روسيا والصين وفرنسا في مواجهة داخل مجلس الأمن.. ماذا تغير في الموقف من اليمن؟

مأرب الورد

في الجلسة الطارئة لمجلس الأمن بشأن التطورات الميدانية في اليمن، كان اللافت فيها الخلاف الحاد بين ممثل روسيا، بالدرجة الرئيسية، ثم الصين بدرجة أقل، وممثل فرنسا الذي يتولى الرئاسة الدورية للمجلس. 

وهذا الخلاف لا يمكن وضعه في سياق الاختلاف حول ترتيب كلمات المتحدثين وتأطيره في الشكل الإجرائي فقط، ذلك أن اختزاله في هذا الجانب يختزل جوهر الخلاف نفسه، بقدر ما يؤشر إلى تحوّل لافت في موقف روسيا تحديدًا من الوضع في اليمن، تجلى في أكثر من موقف، من تصريحات المتحدث باسم الرئاسة الروسية إلى البيان الصادر عن سفير موسكو لدى اليمن.

في هذا التحليل، سيتم مناقشة كلمات المتحدثين على مستويين: الأول، فيما يتعلق بالشكل الإجرائي؛ والثاني، كيف يمكن قراءة ذلك في سياق سياسي، لفهم كيفية انعكاس التطورات في الساحل الغربي وباب المندب على مواقف أعضاء مجلس الأمن، وتحديدًا روسيا، التي ظل موقفها متماسكًا طوال السنوات الماضية، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على جهود الحكومة على الصعيد الدبلوماسي.

جاء هذا الخلاف على خلفية قرار رئيس مجلس الأمن، المندوب الفرنسي، وضع كلمة ممثل اليمن في مقدمة ترتيب المتحدثين، أي بعد إحاطة مسؤول أممي، وليس بعد كلمات أعضاء مجلس الأمن. وقد استند في ذلك إلى سلطته التقديرية وإلى فقرات من النظام الداخلي للمجلس، وسيأتي شرح هذا الموقف لاحقًا.

هذا القرار، أثار غضب المندوب الروسي بشكل حاد؛ فقد تحدث مطولًا في مسألة إجرائية كان يكفي فيها أن يعترض بعبارة واحدة، لكنه أعطى الموضوع أكبر من حجمه، واستخدم لغة حادة، رغم أنه حاول القول إن اعتراضه لا يتعلق بالوفد الذي عينته الرئاسة ليكون في مقدمة قائمة المتحدثين قبل أعضاء مجلس الأمن، في إشارة إلى الوفد اليمني، بل بما يسميه النهج الانتقائي الذي تتبعه رئاسة المجلس.

وكان واضحًا من خلال هذا الاحتجاج الطويل، وكما سيرد في سياق الكلمة، أنه يحتج بشكل غير مباشر على عقد الجلسة الطارئة لمناقشة التطورات الحالية في اليمن، والتي أظهرت موقفًا روسيًا مثيرًا للانتباه، لا سيما ذلك الصادر عن متحدث الرئاسة الروسية، حينما سُئل من قبل وكالة «تاس» الروسية عما إذا كانت موسكو ستعيد النظر في الاعتراف بحكومة اليمن الشرعية بناءً على التطورات الراهنة، فكان جوابه: دعونا ننتظر التطورات الخطيرة ونأمل استقرار الوضع.

ورغم أن هذا لم يتضمن تحوّلًا أو تخليًا عن الاعتراف بالحكومة الشرعية، فإنه في الوقت نفسه لم يتضمن جوابًا قاطعًا بأن هذا الاعتراف مسألة محسومة، ذلك أن تغيرًا جزئيًا في السيطرة على الجغرافيا لا يمنح، في حد ذاته، مشروعية للطرف المتمرد وفقًا للقواعد القانونية الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول.

وحاول الممثل الروسي أن يدعم احتجاجه بحجج أخرى، تمثلت في أن قرار رئاسة مجلس الأمن كان أحاديًا ولم تتم مشاورة أعضاء المجلس بشأنه، رغم أن رئيس الجلسة نفى ذلك، كما سيرد في كلمته لاحقًا.

وذهب المندوب الروسي في سرد مطول لم يكن مفيدًا على النحو الذي يدعم مسعاه، وبالغ في استخدام لغة حادة ونوع من السخرية تجاه الفرنسيين، رغم وصفهم بالزملاء؛ فقد تحدث عن تجاهل ما أسماه «الممارسة الراسخة» في إدارة جلسات مجلس الأمن، وعرض على الفرنسيين عقد ندوة لتعليمهم بها وبشكل مجاني.

ثم بعد ذلك رحب ترحيبًا كاملًا بحضور زملائه اليمنيين في الوفد، وقال إنه مستعد للاستماع إلى مداخلاتهم بموجب المادة السابعة والثلاثين من النظام الداخلي المؤقت لمجلس الأمن. وكان رئيس الجلسة قد برر قراره، من ضمن ما برره به، بأن تقديم كلمة المندوب اليمني يجعل صوتهم أكثر وزنًا، وهو من هذه الناحية صحيح، إذ إن تقديمهم في الحديث يمنحهم قيمة سياسية أكبر.

وختم المندوب الروسي مداخلته محذرًا الفرنسيين من ألا يختبروا صبرهم، واصفًا موقف الرئاسة بأنه أحادي وغير محترم.

وبعد ذلك تحدث ممثل الصين داعمًا مداخلة زميله الروسي، ومساندًا لما يسميه بالممارسة الراسخة التي تقتضي، وفق رأيه، احترام الممارسة المستقرة فيما يتعلق بترتيب المتحدثين، معتبراً أن هذه المسألة مهمة للحفاظ على وحدة المجلس وتعاونه، مؤكدًا أن هذه الملاحظات لا تستهدف الدولة المعنية، وهي اليمن، ولا موضوع الجلسة الخاصة بها، ثم رحب بالوفد اليمني.

عقب ذلك، أخذ ممثل فرنسا الكلمة وعقّب على المندوبين، قائلاً إنه على عكس ما ذكر المندوب الروسي بشأن عدم التشاور معهم، فقد أكد أنه جرى نقاش مطول مع أعضاء المجلس، وأنه كان من المهم بالنسبة إليه أن يتمكّن ممثل اليمن من أخذ الكلمة مباشرة بعد إحاطة المسؤول الأممي، وفقًا لروح ونص الفقرة السادسة والثلاثين من مذكرة الرئاسة، حتى تكون أمام المجلس ملاحظات الدولة المعنية بالدرجة الأولى بهذه المسألة.

وبعد استعراض المستوى الأول المتمثل في الجانب الإجرائي، نناقش الآن المستوى الثاني، المتمثل في البعد السياسي الذي يُقرأ في سياق هذا الخلاف الإجرائي.

والبداية بكلمة المندوب الروسي، التي خلت من أي موقف يدين تقدم الحوثيين نحو مضيق باب المندب أو سيطرتهم على الأراضي، رغم أن دولًا أخرى في المجلس اتخذت هذا الموقف، إذ اكتفى بالتعبير عن القلق إزاء زعزعة الأمن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ولم يربطها بالتصرف الأحادي من جانب الحوثيين، بل وضعها ضمن سياق أوسع يتمثل في عدم معالجة الأسباب الأساسية للصراع.

ثم عاد ليقول إن طرق التجارة التي تمر عبر هذه المياه تمثل شرايين رئيسية للتجارة الدولية وسلاسل الاقتصاد العالمي، في سياق تذكيره بأهميتها.

وقال إن روسيا تدين الهجمات على السفن المدنية أينما وقعت، دون أن يسمّي الحوثيين بالاسم، ثم دعاهم إلى وقف أعمال قد تشكل تهديدًا للسفن التجارية وأطقمها في البحر الأحمر وخليج عدن، وأعرب عن أمله في أن يتحلوا بضبط النفس، وأن يتصرفوا بمسؤولية، وأن يسعوا إلى حل الخلافات مع السعودية عبر المفاوضات.

بعد ذلك انتقل إلى لغة أكثر حدة تجاه زملائه الغربيين، أعضاء المجلس الدائمين، مثل فرنسا وأمريكا وبريطانيا، الذين تتبنى مواقفهم توجهًا داعمًا للحكومة اليمنية وينسجم مع قرارات مجلس الأمن بشأن اليمن.

وبدأ كما لو كان يقطع الطريق على أي محاولات محتملة لاتخاذ قرار بدعم أي جهود عسكرية للحكومة اليمنية، وكذلك السعودية ضد الحوثيين؛ إذ قال إنه يجب أن تكون استجابة مجلس الأمن عقلانية ومدروسة بعناية ومتناسبة مع ما يحدث على الأرض.

ثم استشهد، لدعم موقفه، بقرار مجلس الأمن 2722، الذي صدر بشأن هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، قائلًا إن هذا القرار جرى تفسير أحكامه بصورة خاطئة من جانب عدد من أعضاء المجلس في إشارة لأمريكا وبريطانيا، مؤكدًا أن هذا الأمر ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار حتى لا تتكرر ما أسمّاها الإجراءات المتسرعة، وذهب إلى حد بعيد بالقول إن أي إجراء من هذا النوع قد يؤدي إلى تدمير آفاق التسوية المتبقية.

أما الموقف الإيجابي فيما ذكره، فتمثل في الإعراب عن تمسك بلاده والتزامها بوحدة اليمن، الذي وصفه بالصديق، وسيادته وسلامة أراضيه.

وقد كان لافتاً تجاهل المندوب الروسي حق الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وبموجب قرارات مجلس الأمن، في استعادة أراضيها واحتكارها للسلاح وبسط نفوذها على أنحاء البلاد، في الوقت الذي تتحجج بلاده في حربها في أوكرانيا بحقها في الدفاع عن مصالحها وأمنها القومي، رغم أنها تحارب في أرض دولة مستقلة. أما حكومة اليمن، فهي تدافع عن حقها الحصري في بسط سلطة الدولة في مواجهة جماعة متمردة.

ويترافق هذا الموقف مع أبرز تطور سياسي في الموقف الروسي، عبّر عنه متحدث الكرملين قبل أيام.

وفيما يتعلق بموقف المندوب الصيني، فقد وصف التطورات الحالية بالدراماتيكية، والتي غيّرت السيطرة الفعلية على الجزر الاستراتيجية في باب المندب، واكتفى بالتعبير عن قلق بلاده حيال ما جرى، ودعمها الثابت لسيادة اليمن والسعودية وأمنهما وسلامة أراضيهما.

وقال إن الخط الأحمر بالنسبة إليهم، الذي يجب ألا يتم تجاوزه تحت أي ظرف، هو حماية المدنيين والأعيان المدنية.

لكنه لم يتحدث بشكل واضح عن معارضتهم لما قام به الحوثيون، على الأقل لجهة التمدد إلى باب المندب باعتباره ممرًا للملاحة الدولية، إذ اكتفى بالقول إن الحفاظ على نظام مناسب للملاحة في هذه المياه مسؤولية مشتركة لجميع الأطراف، وإن بلاده تعارض أي هجمات على السفن المدنية، وتؤكد حق السفن التجارية لجميع الدول في المرور عبر مياه البحر الأحمر وفقًا للقانون الدولي.

ودعا إلى إيجاد مخرج على طاولة المفاوضات، وليس من خلال المعارك لتحديد الفائزين والخاسرين.

في المحصلة، تكشف جلسة مجلس الأمن أن التطورات الميدانية في الساحل الغربي وباب المندب بدأت تفرض نفسها على حسابات القوى الكبرى، وأن الموقف الروسي تحديدًا يستحق قراءة دقيقة، ليس فقط من زاوية ما قاله، بل أيضًا مما تجنّب قوله. وبينما حافظت موسكو وبكين على الدعوة إلى التهدئة والحوار، فإن أي تغير في السيطرة على الأرض أو في أمن الملاحة قد ينعكس على مواقف المجلس ومسار التعامل الدولي مع الأزمة اليمنية، وهو ما يستدعي من الحكومة اليمنية قراءة هذه التحولات مبكرًا والاستعداد للتعامل معها دبلوماسيًا.