لا خوف على تعز
لا خوف على تعز، وهي التي كسرت الغزو الحوثي في لحظاته الأولى ببندقية و"آر بي جي" تدوال عليها المقاتلون في أكثر من جبهة.
لا خوف على المحافظة التي عكست قواعد الحرب، فحينما كانت المدن تهزم بالحصار وتسقط بالسيطرة على قلبها، كان قلب تعز ينتفض ليطهر المدينة بيتاً بيتاً، شارعاً شارعاً، حارة حارة، قبل أن يفيض الكفاح في مديريات صبر والحجرية وجبل حبشي والوازعية ومديريات الساحل، طارداً المليشيات الحوثية الإرهابية من معظم المحافظة.
طبيعة الحرب تجعلنا دائماً في حالة ترقب وقلق، وربما خوف أحيانا خصوصا حين تظل موازين القوة والإمكانات بحاجة إلى مزيد من التحسن. وقد واجهت تعز خلال سنوات الحرب تهميشا وتحديات متراكمة أثّرت في قدراتها، الأمر الذي جعلها في مرمى محاولات الحوثيين المتكررة لتحقيق اختراق يمنحهم مكاسب ميدانية أو معنوية. غير أن تعز ظلت، في كل مرة، قادرة على الصمود وإفشال تلك المحاولات، وتحويل رهانات المليشيا الحوثية إلى هزائم جديدة.
لكن حروب الإستنزاف التي بدا أن الحرب دخلتها في مرحلة مبكرة للأسف بلا أفق حسم، مدت في عمر الحوثي، وأطالت معاناة المحافظة والبلاد عموماً، في حين ظلت الإدارة العسكرية والسياسية للمعركة تلتزم نفس حالة التوهان ومنحت الحوثي امتياز تحديد متى يقاتل وأين، وكيف ينفرد بالجبهة تلو الأخرى في سلوك غير مفهوم وأقل ما يقال عنه أنه لا يكترث لتضحيات البلاد والناس.
لا نريد أن نحلل ماحدث، فالأمر متروك للمتخصصين، لكن المعلومات تقول إن الهجوم الحوثي كان استثنائياً حيث دفع بالآلاف من مقاتليه من ألوية النخبة في صنعاء والقيادة المركزية التابعة للمليشيات بأنساق متتابعة، وقد استغل حالة الاسترخاء غير المفهوم التي تدير بها الشرعية الحرب، وقد اختار تعز معتقداً انها الخاصرة الأقل تسليحاً، محاولاً بالطبع تحقيق اختراق استراتيجي باتجاه باب المندب ضمن تعليمات إيرانية واضحة تتحكم بالملف اليمني وتديره ضمن استراتيجيتها في ادارة حربها الخاصة وابقاء نفوذها في اليمن.
أن تسقط بعض المواقع في ظل شحة الإمكانيات فهو أمر متوقع في الحرب فالمعارك على الأرض لا تسير على هوى أصحابها حين تتكافأ الإمكانيات والقدرات، فما بالك حين يعرف عدوك أنك وضعت في دائرة من الاهمال وحرمت من أهم الإمكانيات والقدرات القتالية وحتى الإمكانيات المالية واللوجستية، ليضعك تحت ضغط شديد، لذلك فإن سقوط بعض المواقع متوقع مع استخدام الحوثي كل هذا العدد الهائل من المقاتلين والعتاد النوعي والقصف المكثف والعنيف، لكن ذلك أمر عارض ولا يجب ان يهز من معنوياتنا، رغم جرح خسارة عدد من أبطالنا الأفذاذ في الجبل والساحل.
لقد حافظت تعز بجيشها ومقاومتها الشعبية على كل موقع استعادته من مليشيا الحوثي طيلة فترات الحرب في مشهد صمود وبسالة نادرة، ويبدو أن سلطتنا الشرعية عوض تعزيز هذه الجبهات بالإمكانيات والعتاد وتحسين وضع أفراد الجيش ومساواتهم برفاقهم في الجبهات الأخرى ظلت تراهن على حماسة المحافظة وبسالتها وإقدامها دون اكتراث لمسؤولياتها الوطنية والأخلاقية والقانونية والدستورية.
إن محافظة كتعز، بما تمثله من أهمية سياسية واستراتيجية للبلاد، فضلاً عن ارتباطها بالأمن القومي والمصالح الدولية، ظلت تواجه على مدى سنوات تهميشاً كبيراً، أثّر في مستوى إمكاناتها وقدراتها، ولا سيما في الجوانب العسكرية واللوجستية والبشرية. ومع ذلك، لم تمنع هذه الظروف أبناء المحافظة من أداء واجبهم الوطني، إذ ظلوا يعوضون محدودية الإمكانات بما يمتلكونه من عزيمة وتضحيات، ويثبتون في مختلف الظروف أن إرادة المقاتل قادرة على تجاوز الكثير من الصعوبات.
لقد تمكن رجال القوات المسلحة في محور تعز والمقاومة الوطنية في الساحل من استعادة زمام المبادرة ميدانياً وطرد المليشيات من كثير من المواقع التي سيطرت عليها وهم في طريقهم لتحرير بقية اجزاء محافظة تعز والحديدة بإذن الله في طريق المعركة الكبرى لإستعادة صنعاء وإنهاء الإنقلاب للأبد.
ما يجب أن نركز عليه هو الضغط من أجل إنهاء مرحلة إدارة المعركة بمنح الحوثي امتياز تحديد زمان ومكان المعركة على الدوام.
والمستغرب حقاً أن يظل يُمنح أيضاً امتياز الإنفراد بكل جبهة على حدة بينما تظل بقية الجبهات صامتة. لقد أنهت هذه العصابة المليشياوية الهدنة وقبل ذلك قضت على أسوأ اتفاق ابرمته بضغط المجتمع الدولي وهو اتفاق استوكهولم، لذلك يجب أن تكون هذه الحرب التي يشنها منذ شهرين تقريباً مناسبة لاستعادة البلاد وإنهاء الإنقلاب.
ما نعرفه يقيناً أن تعز لم تكن لقمة سهلة عندما كانت مليشيات الحوثي تتجول في شوارع المدينة، بينما تحاصرها بعشرات الألوية من خارجها ، أما اليوم وقد صارت معظم تعز محررة وهناك قوات مسلحة في المحور والساحل ،فإن خوف الحوثي من تعز هو الذي يحركه وليست الشجاعة والقوة، بالإضافة لاستهانته بدماء وأرواح عناصره المغرر بهم.
نشدد مجدداً على ضرورة المعالجة الفورية لوضع القوات المسلحة في تعز تسليحياً والعناية بقوتها البشرية بتسوية مرتباتهم وأوضاعهم المادية أسوة بزملائهم ورفاقهم في كافة الوحدات والتشكيلات مع محاسبة أي تقصير وتصحيح أي اختلالات في كافة الوحدات والتشكيلات والمكونات والتعامل بعين المساواة لبناء مؤسسة دفاعية وطنية يمنية.
نشعر بالحزن والأسى لأننا خسرنا رجالاً أفذاذاً في المعركة الأخيرة ونشاطر عائلاتهم الحزن، لكننا نشعر بالفخر والإعتزاز برجال قواتنا المسلحة في المحور والساحل وهم يردون الهجوم الحوثي وسيعكسونه لتحرير اليمن بإذن الله من دنس أكثر الجماعات الطائفية دموية وعنصرية وتخلف في التاريخ اليمني.
ندعو السلطة المحلية في تعز الى الارتقاء لمستوى اللحظة وسرعة التحرك لتقديم العون والمساعدة للنازحين الذين اضطروا لترك منازلهم في قرى جبل حبشي ومقبنة بفعل المواجهات والقصف الحوثي الهمجي، كما ندعو رجال الأعمال والجمعيات الخيرية الى سرعة التفاعل لتقديم الغوث والمساعدة، وهي مناسبة لأن أدعو أهلنا في تعز والسياسيين والناشطين على وجه الخصوص، الى التآزر والتكاتف، وترك المناكفات التي تشتت الجهد ولقد عهدناكم رجال ملمات ولن تكونوا غير ذلك.
لقد كانت معركة اليومين الماضيين إختباراً عملياً لوحدة أجزاء محافظة تعز مدينة وساحل وجبل، وهو الإختبار الذي اجتزناه بنجاح بتكامل الجبهات والتنسيق، وندعو وزارة الدفاع الى تشكيل غرفة عمليات واحدة.
نحي رجال وأبطال قواتنا المسلحة اليمنية والمقاومة الشعبية في مختلف جبهات محور تعز كما نحي بنفس الروح رفاقهم من أبناء القوات المسلحة اليمنية في المقاومة الوطنية في سواحل محافظة تعز والحديدة الذي خاضوا ويخوضون معاً واحدة من أكثر المعارك الوطنية التي ستشكل بالتأكيد مساراً جديداً في حرب إنهاء الإنقلاب.