صراع على إرث صالح وقيادة المؤتمر.. أحمد علي في مواجهة الإرياني وحسابات الرياض وأبوظبي

2026-08-30 04:02 الهدهد/خاص:
صراع على إرث صالح وقيادة المؤتمر.. أحمد علي في مواجهة الإرياني وحسابات الرياض وأبوظبي

تمثل الخلافات العلنية وتبادل الاتهامات بين قيادات أجنحة حزب المؤتمر الشعبي العام المختلفة حلقة جديدة من صراع سياسي وتنظيمي يبدو أنه دخل مرحلة أكثر تقدمًا، تقترب فيها المواجهة من محاولة كل طرف إقصاء الآخر والاستئثار بقيادة الحزب، في مؤشر يعكس، في جانب منه، تداخل مصالح الفاعلين الإقليميين والخارجيين في واحدة من أكبر القوى السياسية اليمنية، وما يرتبط بذلك من حسابات التسوية السياسية والأجندات الإقليمية.

 

وجاء التصعيد الحالي بعد فترة من الهدوء النسبي، بالتزامن مع الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، إثر بيان أصدره أحمد علي عبدالله صالح، بصفته نائب رئيس المؤتمر منذ تعيينه عام 2019، وحمل رسائل سياسية قوية تجاه أطراف محلية، في مقدمتها مجلس القيادة الرئاسي، وأخرى يمكن قراءتها في سياق العلاقة مع المملكة العربية السعودية الداعمة للمجلس.

 

وأعاد البيان الجدل حول مستقبل المؤتمر وقيادته إلى الواجهة بصورة أكثر حدة، وسط استنفار من الأطراف المختلفة لاستخدام ما بحوزتها من أوراق سياسية وتنظيمية في هذا الصراع.

 

وفي بيانه، استخدم أحمد علي شعارات وقضايا تبدو أقرب إلى نبض الشارع اليمني، مثل المطالبة بعودة قيادة مجلس القيادة الرئاسي ومسؤولي الدولة إلى العمل من الداخل، وعدم الاتكاء على الدعم الخارجي، قائلًا إن الشرعية لا تُكتسب من عواصم الدول ولا عبر المراسيم، وإنما من خلال العمل من الداخل وفق الثوابت الوطنية.

 

ومثّل ذلك، بحسب قراءات سياسية، أحد أقوى انتقادات أحمد علي لمجلس القيادة منذ تشكيله، في أبريل 2022، خصوصًا عندما تحدث عن ضرورة استعادة القرار الوطني والسيادة، باعتبارهما شرطين لاستعادة الدولة وهزيمة الحوثيين.

 

بيان أحمد علي.. رسالة إلى الداخل والخارج

 

لم يسمِّ أحمد علي السعودية في بيانه، إلا أن حديثه عن الوصاية الخارجية والقرار الوطني أعاد إلى الواجهة علاقة مجلس القيادة بالداعم الإقليمي الرئيسي له، خصوصًا أن الرياض تمثل الطرف الأكثر ارتباطًا بالمجلس بعد خروج الإمارات عسكرياً من اليمن.

 

وفي السياق الإقليمي، تزامن ذلك مع استمرار التنافس السعودي الإماراتي حول النفوذ في الملف اليمني وملفات أخرى في المنطقة، وهو ما دفع مراقبين إلى قراءة خطاب أحمد علي باعتباره، إلى جانب كونه تعبيرًا عن حساباته السياسية الخاصة، متقاطعًا مع بعض المصالح الإماراتية في مواجهة النفوذ السعودي داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

 

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط أحمد علي بعلاقات سياسية وثيقة مع الإمارات خلال السنوات الماضية، بعد أن شغل منصب سفير اليمن لديها، في حين ظل المؤتمر الشعبي العام أحد أهم مجالات النفوذ السياسي المرتبطة بعائلة صالح.

 

وبدا بيان أحمد علي، في هذه القراءة، أقرب إلى منصة لإيصال مجموعة من الرسائل، أبرزها أن أي محاولة لإقصائه أو إقصاء عائلته من قيادة المؤتمر لن تكون سهلة، وأنه لا يزال يمتلك رصيدًا سياسيًا وشعبيًا مرتبطًا بإرث والده علي عبدالله صالح، وأن المسألة بالنسبة إليه ولأنصاره تتجاوز مجرد موقع داخل الحزب إلى مستقبل سياسي أوسع.

 

وقد فجّرت هذه الرسائل عاصفة من الجدل وردود الفعل، خصوصًا من شخصيات محسوبة على مجلس القيادة الرئاسي، وإن لم يصدر عن المجلس برئاسة رشاد العليمي رد رسمي مباشر عليها.

 

ومن أبرز الردود، ما كتبه جابر محمد، مدير مكتب عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي، والذي طالب أحمد علي بالعودة إلى الداخل وقيادة أحد الألوية والمشاركة في القتال ضد الحوثيين.

 

ورد أنصار أحمد علي بأن الرجل لا يشغل حاليًا منصبًا رسميًا في الدولة، وبالتالي ليس من حق المسؤولين مطالبته بالعودة إلى الداخل، بينما تقع مسؤولية العودة والعمل من الداخل على عاتق من يتولون السلطة ويمسكون بمؤسسات الدولة.

 

وذهب آخرون من المحسوبين على العليمي إلى اتهام أحمد علي بعدم تقدير الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لرفع العقوبات الأممية المفروضة عليه، والتي أسهمت السعودية والإمارات بدرجة كبيرة في إنهائها، متسائلين عن أسباب توجيهه انتقادات إلى الحكومة بدلًا من الحوثيين، وهو الذي ظل بعيدًا عن مواجهتهم سياسيًا منذ مقتل والده عام 2017.

 

صراع على قيادة المؤتمر.. ومرجعيات تنظيمية متنازع عليها

 

بالنسبة إلى أحمد علي وأنصاره، تبدو مسألة قيادة المؤتمر ذات طابع مصيري، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن الحزب ارتبط وجوده ونموه وحضوره في الساحة اليمنية بشخصية رئيسه علي عبدالله صالح، الذي قاد المؤتمر منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي وحتى مقتله على يد الحوثيين عام 2017.

 

وبحسب هذه الرؤية، فإن أحمد علي هو الأحق بقيادة الحزب بعد فقدانه موقعه العسكري إثر إعادة هيكلة الحرس الجمهوري عام 2012، ثم تعيينه سفيرًا لليمن لدى الإمارات.

 

ورغم أن أحمد علي لم يعلن صراحةً مطالبته برئاسة المؤتمر، فإن رسائل غير مباشرة في خطابه، إلى جانب ما يطرحه أنصاره، وبينهم قيادات سياسية وبرلمانية بارزة، تشير إلى أن قيادة الحزب تمثل بالنسبة إليهم جزءًا أساسيًا من مستقبلهم السياسي.

 

وفي المقابل، يبرز تيار آخر يقوده وزير الإعلام معمر الإرياني، ويُشار إليه باسم «تيار استعادة دور المؤتمر الشعبي العام»، والذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز مكونات الجناح المحسوب على رئيس مجلس القيادة الرئاسي.

 

ويطرح هذا التيار تصورًا لإعادة تفعيل مؤسسات المؤتمر، وصولًا إلى عقد مؤتمر عام وانتخاب قيادة جديدة، فيما يرى خصومه أن هذا المسار قد ينتهي إلى تمكين العليمي من قيادة الحزب، استنادًا إلى تصور سياسي شائع يربط بين رئاسة الدولة ورئاسة المؤتمر.

 

غير أن قيادات مؤتمرية، من بينها ناصر الضبياني، عضو اللجنة العامة، ترى أن رئاسة الدولة لا تعني تلقائيًا رئاسة المؤتمر، وأن ذلك ليس عرفًا ملزمًا ولا نصًا في النظام الداخلي للحزب، مستشهدين باستمرار علي عبدالله صالح في رئاسة المؤتمر بعد خروجه من السلطة عام 2012 وحتى وفاته عام 2017.

 

ومنذ أشهر، أعلن الإرياني عن إشهار التيار، وبعد بيان أحمد علي في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر، طرح التيار ما سماه «الوثيقة السياسية» أو «رؤية التيار السياسي للمرحلة الحالية».

 

وكان من أبرز ما أثار الجدل فيها اعتمادها على مرجعية تنظيمية تعتبر أن آخر اجتماع للجنة الدائمة الرئيسية الذي يمكن الاعتداد به بوصفه مرجعية تنظيمية للمؤتمر هو الدورة الاستثنائية المنعقدة في صنعاء في 8 نوفمبر 2014، وما ترتب عليها من قرارات تنظيمية.

 

ويستند هذا الطرح إلى أن الحرب والانقسامات والظروف الاستثنائية التي مر بها المؤتمر أدت لاحقًا إلى تعدد مراكز القرار وتعذر انتظام العمل المؤسسي داخله، ولذلك لا يعترف التيار بالإجراءات التنظيمية التي تمت بعد ذلك، بما فيها التعيينات التي جرت عام 2019 وأفضت إلى تعيين أحمد علي نائبًا لرئيس المؤتمر.

 

ومن هنا فهم أنصار أحمد علي هذه الخطوة باعتبارها محاولة لإسقاط صفته التنظيمية وإقصائه من قيادة الحزب.

 

ويملك هذا الطرح، من الناحية الشكلية، حجة تستند إلى أن بعض الترتيبات التنظيمية جرت في ظروف استثنائية وتحت تأثير الحوثيين، إلا أن تبني هذه المرجعية يترتب عليه عمليًا تضييق مساحة شرعية أحمد علي التنظيمية باعتباره نائبًا لرئيس المؤتمر، ويفتح الباب أمام إعادة بناء القيادة من نقطة زمنية سابقة على تعيينه.

 

في المقابل، يرفض التيار المحسوب على أحمد علي هذه القراءة. ومن أبرز قياداته سلطان البركاني، رئيس مجلس النواب والأمين العام المساعد للمؤتمر، الذي أصدر بيانًا شديد اللهجة ضد الإرياني والتيار الذي يقوده، معتبرًا أن الإرياني لا يحمل صفة تنظيمية تخوله إنشاء مبادرات أو الحديث باسم المؤتمر.

 

كما سخر البركاني من الاستناد إلى مرجعية عام 2014، داعيًا إلى العودة إلى المؤتمرات التنظيمية السابقة، ومن بينها المؤتمر العام السابع الذي عقد في عدن عام 2007، والذي قال إن آلاف الأعضاء شاركوا فيه.

 

وبحسب هذا التيار، فإن عددًا من القيادات المحسوبة على جناح العليمي، وبينها شخصيات قيادية، سبق أن فُصلت من المؤتمر، وهو ما يجعل كل طرف يشكك في شرعية الطرف الآخر داخل الحزب.

 

وهكذا انتقل الخلاف من مجرد تنافس سياسي إلى صراع على الشرعية التنظيمية ذاتها، في مرحلة تبدو متقدمة من الخلافات التي تعصف بالمؤتمر، مع رغبة كل طرف في ضمان موقعه في أي تسوية سياسية مقبلة.

 

السعودية والإمارات.. صراع المؤتمر يتقاطع مع التنافس الإقليمي

 

يقترح التيار المحسوب على الإرياني عقد مؤتمر عام ثامن للمؤتمر الشعبي العام، وانتخاب قيادة جديدة أو مؤقتة، وهو ما يراه خصومه محاولة لفرض أمر واقع قد ينتهي بإعادة تشكيل قيادة الحزب وفق موازين القوى الحالية.

 

في المقابل، يرى أنصار أحمد علي أن الأولوية ينبغي أن تكون للحفاظ على تماسك المؤتمر وعدم تعميق انقساماته، والانشغال باستعادة الدولة ومواجهة الحوثيين، على أن يتم ترتيب أوضاع الحزب عندما تصبح الظروف السياسية والتنظيمية أكثر ملاءمة.

 

وتتجاوز هذه الخلافات، وفق قراءة سياسية، حدود الصراع الداخلي للمؤتمر، لتتقاطع مع مصالح إقليمية متعارضة؛ فأصحاب هذه القراءة يرون أن الرغبة في إقصاء عائلة صالح، وتحديدًا أحمد علي، تتقاطع مع توجه سعودي لإضعاف النفوذ الإماراتي داخل المؤتمر، خصوصًا أن الرياض لم توجه، بحسب هذه القراءة، دعوة لأحمد علي لزيارة المملكة، كما لم يُعيّن في أي منصب رسمي منذ عودته التدريجية إلى المشهد السياسي.

 

ويربط أصحاب هذا التفسير ذلك بموقف سعودي سابق من أحمد علي، وبما قيل عن عرض قُدم له في الرياض قبل تدخل التحالف في اليمن عام 2015، يتعلق بإقناع والده بالتخلي عن تحالفه مع الحوثيين، وهي رواية تحتاج إلى أدلة مستقلة لإثبات تفاصيلها.

 

وتقول هذه القراءة إن السعودية لا ترغب في الظهور في واجهة عملية إقصاء أحمد علي، لتجنب التداعيات السياسية والشعبية التي قد تترتب على ذلك، خصوصًا أن المؤتمر وشعبية صالح لا يزالان يحتفظان بحضور معتبر، ولا سيما في المناطق الخاضعة للحوثيين.

 

ويربط أصحاب هذا الطرح بين ذلك وبين الدور الذي يؤديه الإرياني، الذي يوصف بأنه قريب من السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، في دعم التيار الساعي إلى إعادة تشكيل المؤتمر واستقطاب قياداته وإبعادها عن أحمد علي وعائلته.

 

وفي تحليل سابق، أشارت «الهدهد» إلى قراءة ترى أن السعودية تسعى إلى تحييد الإمارات أو الحد من نفوذها داخل المؤتمر، ممثلًا بعائلة صالح، بما يضعف قدرتها على التأثير في أي تسوية سياسية مقبلة؛ فبقاء أحمد علي في موقع قيادي متقدم داخل المؤتمر يعني، وفق هذه القراءة، استمرار حضور أبوظبي كلاعب مؤثر في المعادلة السياسية اليمنية.

 

في المقابل، تبدو الإمارات، وفق القراءة ذاتها، معنية بالحفاظ على نفوذها عبر أحمد علي، خصوصًا بعد تراجع نفوذها في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية إثر التطورات التي شهدها الجنوب، والتي أضعفت المجلس الانتقالي الجنوبي وأبعدت رئيسه عيدروس الزبيدي عن المشهد الرسمي.

 

ومن ثم، فإن دعم أحمد علي في معركة قيادة المؤتمر يمكن أن يمثل، بالنسبة إلى أبوظبي، وسيلة للحفاظ على أحد أهم مفاتيح نفوذها السياسي في اليمن.

 

ويظهر التباين الإقليمي أيضًا في الخطاب السياسي للطرفين؛ فوثيقة تيار «استعادة دور المؤتمر» تتمسك بالنظام الجمهوري وأهداف ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر، إضافة إلى الدستور والقوانين النافذة والميثاق الوطني، لكنها لم تضع الوحدة ضمن الثوابت التي عددتها.

 

ويرى مراقبون أن عدم إبراز الوحدة قد يرتبط بمحاولة التيار عدم استعداء المؤيدين للمؤتمر في المحافظات الجنوبية والشرقية، حيث توجد مواقف سياسية مختلفة من قضية الوحدة، وحيث يتنافس على النفوذ أيضًا تيار المؤتمر الشعبي العام الجنوبي بقيادة وزير الداخلية السابق أحمد الميسري.

 

في المقابل، أفرد أحمد علي في بيانه مساحة واضحة للتأكيد على الوحدة، وكرر تمسكه بها أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يكتسب دلالة إضافية في ظل اتهام الإمارات بدعم قوى جنوبية ذات توجهات انفصالية.

 

ثلاثة سيناريوهات لصراع مفتوح على قيادة المؤتمر

 

مع استمرار التصعيد، تبدو ثلاثة سيناريوهات رئيسية أمام المؤتمر الشعبي العام.

 

الأول، أن يتمكن أحمد علي من الحفاظ على موقعه السياسي داخل الحزب، مستفيدًا من إرث والده وشعبيته وولاء عدد من القيادات المؤتمرية له، بما يجعل تجاوزه أو توحيد أجنحة المؤتمر بدونه مهمة بالغة الصعوبة. ويعزز ذلك افتقار خصومه، وبينهم قيادات محسوبة على مجلس القيادة، إلى حضور شعبي واسع في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وهي مناطق ما تزال تمثل كتلة مؤثرة في القاعدة الاجتماعية للمؤتمر.

 

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار التيار المناوئ لأحمد علي في التصعيد واستقطاب المزيد من القيادات، مستفيدًا من مواقع الدولة والمناصب الرسمية لتعزيز نفوذه، بالتوازي مع الضغط باتجاه عقد مؤتمر عام وانتخاب قيادة جديدة. وقد يفضي ذلك إلى فرض قيادة جديدة للمؤتمر، وربما وضع أحمد علي أمام خيار التعامل مع واقع تنظيمي جديد أو البقاء خارج الهيكل الذي يعترف به خصومه.

 

أما السيناريو الثالث، وهو الأرجح، فيتمثل في استمرار الخلاف ضمن دائرة من التهدئة والتصعيد، بحيث تبقى قواعد الصراع مرتبطة بتطورات التسوية السياسية في اليمن من جهة، وبطبيعة العلاقة بين الرياض وأبوظبي من جهة أخرى.

وفي هذه الحالة، لن يكون الصراع على المؤتمر مجرد خلاف تنظيمي حول قيادة حزب سياسي، بل جزءًا من معركة أوسع على من يملك النفوذ والقدرة على التأثير في شكل السلطة اليمنية المقبلة، ومن يستطيع أن يحجز لنفسه موقعًا في أي تسوية سياسية قادمة.