، وأبقينا أبواب المستقبل مفتوحة".

فهنا تحديدًا... يكون العقل السياسي قد انتصر على الخلاف، لا بالخلاف.