راتب لا يكفي حتى لربع الحياة
اليوم وصل الراتب، وقبل أن نذهب لاستلامه جلسنا نحسب: كم علينا من ديون؟ ماذا ينقص البيت؟ وما الذي نستطيع شراءه بهذا الراتب؟
اكتشفنا أن راتبنا لا يتجاوز 250 إلى 300 ريال سعودي، وهو مبلغ لا يكفي حتى لربع احتياجات الأسرة. لم نعد نستطيع شراء ما كنا نسميه في عدن «الراشن»؛ بعض الأرز والسكر والزيت وما تيسر من المواد الأساسية التي تكفي الأسرة حتى نهاية الشهر. اليوم حتى هذه الأشياء أصبحت فوق قدرة الموظف.
المؤلم أن هذا يحدث في ظل دولة لديها حكومة ووزارات مالية وخدمة مدنية، يفترض أن تكون مسؤولة عن تحقيق العدالة وحماية حقوق الموظفين.
فكيف يستلم موظف يعيش ويعمل داخل البلد راتبا لا يتجاوز بضع مئات من الريالات السعودية، بينما يحصل بعض من يعيشون خارج الوطن على إعاشات تبدأ من آلاف الريالات السعودية، وتصل لدى بعض المسؤولين إلى مبالغ أكبر بكثير؟ أي عدالة هذه؟
والأخطر أن هذا الواقع لم يعد ينتج الفقر فقط، بل بدأ يعيد تشكيل سلوك المجتمع. فقد أصبح البعض لا يتنافس على الإنتاج والعمل والكفاءة، وإنما يتنافس على الانتقال من الطبقة المطحونة إلى طبقة النفوذ والامتياز.
وهناك أبواب كثيرة مفتوحة لهذا الانتقال، وفي مقدمتها التخندق مع الجهات التي تدفع بالريال أو الدرهم أو الدولار. وهنا تصبح السياسة عند البعض وسيلة للارتزاق، لا وسيلة لخدمة الوطن. وكل ذلك يبقى ارتزاقا، حتى لو علق صاحبه علما على صدره ورفع أكثر الشعارات الوطنية صخبا.
إن المشكلة ليست في المؤهل ولا في سنوات الخدمة ولا في حجم المسؤولية، وإنما في نظام صنع طبقات: طبقة تعيش في الخارج وتتمتع بامتيازات السلطة، وطبقة من الموظفين والعاملين والكوادر المحلية بقيت في الداخل تتحمل أعباء الحياة والانهيار الاقتصادي، ثم وجدت نفسها في آخر سلم الاهتمام. إلى متى يستمر هذا الظلم؟
ومتى يصبح الوطن وطنا للمواطن والمواطنة، لا وطنا للنفوذ السياسي والعسكري والامتيازات؟
السؤال لم يعد عن زيادة راتب أو تحسين معيشة فقط، بل عن العدالة نفسها. وعندما يصبح راتب الموظف عاجزا عن توفير أساسيات الحياة، بينما يصبح النفوذ والارتهان طريقا إلى الثراء والامتياز، فإننا لا نكون أمام أزمة معيشية فحسب، بل أمام أزمة قيم ودولة ومجتمع.
إلى متى؟ ومتى يصبح الوطن مكانا يكافئ من يعمل وينتج، لا من يملك النفوذ ومن يدفع له؟