تعز.. مناورة تتجاوز الدفاع.. لماذا يعيد الحوثيون خريطة انتشارهم؟
تكشف التحركات العسكرية الحوثية الأخيرة في محافظة تعز عن نمط يتجاوز التعزيزات الروتينية المعتادة، إذ تترافق عمليات التحشيد وإعادة الانتشار واستحداث المواقع والتحصينات في محاور الشرق والغرب مع تصعيد متزامن في محيط مدينة تعز ومديريات الساحل.
ويبدو أن الجماعة تتحرك وفق استراتيجية تقوم على تثبيت شبكة نفوذ عسكرية متعددة الاتجاهات وفي نطاق جبهات مترامية الأطراف، تبدأ من الحوبان والتعزية، وتمتد شرقًا نحو دمنة خدير وماوية، وغربًا باتجاه مقبنة والساحل، بما يمنحها قدرة أكبر على المناورة والحفاظ على خطوط الإمداد والضغط على أكثر من محور في الوقت ذاته.
ففي المحور الشرقي تكتسب مديريتا ماوية ودمنة خدير أهمية خاصة بحكم موقعهما المتصل بجبهات الضالع ولحج والطرق المؤدية جنوبًا، وتكشف التعزيزات وإعادة تفعيل المواقع القديمة واستحداث مواقع جديدة، إلى جانب نشاط التعبئة والتحشيد، عن محاولة لتأمين هذا العمق ومنع أي اختراق محتمل، مع الاحتفاظ بإمكانية استخدامه للتحرك نحو جبهات أخرى.
أما في الغرب من تعز، فتبدو مديرية مقبنة ومحيطها جزءًا من حسابات مختلفة ترتبط بالحفاظ على الضغط باتجاه ساحل تعز وميناء المخا وباب المندب، ويمنح الانتشار في المرتفعات والمواقع الجبلية الجماعة قدرة على توفير عمق ناري ومراقبة المحاور المؤدية إلى الساحل، بالتوازي مع التصعيد الصاروخي والطائرات المسيّرة.
وفي قلب هذه الخريطة تأتي التعزية والحوبان باعتبارهما مركز الثقل العسكري والإداري واللوجستي للجماعة في تعز. فالموقع الجغرافي واتصال المنطقة بمحيط مدينة تعز وبالمحاور الشرقية والغربية يجعلان منها قاعدة خلفية مهمة لإدارة الجبهات، ونقل الأفراد والمعدات، وتخزين وتجهيز الأسلحة والقدرات الصاروخية والمسيّرة.
هذه التحركات الحوثية تبدو وكأنها تهدف إلى منع تشكل اتصال عملياتي بين جبهات تعز وساحلها، والحيلولة دون نشوء تنسيق ميداني يمكن أن يربط القوات الحكومية في محور تعز بالقوات الموجودة في المخا، رغم أنها في حالة تنسيق متقدم وغرفة عمليات مشتركة لا تتعلق بجبهات تعز وقواتها فحسب، بل على مستوى كل القوات والتشكيلات العسكرية الحكومية.
فالفصل بين المدينة والريف والساحل يمنح الجماعة قدرة أكبر على إدارة كل جبهة بصورة منفصلة وتقليل احتمالات الضغط المتزامن عليها.
كما أن التصعيد البحري واستهداف المخا لا يبدو منفصلًا عن هذه الحسابات، فهو، إلى جانب وظيفته العسكرية، يحمل رسالة تتعلق بإثبات الحضور الحوثي في تعز وسواحلها، وربط الجغرافيا المحلية بأجندة إيرانية في سياق الصراع الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، فإن التحركات في تعز لا يمكن قراءتها باعتبارها استعدادًا لمعركة شاملة بالضرورة، إذ لا تكفي المعطيات الحالية للجزم بذلك، لكنها في المقابل تشير بوضوح إلى أن الجماعة تتحسب لتغير محتمل في ميزان القوة، وتسعى إلى تحسين مواقعها الدفاعية والهجومية وتأمين خطوط إمدادها وتوزيع قواتها على مساحات أوسع قبل حدوث أي تطور ميداني.
ويعزز ذلك ما يرافق الانتشار العسكري من إعادة ترتيب وتوزيع واستبدال للقيادات والعناصر، وتوسيع عمليات التعبئة والتحشيد، ومحاولة تقليل الاعتماد على المراكز العسكرية الرئيسية، ونقل النشاط إلى القرى والمرتفعات والمواقع الحساسة، وهذا يعكس رغبة في بناء شبكة انتشار أكثر مرونة قادرة على الصمود والمناورة في حال تعرض أحد محاورها لضغط عسكري.
ولا يمكن الحديث عن التحرك الحوثي وفق الذهنية التقليدية للجماعة، بل يُضفى عليه الطابع الإيراني، مع وجود خبراء مرتبطين بالحرس الثوري خلال الأيام الماضية على أطراف تعز، ساهموا في هندسة عملية إعادة رسم خريطة الانتشار والتمركز.
وهذا يضيف بعدًا إقليميًا إلى التحركات، خصوصًا بالنظر إلى الموقع الجغرافي لتعز واتصالها بالمخا وباب المندب. وفي المقابل، تكشف حالة الانتشار الواسعة عن نقطة ضعف داخلية للجماعة، فكلما توسعت دائرة الانتشار العسكري والجباية والتعبئة القسرية، ازدادت حاجتها إلى فرض السيطرة داخل المجتمعات المحلية في ظل تراجع الخدمات وتنامي الاحتقان الشعبي.
وبالتالي، فإن اتساع الخريطة العسكرية لا يعني بالضرورة اتساع الاستقرار، بل قد يعكس حاجة متزايدة إلى استخدام القوة للحفاظ على النفوذ. وبشكل أدق، فإن ما يحدث في تعز أقرب إلى إعادة تموضع احترازية ذات طابع دفاعي وهجومي في آن واحد.
فالحوثيون لا يكتفون بحماية مواقعهم الحالية فحسب، بل يحاولون بناء شبكة مترابطة من العمق الشرقي في ماوية ودمنة خدير، ومركز الثقل في الحوبان والتعزية، والعمق الغربي في أطراف جبهة المدينة وصولًا إلى الريف في مقبنة، مع إبقاء ساحل تعز ضمن دائرة الضغط.
والرسالة الأهم أن الجماعة تتصرف كما لو أنها تستعد لمرحلة أكثر قابلية للتصعيد، دون أن يعني ذلك حتمية اندلاع معركة شاملة. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لهذه التحركات تكمن في أنها تكشف أهمية تعز في الحسابات العسكرية الحوثية، ليس باعتبارها جبهة محلية فحسب، وإنما كحلقة وصل بين الداخل اليمني والملاحة البحرية عبر المخا وباب المندب والمحاور الجنوبية.
وبقدر ما تسعى الجماعة إلى منع عزل جبهاتها أو قطع خطوطها، فإن اتساع انتشارها يفتح في المقابل مساحات يمكن أن تتحول إلى نقاط ضغط عليها إذا أُحسن استثمارها عسكريًا واستخباريًا، خصوصًا عبر منعها من إدارة الجبهات بصورة منفصلة، وقطع قدرتها على المناورة بين المحاور، وإبقاء الضغط على شبكة الإمداد والعمق العسكري بدلًا من التعامل مع كل جبهة بمعزل عن الأخرى.