رفيق بندقية عدنان الحمادي يلحق بقائده في جبهة الكدحة.. الحكاية الأخيرة لـ"فتحي الحمادي"

2026-09-04 18:30 الهدهد - خاص
 الحكاية الأخيرة لـ"فتحي الحمادي"
الحكاية الأخيرة لـ"فتحي الحمادي"

في الصور القديمة، يظهر "فتحي الحمادي" قريباً من العميد "عدنان الحمادي"، رفيقاً ومرافقاً شخصياً، ووجهاً حاضراً إلى جوار القائد الذي ارتبط اسمه بسنوات من المعارك في تعز، وبعد نحو 6 سنوات على رحيل عدنان، انتهت رحلة "فتحي" في الجبهة التي أمضى فيها سنوات من حياته.

تتبعت منصة "الهدهد" قصة "فتحي"، الذي استشهد الخميس 3 سبتمبر/أيلول، في جبهة الكدحة بمديرية مقبنة غربي تعز، أثناء مشاركته مع رفاقه في التصدي لهجوم شنته مليشيا الحوثي على مواقع الجيش اليمني، وفق بيانات نعي وشهادات رفاقه.

بالنسبة إلى رفاق السلاح، لم يكن "فتحي" مجرد مقاتل في صفوف الجيش، فقد ارتبط اسمه منذ وقت مبكر بالعميد عدنان الحمادي، قائد اللواء 35 مدرع، الذي استشهد في ديسمبر/كانون الأول 2020. وكان فتحي واحداً من الرجال المقربين منه، ورافقه خلال سنوات المواجهة.

لم تكن العلاقة بين الرجلين تختصرها صفة "القائد والمرافق"، فقد جمعتهما رفقة السلاح، وميادين القتال، وسنوات الحرب الصعبة، قبل أن يفرّقهما الموت؛ يرحل عدنان أولاً، ويبقى فتحي في الجبهة، إلى أن لحق بقائده بعد سنوات، في واحدة من أكثر جبهات تعز اشتعالًا.

بعد رحيل "عدنان"، لم يبتعد "فتحي" عن الميدان. واصل حضوره في الجبهات، متنقلاً بين مواقع المواجهة، محتفظاً، بحسب رفاقه، بحضوره كمقاتل ورفيق عرفته ميادين القتال لسنوات.

وفي بيان نعيه، وصفت الوحدة 111 في اللواء 35 مدرع فتحي بأنه "رفيق النضال ورفيق درب الشهيد القائد العميد عدنان الحمادي" وقالت إنه ارتقى في جبهة مقبنة أثناء أداء واجبه.

في الساعات الأخيرة من حياته، كان "فتحي" في جبهة الكدحة، حيث شهدت المنطقة مواجهات عنيفة مع مليشيا، وقال رفاقه إن القوات المشاركة في القتال تصدت للهجوم وتمكنت من دفع المهاجمين إلى التراجع.

لكن وراء خبر الاستشهاد، ثمة رجل يتذكره رفاقه بصورة مختلفة عن صورة المقاتل في ساحة المعركة، يقول أحدهم إن "فتحي" كان يستقبل من يلتقيه بابتسامة عريضة، رغم سنوات الحرب وما تركته من قسوة على الوجوه والذاكرة.

ويصفه آخر بأنه كان شابًا يحمل صفات القيادة، مقاتلًا شرسًا في الجبهة، لكنه في الوقت ذاته كان هادئاً وبشوشاً، وصاحب نفس طموحة وروح تتطلع إلى ما هو أبعد من حياة المتاريس.

هذه الصورة الإنسانية تتكرر في شهادات رفاقه الذين كتبوا عنه بعد مقتله، رجل جمع، في نظرهم، بين صلابة المقاتل ووداعة الصديق، وبين حضور الرجل الذي اعتاد الوقوف في الصفوف الأولى وابتسامة لم تفارقه.

ولذلك بدا استشهاده لرفاقه أكثر من خبر عسكري عابر، كان غياب رجل عاش بينهم سنوات، وتقاسم معهم الخوف والانتظار والمعارك، قبل أن يسقط في المكان الذي اعتاد أن يقف فيه.

شبل من ذاك الأسد

في رثائه، كتب أحد رفاقه عبارة اختصرت العلاقة التي ظلت تربط فتحي بعدنان: "هذا الشبل يلحق بذاك الأسد"، عبارة أعادت الرجل إلى الصورة القديمة التي يظهر فيها إلى جوار قائده، قبل أن يصبح هو نفسه جزءاً من ذاكرة الشهداء.

ويرى رفاقه أن فتحي كان امتداداً لمسيرة عدنان الحمادي، وأنه ظل وفيًا للطريق الذي جمعهما حتى لحظاته الأخيرة. وفي رثاء آخر، وصفه أحدهم بأنه مضى ثابتاً في موقفه، وهو ما ينسجم مع الصورة التي يحتفظ بها زملاؤه عنه.

جبهة الكدحة التي شهدت استشهاد فتحي ليست موقعاً عابراً في خريطة الحرب بتعز، فالمنطقة الواقعة في مديرية مقبنة، غربي المحافظة، ظلت لسنوات ساحة لمواجهات متقطعة وعنيفة، نظراً إلى موقعها الاستراتيجي واتصالها بالمناطق الغربية والساحلية.

ذاكرة رجلين

وفي الجهة الأخرى من المشهد، بقيت أسرة فتحي أمام خبر لا يشبه أخبار الجبهة، والده "عبد الرحمن راوح"، وإخوته وأقاربه، يستقبلون العزاء في رجل يعود إليهم من الحرب هذه المرة في صورة شهيد، بعدما اعتادوا أن يعود من الجبهات حياً.

وبالنسبة إلى رفاقه، ستبقى صور فتحي إلى جوار عدنان أكثر من مجرد أرشيف للحرب، ستصبح ذاكرة لرجلين جمعتهما سنوات القتال، ثم فرّق الموت بينهما، قبل أن يجمعهما مرة أخرى في الذاكرة ذاتها.

رحل "فتحي الحمادي"، بعد سنوات قضاها في خطوط المواجهة، تاركاً خلفه أسرة ورفاقاً وذكريات تختصرها صور قديمة وشهادات رجال عرفوه عن قرب.

وفي الكدحة، حيث انتهت رحلته، بقيت قصته مرتبطة بقصة قائده القديم؛ "رفيق بندقية ظل على العهد بعد رحيل عدنان، حتى انتهى به الطريق إلى المكان نفسه الذي عرفه طوال سنوات الحرب".