أحمد علي صالح يفتح النار على مجلس القيادة: السيادة في وجه السعودية ورسائل إماراتية من وراء الستار
لم يكن بيان أحمد علي عبدالله صالح بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام مجرد رسالة سياسية موجهة إلى قواعد الحزب وأعضائه باعتباره نائب رئيس المؤتمر، وإنما حمل في طياته خطابًا سياسيًا مختلفًا في سقفه ونبرته، إذ انتقل من التأكيد على الثوابت التي اعتاد الرجل تكرارها منذ عودته إلى المشهد السياسي، وفي مقدمتها الوحدة والجمهورية والديمقراطية ومواجهة الحوثيين، إلى توجيه نقد مباشر وغير مسبوق تقريبًا إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وفتح في الوقت ذاته ملف القرار الوطني والسيادة وعلاقة السلطة اليمنية بمراكز النفوذ الإقليمية، بما يجعل البيان قابلًا للقراءة باعتباره محاولة لإعادة تقديم أحمد علي صالح سياسيًا، وليس مجرد مشاركة في مناسبة حزبية.
واللافت أن هذا التصعيد في الخطاب يأتي في توقيت سياسي شديد الحساسية، ليس فقط بسبب الأزمات المتراكمة التي تعيشها مناطق الحكومة، من انهيار العملة وتدهور الخدمات وتعثر مؤسسات الدولة، وإنما أيضًا بسبب طبيعة الصراع الإقليمي على النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين، حيث تمثل السعودية الداعم الإقليمي الأبرز لمجلس القيادة الرئاسي، بينما تحتفظ الإمارات بشبكة واسعة من العلاقات والنفوذ مع قوى وشخصيات سياسية وعسكرية يمنية، وهو ما يجعل أي خطاب يرفع شعار السيادة واستعادة القرار الوطني، وينتقد في الوقت ذاته اعتماد السلطة على الخارج، قابلًا لأن يحمل رسائل تتجاوز المخاطب المباشر إلى القوى الإقليمية التي تمسك بأجزاء أساسية من المشهد اليمني.
وفي هذا السياق، حافظ أحمد علي على الخطوط العامة التي دأب على تأكيدها منذ رفع العقوبات المفروضة عليه من مجلس الأمن الدولي وعودته التدريجية إلى المشهد السياسي، لكنه هذه المرة رفع سقف اللغة بصورة واضحة، فلم يكتفِ بالقول إن معركة اليمن هي استعادة الدولة من الحوثيين، وإنما ربط استعادة الدولة باستعادة القرار الوطني وإنهاء الانقسام وحماية الجمهورية وصون السيادة والوحدة، وهي عناوين تبدو في ظاهرها وطنية جامعة، لكنها تتحول إلى رسائل سياسية شديدة الحساسية عندما توضع في سياق علاقة السلطة اليمنية بالدول الإقليمية التي أصبحت صاحبة التأثير الأكبر في قرارها السياسي والعسكري.
استعادة الدولة أم استعادة القرار من الخارج؟
حين يقول أحمد علي إن معركة اليمن الحقيقية هي معركة استعادة الدولة، فإنه يلتقي في هذا العنوان مع مختلف القوى المناهضة للحوثيين تقريبًا، لكن الإضافة المهمة في خطابه تتمثل في إصراره على أن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق من دون استعادة القرار الوطني، وهو بذلك ينقل النقاش من سؤال من يسيطر على صنعاء ومؤسسات الدولة إلى سؤال أكثر إحراجًا يتعلق بمن يملك القرار السياسي والعسكري والاقتصادي داخل المعسكر الذي يقول إنه يقاتل لاستعادة الدولة.
ومن وجهة نظر قطاع من اليمنيين، فإن الحديث عن القرار الوطني والسيادة وإنهاء الانقسام يمثل تعبيرًا عن تطلعات حقيقية لدى مجتمع أنهكته الحرب والتدخلات الخارجية وتعدد مراكز القرار، لكن من زاوية سياسية أخرى يمكن قراءة هذا الخطاب باعتباره محاولة من أحمد علي لتقديم نفسه بوصفه الشخصية التي تستطيع استعادة ما يراه مفقودًا من القرار الوطني، لكنه في نفس الوقت جزء من هذه الحسابات على اعتبار أنه محسوب على الإمارات.
السعودية في خلفية الرسالة
وإذا كان أحمد علي لم يسمِّ السعودية في بيانه، فإن قراءة الخطاب في سياقه السياسي تجعل من الصعب تجاهلها، فالمملكة هي الطرف الإقليمي الأكثر ارتباطًا بمجلس القيادة الرئاسي والداعم الرئيسي له، وبالتالي فإن حديث أحمد علي عن شرعية لا تستمد قوتها من العواصم الخارجية، وعن قرار وطني موزع بين الحسابات الإقليمية والدولية، وعن ضرورة عودة مؤسسات الدولة إلى الداخل، لا يمكن اختزاله في نقد إداري للحكومة أو المجلس، وإنما يحمل في خلفيته اعتراضًا على الطريقة التي تشكلت بها علاقة السلطة اليمنية بمحيطها الإقليمي.
وهنا تحديدًا ترتفع نبرة الرسالة السياسية، لأن أحمد علي لا يكتفي بانتقاد نتائج هذا الاعتماد على الخارج، بل يضع معيارًا مختلفًا للشرعية حين يقول إن الشرعية لا تستمد قوتها من العواصم الخارجية وإنما من حضورها بين الشعب وقدرتها على حماية مصالحه وتوفير احتياجاته، وهو خطاب يضع السعودية، بصورة غير مباشرة، أمام سؤال سياسي لا تستطيع السلطة اليمنية نفسها تجاهله: هل يمكن أن تبقى حكومة تعتمد بصورة واسعة على الدعم الخارجي، وفي الوقت ذاته تقدم نفسها باعتبارها صاحبة قرار وطني مستقل؟
الإمارات حاضرة في الخلفية أيضًا
لكن المفارقة التي لا يمكن تجاوزها في قراءة خطاب أحمد علي هي أن الرجل نفسه لا يأتي من خارج شبكة النفوذ الإقليمي، فهو شخصية ارتبطت سياسيًا بالإمارات خلال سنوات طويلة، وشغل منصب سفير اليمن في أبوظبي، وظلت الإمارات بالنسبة إليه أحد أهم مراكز الدعم والعلاقات السياسية، ولذلك فإن حديثه عن استقلال القرار الوطني يمكن أن يواجه بسؤال مضاد من خصومه: إذا كان التدخل الخارجي مشكلة عندما يأتي من السعودية، فهل يصبح أقل إشكالًا عندما يأتي من الإمارات؟
وهذا السؤال لا يلغي أهمية ما طرحه أحمد علي، لكنه يجعل خطابه أكثر تعقيدًا، لأن الإمارات نفسها تمتلك مصالح وحسابات ونفوذًا في اليمن، ولها علاقات وثيقة مع قوى سياسية وعسكرية فاعلة في الجنوب والساحل الغربي، وبالتالي فإن أي إعادة تموضع لأحمد علي داخل المشهد لا يمكن فصلها بالكامل عن التنافس السعودي الإماراتي على شكل السلطة اليمنية المقبلة، حتى وإن لم يكن هناك ما يثبت أن بيانه صدر بتوجيه إماراتي أو أنه يمثل موقفًا رسميًا لأبوظبي.
بيان أحمد علي يتقاطع مع بعض المصالح الإماراتية في إعادة ترتيب موازين القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، خصوصًا عندما يرفع سقف النقد تجاه سلطة مدعومة سعوديًا، ويدعو إلى إعادة تشكيل الجبهة الوطنية وتوحيد القرار والقوة، ويقدم نفسه ضمنيًا بوصفه شخصية يمكن أن تكون جزءًا من صياغة مرحلة سياسية جديدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الرجل مجرد أداة في صراع إقليمي، إذ إن لديه حساباته السياسية الخاصة وإرثه العائلي والحزبي، فضلًا عن رغبته الواضحة في بناء موقع مستقل داخل المعادلة اليمنية.
الوحدة ليست شعارًا فقط
حتى في حديثه عن الوحدة، حافظ أحمد علي على أحد أكثر الثوابت حضورًا في خطابه السياسي، لكنه هذه المرة رفع مستوى الرسالة المرتبطة بها عندما أكد أن الوحدة ستظل من أعظم المنجزات التاريخية في مسيرة اليمن الحديث، وأنها حقيقة وطنية وتاريخية واجتماعية راسخة في وجدان اليمنيين، قبل أن ينتقل إلى النقطة الأكثر أهمية عندما ربط الحفاظ عليها ببناء دولة عادلة ومؤسسات قوية وشراكة وطنية وضمان الحقوق والحريات وإنهاء الظلم والإقصاء.
وهنا تصبح الوحدة في خطاب أحمد علي أكثر من مجرد موقف سياسي ضد مشاريع الانفصال، لأنها تتحول إلى نتيجة مرتبطة بصورة الدولة نفسها؛ فالوحدة التي لا يشعر المواطن فيها بالمساواة والعدالة قد تتحول إلى شعار عاجز عن حماية نفسه، بينما الدولة العادلة والمؤسسات القوية وسيادة القانون يمكن أن تجعل الوحدة مشروعًا اجتماعيًا وسياسيًا قابلًا للاستمرار، وهذه الرسالة تحمل في الوقت ذاته نقدًا ضمنيًا لطريقة إدارة الدولة خلال السنوات الماضية، سواء من جانب الحوثيين أو من جانب القوى التي تولت السلطة في المناطق المحررة.
«من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل»
ربما يكون أكثر أجزاء البيان اتصالًا بالشارع اليمني هو ذلك الذي طالب فيه مجلس القيادة والحكومة وكافة مؤسسات الدولة بالانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، والعودة إلى الداخل، ومشاركة المواطنين معاناتهم اليومية، وتحمل المسؤولية في مواجهة انهيار العملة وتدهور الخدمات وانقطاع المرتبات وتراجع مؤسسات الدولة، لأن أحمد علي هنا لا يخاطب النخب السياسية فقط، وإنما يقترب من القضايا التي أصبحت تشكل جوهر حياة المواطن اليومية، من سعر الغذاء والعملة إلى الكهرباء والمرتبات والخدمات العامة.
وهذه النقطة تمنح خطابه مساحة شعبية واسعة، لأن الدعوة إلى عودة المسؤولين إلى الداخل ليست جديدة، بل ظلت واحدة من أكثر المطالب حضورًا في الخطاب الشعبي خلال السنوات الماضية، خصوصًا في ظل شعور متزايد بأن السلطة تعمل من خارج البلاد بينما يتحمل المواطن داخل اليمن نتائج قراراتها، وأن بقاء مؤسسات الدولة بعيدة عن المجتمع ساهم في إضعافها وتوسيع الهوة بينها وبين الناس، وفي الوقت نفسه منح الحوثيين فرصة للاستمرار في تقديم أنفسهم باعتبارهم الطرف الموجود في الداخل مهما كانت طبيعة حكمهم وممارساتهم.
وعندما يقول أحمد علي إن الوطن لا يُدار من خلف الشاشات، ولا بإصدار القرارات، ولا يُبنى عن بُعد، ثم يضيف أن الشرعية لا تستمد قوتها من العواصم الخارجية وإنما من حضورها بين الشعب، فإنه لا يقدم مجرد نصيحة إدارية لمجلس القيادة، بل يطرح معيارًا جديدًا للشرعية السياسية، معيارًا يمكن أن يضع السلطة الحالية في موقف دفاعي، ويمنحه في المقابل فرصة الظهور أمام المواطن باعتباره صاحب خطاب يدعو إلى إعادة الدولة إلى المكان الذي يفترض أن تكون فيه، أي داخل اليمن وبين اليمنيين.
هل يقدّم أحمد علي نفسه بديلًا سياسيًا؟
من هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية في قراءة البيان، لأن الحديث عن عودة مؤسسات الدولة وتفعيل القضاء والأمن والاقتصاد وتوحيد الموارد والقرار وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع لا يبدو مجرد مجموعة مطالب منفصلة، وإنما يشكل في مجموعها تصورًا لشكل الدولة التي يريد أحمد علي أن يقدم نفسه بوصفه جزءًا من مشروع بنائها، وهو ما يرفع البيان من مستوى النقد السياسي إلى مستوى المنافسة على تعريف المرحلة المقبلة ومن يملك القدرة على قيادتها.
وفي مواجهة الحوثيين، يكرر أحمد علي موقفًا واضحًا من ضرورة استعادة الدولة والنظام الجمهوري، لكنه يربط ذلك هذه المرة بإنهاء الانقسام داخل القوى المناهضة للحوثيين، ويرى أن الطريق إلى صنعاء لا يمر عبر المزيد من الصراعات الداخلية أو تصفية الحسابات، وإنما عبر تحالف وطني عريض وجبهة سياسية وعسكرية واجتماعية تتجاوز خصومات الماضي وتضع استعادة الدولة هدفًا يتقدم على المصالح الحزبية والمناطقية والشخصية.
وهذا الطرح يضعه أمام اختبار حقيقي، لأنه إذا كان يريد تقديم نفسه بوصفه أحد عناوين المرحلة المقبلة، فعليه أن يقنع القوى التي تختلف مع إرث والده ومع المؤتمر الشعبي العام بأن مشروعه لا يقوم على استعادة نفوذ عائلة أو حزب، وإنما على صياغة تحالف وطني أوسع، وهو بالضبط ما يحاول بيانه الإيحاء به عندما يضع الجمهورية والوحدة والسيادة والحريات والقانون في مركز خطابه.
الرسالة التي تتجاوز البيان
بهذه القراءة، يصعب التعامل مع بيان أحمد علي صالح باعتباره خطابًا احتفاليًا في ذكرى تأسيس المؤتمر الشعبي العام، لأن ما ورد فيه يتجاوز المناسبة إلى محاولة واضحة لإعادة رسم صورته السياسية، من خلال تقديم نفسه باعتباره صاحب خطاب يجمع بين استعادة الدولة واستعادة القرار الوطني، وبين مواجهة الحوثيين وإعادة بناء المعسكر المناهض لهم، وبين الحفاظ على الوحدة وانتقاد السلطة القائمة، وهي تركيبة تسمح له بمخاطبة شرائح مختلفة من اليمنيين في الوقت ذاته.
لكن أهمية البيان لا تكمن فقط في ما قاله أحمد علي، وإنما في ما اختار ألا يقوله بصورة مباشرة؛ فهو ينتقد مجلس القيادة دون تسمية الداعم الإقليمي، ويتحدث عن القرار الوطني دون تسمية من يراه موزعًا، ويرفع شعار السيادة دون الدخول في مواجهة صريحة مع السعودية، ويقدم رؤية لإعادة تشكيل المعسكر المناهض للحوثيين في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن أي إعادة ترتيب حقيقية لهذا المعسكر ستعيد بالضرورة توزيع النفوذ بين الرياض وأبوظبي وبقية القوى الإقليمية.