محلل سعودي يلمّح: الإمارات سلّمت المخا لإيران "هدية".. هل تكرر سيناريو صنعاء؟
أعاد الكاتب والمحلل السياسي السعودي "سليمان العقيلي"، (الجمعة)، فتح ملف التطورات المتسارعة في الساحل الغربي اليمني، بتعليق ناري شبّه فيه ما جرى في مدينة المخا بسيناريو سقوط العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، في تلميح إلى دور إماراتي محتمل في التطورات الأخيرة، وإشارة إلى أن ما يحدث قد يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
وقال العقيلي، في تدوينة على منصة «إكس» رصدتها "الهدهد" "من الواضح أن المُخا سُلّمت للحوثي في الليل الحالك هدية من دولة لأخرى بدون قتال!! تماماً مثلما حصل في صنعاء (سبتمبر 2014)".
وتحمل عبارة "هدية من دولة لأخرى"، في سياق تدوينة العقيلي، إشارة إلى دولة الإمارات، فيما ربط المحلل السعودي التطورات بحسابات إقليمية أوسع، مضيفًا: "وكله لتطويق وتهديد السعودية ومصر من جهة، ولتسويق سردية دعائية من جهة أخرى!".
ويأتي تعليق العقيلي في وقت يشهد فيه الساحل الغربي تحولات عسكرية متسارعة، عقب انسحاب قوات عضو مجلس القيادة الرئاسي "طارق صالح" من مواقع في جنوب الحديدة، وإعادة انتشارها باتجاه المخا وذوباب، بالتزامن مع تقارير تحدثت عن تقدم حوثي باتجاه مناطق أقرب إلى مضيق باب المندب.
خلافات الرياض وأبوظبي.. والساحل الغربي في قلب الحسابات
وتأتي التطورات الميدانية في ظل "تباينات متصاعدة بين السعودية والإمارات بشأن الملف اليمني"، رغم عمل البلدين لسنوات ضمن التحالف الداعم للحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين.
وتباينت حسابات الطرفين بشأن شكل الدولة اليمنية والقوى المحلية التي يحظى كل طرف بعلاقات ونفوذ معها، إلى جانب تنافس أوسع على النفوذ والموانئ والممرات البحرية، وهو ما انعكس بصورة خاصة على ملفات الجنوب والساحل الغربي.
ومع تصاعد التطورات الأخيرة، عادت هذه التباينات إلى الواجهة، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت التحركات التي شهدها الساحل الغربي تعكس مجرد ترتيبات عسكرية فرضتها المعركة، أم أنها تتقاطع مع حسابات إقليمية أوسع تتجاوز حدود الجبهة اليمنية.
وفي خضم ذلك، تداولت مصادر ووسائل إعلام "تسريبات عن وجود وفد حوثي في العاصمة الإماراتية أبوظبي"، وسط حديث عن اتصالات غير معلنة بالتزامن مع التحولات العسكرية في الساحل الغربي.
ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه التسريبات أو طبيعة الوفد والجهات التي التقاها، إلا أن تداولها في هذا التوقيت يضيف بُعدًا سياسيًا حساسًا إلى المشهد، خصوصًا مع حديث العقيلي عن "هدية من دولة لأخرى".
ما الذي حدث؟
بدأ التحول الأبرز فجر الخميس، مع انسحاب قوات طارق صالح من مناطق انتشارها في مديرية حيس وأجزاء من الخوخة جنوب محافظة الحديدة، وإعادة تموضع وحدات عسكرية باتجاه المخا وذوباب.
وبحسب مصادر عسكرية، جاء الانسحاب عقب سلسلة اختراقات حوثية قالت المصادر إنها هددت خطوط الإمداد والاتصال بين القوات المنتشرة على امتداد الساحل الغربي.
وكانت السيطرة على "معسكر خالد بن الوليد" غربي تعز، وفق روايات ميدانية، إحدى أكثر النقاط حساسية في هذا التحول، بالنظر إلى موقع المعسكر وتأثيره على المحاور التي تربط المخا بمناطق جنوب الحديدة.
وتحدثت مصادر محلية وعسكرية عن انسحاب القوات من حيس باتجاه المخا عقب التطورات في محيط المعسكر، فيما وصفت جهات موالية للحكومة الخطوة بأنها "إعادة تموضع لتجنب الوقوع في كماشة عسكرية".
وبينما تصف مصادر عسكرية التحركات بأنها إعادة انتشار فرضتها التطورات الميدانية، فإن سرعة الانسحابات واتساع نطاقها أثارا تساؤلات سياسية وعسكرية واسعة، خصوصًا مع انتقال تداعيات المعارك إلى المخا والمناطق القريبة من باب المندب.
المخا.. من قاعدة خلفية إلى قلب المواجهة
وفي وقت لاحق، أفادت مصادر حكومية يمنية بخسارة مدينة المخا وسيطرة الحوثيين عليها، بينما أعلن عضو مجلس القيادة الرئاسي ورئيس المكتب السياسي للمقاومة الوطنية "طارق صالح" إنشاء "مركز قيادة بديل في موقع آمن جنوب المخا"، مع توجيهات بإعادة ترتيب الصفوف وتجميع الوحدات بالتنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والتحالف العربي.
ولم تتوقف التطورات عند الجبهة البرية، إذ امتدت المواجهة إلى البحر الأحمر والجزر الواقعة قبالة الساحل، وبحسب مصادر عسكرية، استهدف الحوثيون جزيرة "زُقر" بصاروخين باليستيين، فيما نفذت القوات الجوية اليمنية ضربات على مواقع في التحيتا والصليف وجزيرة كمران.
وكانت جزيرة زُقر قد شهدت، مطلع سبتمبر، هجومًا حوثيًا أسفر، وفق مصادر حكومية، عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات البحرية، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة ليشمل الجزر والممرات البحرية المرتبطة بالساحل الغربي.
وهكذا تتداخل خطوط المواجهة في مشهد واحد: "قتال بري في غرب تعز وجنوب الحديدة، ضربات صاروخية باتجاه الجزر، وغارات على مواقع ساحلية، وتحركات عسكرية قرب المخا والخوخة".
ويمنح هذا التداخل المعركة أبعادًا تتجاوز السيطرة على الأرض، بالنظر إلى الارتباط المباشر بين الساحل الغربي والبحر الأحمر وممرات الملاحة المؤدية إلى باب المندب.
لماذا يضغط الحوثيون غربًا؟
وبحسب مصادر عسكرية يمنية، فإن التحركات الحوثية الأخيرة قد تكون جزءًا من مسار أوسع لإعادة ترتيب الأولويات العسكرية باتجاه الساحل الغربي.
وقالت المصادر إن نحو 100 خبير وضابط إيراني وعراقي، انتقلوا، أواخر أغسطس، من مناطق في صنعاء والجوف ومأرب وصعدة إلى جبهات الساحل الغربي، للمشاركة في إدارة العمليات.
وتشير هذه الرواية إلى أن الدور الإيراني، وفق المصادر نفسها، لم يعد مقتصرًا على الإشراف على الهجمات البحرية والصاروخية، وإنما امتد إلى التخطيط للعمليات البرية في محاور الكدحة ومقبنة وجبل حبشي والوازعية وجنوب الحديدة.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الهدف المحتمل لا يقتصر على تحقيق مكاسب ميدانية في تعز والحديدة، وإنما قد يتصل بمحاولة تثبيت موطئ قدم أكثر قربًا من باب المندب، بما يمنح الحوثيين أوراق ضغط عسكرية وجيوسياسية أكبر.
هل يتكرر مشهد صنعاء؟
من هنا تكتسب قراءة سليمان العقيلي أهميتها السياسية؛ فهو لا يتعامل مع سقوط المخا، وفق توصيفه، باعتباره مجرد خسارة ميدانية، بل يضعه في سياق سياسي وإقليمي أوسع، مستحضرًا تجربة سقوط صنعاء عام 2014.
لكن المقارنة بين المشهدين تظل "قراءة سياسية وليست حقيقة محسومة"، خصوصًا في ظل تضارب الروايات بشأن طبيعة الانسحابات وحجم السيطرة الفعلية على الأرض.
ويبقى السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: "هل كان سقوط المخا نتيجة اختراق عسكري حوثي أجبر القوات على الانسحاب، أم أن ما جرى جزء من ترتيبات أكبر تعيد رسم خريطة النفوذ في الساحل الغربي؟".
وفي ظل الحديث عن تباينات سعودية إماراتية، وتسريبات بشأن اتصالات حوثية في أبوظبي، وتحركات إيرانية مزعومة على الجبهات، تبدو المخا وباب المندب أمام مشهد جديد قد لا تتحدد نتائجه عند حدود اليمن، بل تمتد تداعياته إلى "أمن البحر الأحمر ومصالح القوى الإقليمية والدولية".