كيف يُربك المفسبكون بطولات الميدان؟
بعد أيام من مغامرة الحوثي، أعادت القوات المسلحة موازين الأمور إلى ما ينبغي أن تكون عليه، وما يطالب به عموم اليمنيين، حيث حققت تقدمات مهمة في الجوف، وهو تحول يفترض أن يستفيد منه الجميع للتكفير عن خطيئة الاستهبال الإعلامي الذي شهدناه الأيام القليلة الماضية.
كان فريق بعينه قد تأثر بهجوم الحوثي في الساحل وتعز، وعمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على بث اليأس والإحباط، وإعادة إنتاج المشهد الإعلامي الذي عرفناه قبل سنوات؛ تخوين وشتم واتهامات باطلة، وتشكيك في بطولات الرجال والقادة.
ونحن نعرف آليات عمل الإعلام، ونعرف أن الشغل المنظم والمكثف والمتناغم لا يأتي من فراغ، وأن تكرار الرسائل، وتزامن الحملات، وتشابه الخطاب، واستمرار الضغط في اتجاه واحد، كلها مؤشرات على وجود عمل مرتب ومنظم، وليس مجرد ردود فردية أو انفعالات شخصية.
اليوم ما زلنا في بداية المعركة التي يتطلع الجميع إلى أن تكون مختلفة عن كل المعارك السابقة، وأن تكون معركة تحرير واستعادة للدولة وإنهاء الانقلاب.
والعمل الإعلامي في زمن الحرب لا يصح أن يتحول إلى مادة للاستهلاك الدعائي، بما له نتائج مباشرة على الأرض، فقد تضعف مقاتلا في مترسه، وتخيف أسرة فتمنع ابنها من الالتحاق بالجبهة، وتربك القيادة تحت ضغط الإعلام، فتدفعها إلى اتخاذ قرارات ربما لا تكون محسوبة بدقة، وبشكل عام أي خطاب إذا لم يكن مسؤولا فهو بكل تأكيد ضار بالمعركة مهما كانت الشعارات التي يرفعها أصحابه.
والحروب، بطبيعتها، كر وفر، وشد وجذب، ونصر وهزائم، وتقدم وتراجع، ودماء وأشلاء وضحايا ودمار وخراب، وهذه حقائق لا يمكن القفز عليها بتمنيات مثالية، ولا يمكن تحويل كل تراجع ميداني إلى انهيار شامل، كما لا يمكن تحويل كل تقدم إلى حسم نهائي للمعركة.
ولا يعقل أنه مع كل طلقة يطلقها الحوثي تخرج تلك المجموعات لتربك معركتنا، ومع كل هجمة تبدأ موجة جديدة من التشكيك والتخوين والتهويل، وكأن المطلوب من القيادة أن تخوض الحرب، وتخوض في الوقت نفسه معركة تبرير كل خطوة أمام حملات إعلامية لا تتوقف.
ولا يعقل كذلك أن نتحمل هذا الضغط والإرباك الإعلامي إلى ما لا نهاية، أو أن تصبح قيادة الدولة والحرب تحت ضغط هؤلاء مطالبة بكشف الخطط والترتيبات العسكرية، حتى تثبت لمجموعة من المفسبكين أنها ليست متقاعسة أو نائمة.
نأمل ألا تستمر الخفة، وأن يقوم الطرف الذي يرعى تلك المجموعات ( أياً يكن) بمراجعة حساباته، وإعادة النظر في عمل طواقمه وتمويلها، قبل أن تتحول هذه الممارسات من مجرد عبث إعلامي إلى عامل فعلي في إرباك الجبهة وإضعاف المعركة.