انتظر المعركة فوجد مدينةً تهرب.. " يحيى السواري" يروي كيف سقطت المخا وانسحبت القوات بلا تفسير
في التاسعة مساء التاسع من سبتمبر/أيلول، أبلغت إدارة قناة الجمهورية، الناطقة باسم المقاومة الوطنية، والتي كان يقودها عضو الرئاسي اليمني "طارق صالح"، أبغلت الإعلامي "يحيى السواري"، بضرورة مغادرة المخا إلى عدن، بسبب تدهور الوضع في الجبهات. غادر طاقم القناة، لكنه قرر البقاء، بعدما لم تستبعد الإدارة اندلاع معركة داخل المدينة.
كان "السواري" يعتقد أن قوات طارق صالح تستعد للدفاع عن المخا. وعند منتصف الليل، خرج من مسكنه فشاهد آليات عسكرية منتشرة في الشوارع ومقاتلين يتحركون بكثافة. بدا له المشهد استعداداً لمعركة وشيكة، فكتب منشوراً يتحدث فيه عن "ملحمة وطنية".
لكن بعد أربع ساعات، اكتشف أن تفسيره للمشهد كان خاطئاً، فقرابة الرابعة فجراً، اختفت المدرعات والمقاتلون من الشوارع، وغادر أفراد الأمن مواقعهم، وأُخرج سجناء من إدارة الأمن، فيما انقطع التواصل مع القيادات العسكرية.
يقول "السواري" في روايته التي نشرها على منصات التواصل الاجتماعي، ورصدتها "الهدهد"، "يا لغبائي.. تلك الحركة السريعة للجنود والآليات لم تكن استعداداً للمعركة بل للمغادرة".
حاول بعدها مغادرة المدينة، لكنه لم يجد وسيلة نقل، وبحسب روايته، كان مئات السكان يبحثون في الوقت نفسه عن سيارات تنقلهم إلى عدن، بينما رفض أصحاب المركبات المتاحة المغادرة خوفاً من القتال وانقطاع الطرق.
عند السابعة صباحاً، بدأت القذائف تسقط داخل المدينة، وأصيب محيط المستشفى السعودي، فيما سُمع إطلاق نار في أطرافها، خرج السواري مجدداً بحثاً عن وسيلة نقل، ولمح حافلة أمام أحد المنازل. طرق الباب، وطلب من صاحبها نقله إلى عدن مقابل أي مبلغ.
وافق الرجل من حيث المبدأ، لكنه رفض المغادرة خوفاً على أسرته. حاول السواري إقناعه بأخذ أسرته معه، كما حاول الرجل الاتصال بأصحاب حافلات يعرفهم، لكن من دون نتيجة.
عاد السواري إلى مسكنه، وبعد نحو ساعة، ومع اشتداد إطلاق النار، عاد إلى منزل الرجل نفسه. هذه المرة لم يطلب منه نقله، بل قال له: "خبّيني".
وبحسب روايته، تدخلت زوجة الرجل وطلبت منه مساعدته، ثم أعطاه الرجل مفتاح سيارته، وحذره من أن الوقود لا يكفي للوصول إلى عدن.
غادر السواري المخا بالسيارة، ويقول إن ما حدث دفعه إلى التساؤل عن سبب مساعدة أسرة لا تعرفه لشخص غريب في وقت يهرب فيه الجميع من المدينة. ويضيف أن ما شاهده جعله يفكر في استعداد السكان للمواجهة مقارنة بقرار القيادات العسكرية الانسحاب.
انسحاب بلا تفسير
على الطريق إلى عدن، شاهد السواري أعداداً كبيرة من السكان والمركبات والآليات العسكرية تغادر المخا. ويقول إنه رأى أسرًا تسير على الأقدام وأخرى تستخدم وسائل نقل محدودة، بينها أسرة من خمسة أشخاص على دراجة نارية.
ويقدر السواري عدد القوات الموجودة في المخا بنحو 30 ألف مقاتل، لكنه يوضح أنه ليس خبيراً عسكرياً وأن الرقم تقديري.
سأل عدداً من الجنود الذين التقاهم عن سبب الانسحاب. يقول إن كثيرين منهم لم يعرفوا ما حدث، وإن الإجابة التي تكررت كانت أنهم شاهدوا بقية القوات تنسحب، فانسحبوا بدورهم.
ويرى أن هذا يطرح سؤالاً حول كيفية انهيار قوة عسكرية كبيرة بهذه السرعة، وما إذا كان قرار الانسحاب قد اتُخذ على مستوى القيادات من دون أن يعرف معظم المقاتلين تفاصيله، كما يعبر عن خيبة أمله من القائد طارق صالح، الذي يقول إنه كان يعتقد أنه لن يغادر المدينة من دون قتال.
وكان السواري قد التقى طارق صالح في الأول من سبتمبر، قبل سقوط المخا بأيام. ويقول إنه بدا عليه الإرهاق، وإن أحد المقربين منه أخبره سابقاً بأن مرافقيه اضطروا إلى أخذ أجهزة الاتصال منه لإجباره على النوم بعد أيام من السهر ومتابعة المعارك.
لكن، بحسب السواري، "اختفى القائد في اللحظة التي كان يجب أن يظهر فيها»، على حد تعبيره"، ويقول إنه لا يعرف أسباب قرار الانسحاب أو مكان طارق صالح في تلك اللحظة، ولذلك لا يستطيع الحكم على دوافعه، لكنه يرى أن السكان والجنود كانوا مستعدين للقتال.
ولا يقدم السواري نفسه خبيراً عسكرياً للحكم على جدوى الدفاع عن مدينة صغيرة ومكشوفة. ويقر بأن لدى القيادات العسكرية ربما أسباباً جعلت الانسحاب، في تقديرها، الخيار الأفضل، لكنه يقول إن تقييمه لما حدث ينطلق من تأثير القرار على السكان والجنود والقضية التي قاتلوا من أجلها.
جنود الجبهات
في نهاية شهادته، يتحدث السواري عن الخسائر البشرية التي سبقت سقوط المخا، ويقول إنه رأى جثث قتلى في ساحة المستشفى في المخا من وحدات مختلفة، بينها المقاومة والعمالقة والدرع.
وينقل عن أحد الممرضين في المستشفى السعودي أن المستشفى كان يستقبل، خلال الأيام الأربعة السابقة للانهيار، ما بين 30 و40 جريحاً يومياً من جبهات ريف تعز.
كما ينقل عن أحد الجرحى قوله إن مقاتلي جماعة الحوثي كانوا يدفعون مقاتليهم إلى هجمات بهدف استنزاف ذخيرة القوات المقابلة. وعندما سُئل الجريح عن عدد المقاتلين الذين قتلهم، انهار باكياً وردد: «أطفال.. أطفال».
ويرى السواري أن الجنود الذين قاتلوا في تلك الجبهات يجب تكريمهم والاستفادة من خبراتهم، لا إهانتهم أو الاستغناء عنهم.
بالنسبة إليه، بدأت ليلة التاسع من سبتمبر باعتقاد أن القوات تستعد لمعركة للدفاع عن المخا، وانتهت بانسحابها خلال ساعات، فيما وجد السكان أنفسهم أمام خيار واحد: مغادرة المدينة بأي وسيلة ممكنة.