بدء محاكمة نجلي علي عبدالله صالح في باريس بتهم غسل أموال واختلاس أموال عامة
بدأت في باريس، اليوم الاثنين، محاكمة نجلي الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، أحمد علي عبدالله صالح وخالد علي عبدالله صالح، في قضية تتعلق بشبهات غسل أموال متحصلة من اختلاس أموال عامة وفساد ضمن جماعة منظمة، على خلفية امتلاك عقارات فاخرة في العاصمة الفرنسية تقدر قيمتها بنحو 16 مليون يورو. وينفي الشقيقان جميع الاتهامات الموجهة إليهما.
وتأتي المحاكمة أمام المحكمة القضائية في باريس بعد تحقيق بدأته النيابة الوطنية المالية الفرنسية (PNF) في مارس/آذار 2019، إثر طلب مساعدة قضائية من السلطات السويسرية التي كانت تحقق في تحويلات مالية مشبوهة مرتبطة بحسابات باسم أحمد علي صالح، وتحرك أموال من اليمن إلى جنيف عبر باريس.
تتركز القضية حول مجموعة عقارات في الأحياء الراقية من باريس، قرب قوس النصر وشارع الشانزليزيه. ووفق التحقيقات الفرنسية، تشمل الممتلكات عقارات في شارع غاليلي اشتُريت بنحو 7 ملايين يورو عام 2005، وشقة في شارع تيلسيت بلغت قيمتها 6.5 ملايين يورو عام 2010، إضافة إلى استثمار بقيمة 2.5 مليون يورو في شراء عقارين في شارع إينا عام 2011. وقد وضعت السلطات القضائية الفرنسية يدها على عدد من هذه الممتلكات.
وتشير التحقيقات إلى أن وحدة مكافحة الفساد والجرائم المالية والضريبية في فرنسا OCLCIFF حددت عدة حسابات مصرفية في باريس مرتبطة بأحمد صالح، بينها حساب دخل إليه أكثر من 26 مليون يورو من اليمن بين عامي 2009 و2011. ويعتقد الادعاء الفرنسي أن جزءًا من هذه الأموال استُخدم في تمويل عمليات شراء العقارات محل القضية.
وتستند النيابة الفرنسية، في جزء أساسي من ملفها، إلى تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي بشأن اليمن، الذي تناول خلال سنوات سابقة شبكة الثروة والأموال المرتبطة بعائلة صالح.
وتقول النيابة الوطنية المالية إن الأصل غير المشروع للأموال ثابت بسبب ارتباطها، بحسب توصيفها، بالنظام الذي حكمه علي عبدالله صالح، بينما خلصت تقارير أممية إلى الاشتباه في أن الرئيس السابق جمع ثروة ضخمة خلال فترة حكمه ونُقلت أجزاء منها إلى الخارج عبر أسماء وحسابات مختلفة.
وتحدثت تقارير الخبراء الأمميين عن شبهات تتعلق بالعمولات المرتبطة بعقود النفط والغاز والسلاح، والاستيلاء على أراضٍ، وتحويل أموال مخصصة للخدمات العامة، فضلًا عن تضخيم تكاليف بعض المشاريع الحكومية. كما أشارت إلى تقديرات بأن ثروة صالح وأصوله المرتبطة بشبكته قد تراوحت بين 32 و60 مليار دولار، وهي تقديرات وردت في تقارير أممية وليست رقمًا قضائيًا نهائيًا لثروته.
ويعتبر الادعاء الفرنسي أن أحمد علي صالح، الذي كان قائدًا للحرس الجمهوري ثم سفيرًا لليمن لدى الإمارات، لعب دورًا محوريًا في النظام الذي أسسه والده، وفي شبكة الأموال التي يُشتبه في إدارتها عبر فرنسا.
أما شقيقه خالد علي صالح، الذي سبق أن عمل أيضًا في الحرس الجمهوري ثم اتجه إلى النشاط التجاري، فتقول النيابة إنه بدأ بدور مالي لصالح والده وشقيقه، قبل أن يصبح دوره أكثر أهمية بعد إدراج والده وأحمد على قوائم العقوبات الدولية.
وقال أحمد صالح، خلال التحقيقات، إن نحو 26 مليون يورو حُولت إلى فرنسا كانت عبارة عن «هبات» قدمها رؤساء دول، لكنه قال إنه لم يعد قادرًا على إثبات مصدرها بسبب ضياع الأدلة خلال الحرب في اليمن. كما يؤكد محاميا الشقيقين، كلارا جيرار-رودريغيز وبيير أوليفييه سور، أن موكليهما لم يرتكبا أي مخالفة، وأن شراء العقارات تم بصورة قانونية وشفافة.
وقال الدفاع إن القضية تعتمد بدرجة كبيرة على استنتاجات عامة بشأن فساد نظام صالح، من دون وجود دليل مادي يثبت أن الأموال التي استخدمت في شراء العقارات جاءت تحديدًا من أموال الفساد أو الاختلاس. كما أشار المحامون إلى أن موكليهما، المقيمين في الإمارات، لن يحضرا جلسات المحاكمة شخصيًا بسبب الظروف الأمنية في المنطقة وإلغاء عدد من الرحلات الجوية.
ولا تقتصر القضية على نجلي الرئيس السابق؛ إذ يمثل أمام المحكمة أيضًا رجل أعمال يمني مقرب من عائلة صالح متهم بالمساعدة في إدارة أصول العائلة، إلى جانب مدير شركة لإدارة الأصول أنشأها رجل الأعمال.
وتأتي القضية ضمن ما يعرف في فرنسا بملفات «الممتلكات غير المشروعة»، وهي قضايا تستهدف ممتلكات يُشتبه في أنها جرى الحصول عليها بأموال ناتجة عن فساد أو اختلاس في بلدان أخرى.
وبحسب «لوموند»، بدأت جلسات القضية في 7 سبتمبر/أيلول أمام المحكمة القضائية في باريس، فيما تشير التغطية الفرنسية إلى أن التحقيق لا يقتصر على العقارات، بل يشمل أيضًا الطريقة التي أُديرت بها الممتلكات والعقود المبرمة مع مديريها، وما إذا كانت بعض ترتيبات الإدارة قد استخدمت لإخفاء المالكين الحقيقيين.
ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى 14 سبتمبر/أيلول الجاري، على أن تنظر المحكمة خلال الجلسات في مسار الأموال ومصدرها ودور كل من المتهمين في عمليات شراء وإدارة الأصول محل التحقيق.