الباحثة التركية " آيشينور أيغول" تكتب لـ"الهدهد": اتفاق مكة.. نحو نظام أمني جديد في الشرق الأوسط
آيشينور أيغول*
اجتمع قادة تركيا والسعودية وباكستان في أقدس مدن الإسلام لتوقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص على أن أي هجوم على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا. غير أن الإعلان أثار من الأسئلة أكثر مما قدم من إجابات: لماذا هذه الدول الثلاث تحديدًا؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ ومن هو العدو الذي تتحصن في مواجهته، طالما أن نص الاتفاق لم يسمّه؟ وماذا سيحدث فعليًا إذا سقط صاروخ على إحدى الدول؟ هل ستخوض الدول الأخرى الحرب إلى جانبها حقًا، أم أن التعهد أضعف مما يبدو؟ وهل يتجاوز الاتفاق نطاق الدفاع إلى ترتيبات أوسع؟
كانت ردود الفعل بحد ذاتها كاشفة؛ إذ قوبل الاتفاق بترحيب هادئ في بعض العواصم، بينما أثار القلق في عواصم أخرى، وتبدو تداعياته أكثر حساسية بالنسبة إلى اليمن، حيث تستمر الحرب وتبقى منطقة البحر الأحمر موضع تنافس. وتفضي هذه التساؤلات مجتمعة إلى سؤال أكبر: هل تتشكل كتلة جديدة في الشرق الأوسط؟ وتتناول هذه الدراسة هذه الأسئلة تباعًا.
ما الذي أدى إلى ظهور الاتفاق في هذا التوقيت؟
جاء اتفاق مكة في ظل تصاعد حالة انعدام الأمن الإقليمي وتراجع الثقة في منظومة الأمن الخليجية القائمة. فقد أدى اندلاع حرب غزة عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى زيادة حالة عدم الاستقرار في لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، بينما كشفت الحرب الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران عن محدودية المظلة الأمنية الأمريكية، مع تزايد تساؤلات دول المنطقة حول قدرة واشنطن على توفير حماية فعالة في مواجهة التهديدات الناشئة.
كما دفع الهجوم الإسرائيلي على قطر في 9 سبتمبر/أيلول 2025، وهي حليف وثيق للولايات المتحدة وتستضيف قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية، دول المنطقة إلى البحث عن ترتيبات أمنية بديلة. وجاء الاتفاق السعودي-الباكستاني للدفاع الاستراتيجي المشترك، الذي وُقّع بعد وقت قصير من الهجوم على الدوحة، ليعكس هذا التحول، إذ التزم الطرفان باعتبار أي عدوان على أحدهما عدوانًا على الآخر.
وفي هذا السياق، طرحت تركيا رؤية تقوم على «الملكية الإقليمية»، مؤكدة أهمية المبادرات والتعاون الإقليميين باعتبارهما وسيلة لتعزيز الأمن والاستقرار. ومن ثم، يمثل اتفاق مكة جزءًا من جهد أوسع لتطوير آليات إقليمية للردع الجماعي والأمن المشترك.
الالتزامات الرئيسية ومساحات الغموض
يسعى اتفاق مكة إلى تعزيز الأمن الإقليمي من خلال العمل الجماعي والالتزام المشترك بالاستقرار والسلام في المنطقة. وعلى غرار الاتفاق السعودي-الباكستاني للدفاع الاستراتيجي المشترك، ينص الاتفاق على التزام بالدفاع الجماعي، بحيث يُعامل الهجوم على أي عضو باعتباره هجومًا على جميع الأعضاء.
لكن عدة جوانب لا تزال غير واضحة، وهو ما قد يجعل دولًا أخرى مترددة في الانضمام إليه. فعلى خلاف بعض التوقعات، لم يحدد الاتفاق خصمًا بعينه، ولم يسمِّ لا إيران ولا إسرائيل، كما لم يوضح طبيعة المساعدة التي ستُقدَّم في حال تعرض أحد الأعضاء لهجوم، أو كيفية تعامل الدول الثلاث إذا تعارضت مصالحها الوطنية.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن الدول الثلاث ستتشاور بشأن الرد في حال تعرض أحد أعضائها لهجوم.
نحو تحمل إقليمي أكبر لمسؤولية الأمن
إلى جانب الدفاع الجماعي، يكتسب الاتفاق أهميته من جانبين رئيسيين. أولًا، أنه يعكس توجه دول المنطقة نحو تحمل مسؤولية أكبر في صياغة ترتيباتها الأمنية، رغم أن استدامة هذا التوجه لا تزال غير محسومة.
وثانيًا، أنه يمثل خطوة جدية نحو نظام أمني إقليمي يصبح فيه الفاعلون الإقليميون مزودين للأمن بدلًا من أن يكونوا مجرد مستهلكين له، بما يقلل اعتمادهم على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الرئيسي لأمن المنطقة.
ردود الفعل الدولية والإقليمية
ترى الولايات المتحدة أن الاتفاق تطور إيجابي، ومن المرجح أن تدعمه، فيما يتعلق بإيران، باعتباره وسيلة للحفاظ على التوازن الإقليمي. ومن المرجح أن ترحب الولايات المتحدة والدول الأوروبية بمنطقة أكثر اعتمادًا على قدراتها الذاتية، وأن تنظر إلى هذه الدول باعتبارها مساهمة في الأمن الإقليمي، وليس مجرد دول مستهلكة له.
أما إيران، فقد تبنت حتى الآن موقفًا يقوم على الانتظار والترقب، ولا تنظر إلى الاتفاق باعتباره تحالفًا مناهضًا لها. وسيتوقف موقفها على كيفية انتهاء الحرب الحالية وعلى توجه طهران في سياستها الإقليمية لاحقًا. وإدراكًا منها أن الاضطرابات الإقليمية تخدم مصالح إسرائيل، فمن غير المرجح أن تتخذ إيران موقفًا عدائيًا أو تسعى إلى بناء سياسة موازنة، على الأقل في المدى القصير والمتوسط.
وفي المقابل، التزمت إسرائيل الصمت علنًا، بينما يُعتقد أنها تنظر إلى الاتفاق باعتباره يعزز تحديًا يتمحور حول تركيا. وبدلًا من مواجهته مباشرة، يُتوقع أن تعمل إسرائيل على تعميق المنظومة الثلاثية التي تجمعها باليونان وقبرص بهدف تطويق تركيا من الغرب، إلا أن تحقيق تكامل دفاعي حقيقي بين الدول الموقعة على اتفاق مكة قد يغير هذه الحسابات ويضيف متغيرًا جديدًا إلى سياسة الاحتواء الإسرائيلية الحذرة.
كما جاءت ردود الفعل من الهند والإمارات العربية المتحدة محدودة. ومن المتوقع أن تعزز الهند اصطفافها المضاد لباكستان من خلال توثيق علاقاتها مع إسرائيل، بينما يُرجح أن تبقى الإمارات خارج الاتفاق، مع مواصلة سياسة الموازنة عبر علاقاتها مع إسرائيل وروابطها الدفاعية المستقلة، في ظل حذرها من إطار تقوده السعودية ويهمش دور مجلس التعاون الخليجي.
المكاسب المحتملة وحدودها
يؤسس الاتفاق لردع جماعي مؤسسي، إذ يجعل أي عدوان على إحدى الدول الثلاث أكثر كلفة، من خلال إجبار الخصم على حساب تداعيات مواجهة ثلاث دول بدلًا من دولة واحدة.
ومع ذلك، لا يُتوقع أن تعطي الدول الثلاث الأولوية للردع على حساب الدبلوماسية. كما سيعزز الاتفاق التعاون بينها ليس فقط في المجال الدفاعي، وإنما أيضًا في المجالات السياسية والاقتصادية والمجتمعية. وبعبارة أخرى، قد يؤدي الاتفاق إلى تأثيرات ممتدة تفضي إلى تكامل في المجالات المالية والتجارية والقانونية وغيرها.
وقد يحمل التصميم الأمني الإقليمي الجديد فوائد اقتصادية لتركيا وباكستان، اللتين استُبعدتا من ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي (IMEC). ومن شأن إنشاء مسار بديل يضم البلدين إلى جانب السعودية أن يضعهما بقوة على خريطة ممرات التنمية العالمية.
وستستفيد الدول الثلاث بدرجة كبيرة من بناء اصطفاف قائم على الأمن، بالنظر إلى تكامل قدراتها. فتركيا تستطيع توظيف صناعتها الدفاعية المتطورة، وجيشها الكبير ذي الخبرة، وعضويتها في حلف الناتو؛ بينما تمتلك باكستان قدرات عسكرية كبيرة ورادعًا نوويًا. أما السعودية، بما تتمتع به من ثقل اقتصادي وموقع جيوستراتيجي حيوي، فيمكنها المساهمة في تطوير آليات تتجاوز الدفاع الجماعي لتشمل التدريب العسكري، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وتبادل التكنولوجيا، والتعاون الاستخباراتي والأمن البحري.
تداعيات الاتفاق على الحرب اليمنية
من المرجح أن يكون تأثير اتفاق مكة على اليمن غير مباشر ودفاعيًا أكثر منه تحويليًا. وقد جاء الاختبار الأول للاتفاق سريعًا في 9 أغسطس/آب، عندما هاجم الحوثيون منطقة الجبيل في السعودية. وردت الرياض دون طلب مساعدة تركية أو باكستانية، بما يعكس إدراكها أن الشريكين لا يُرجح أن يتدخلا عسكريًا بصورة مباشرة.
وعليه، يُتوقع أن تتركز أهم مساهمات الشريكين في تبادل المعلومات الاستخباراتية، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع البحري، بدلًا من نشر قوات على خطوط المواجهة في اليمن.
وسيكون أحد أهم معايير نجاح الاتفاق ليس عدد الطائرات أو القوات التي يستطيع حشدها، وإنما مدى قدرته على جعل الهجمات على السعودية أكثر كلفة، من دون زيادة خطر اندلاع حرب أوسع. ويتمثل التحدي الرئيسي في بناء ردع موثوق من دون تحويل الاتفاق نفسه إلى آلية لتصعيد الصراع.
كما يضع الاتفاق اليمن بصورة أكثر رسوخًا على أجندة الأمن القومي السعودي، ويمنح إيران عنصرًا إضافيًا من عناصر الردع الإقليمي عليها أن تأخذه في الحسبان. وأي توسع للاتفاق ليشمل التعاون الاستخباراتي، والدفاع الصاروخي والجوي، والأمن البحري، أو التنسيق السياسي ضد الجهات المرتبطة بإيران، سيحظى بمراقبة وثيقة من جانب طهران.
ويرى محللون يمنيون أن الاتفاق قد يضع الحوثيين أمام ثلاثة خيارات صعبة: مواصلة الهجمات على السعودية، مع المخاطرة برد أقوى من الكتلة الثلاثية مع تضييق طرق إمدادهم بالسلاح؛ أو التحول إلى عمليات يمكن إنكار مسؤوليتهم عنها بدلًا من الهجمات المفتوحة؛ أو وقف الهجمات على السعودية والتركيز بدلًا من ذلك على خصومهم داخل اليمن.
وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يُطرح باعتباره تحالفًا ضد الحوثيين، فإنهم قد يكونون مع ذلك من أوائل الأطراف التي تختبر حدوده.
أما في البحر الأحمر، فلا يزال تأثيره الأمني المباشر غير واضح. ورغم أن الاتفاق قد يعزز الردع البحري السعودي، فإنه لا يُتوقع أن يصبح الآلية الرئيسية لتأمين البحر الأحمر، إذ لا يزال هذا الدور مرتبطًا بدرجة كبيرة بـالتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات.
التحديات والآفاق: الاتفاق وسياسة الشرق الأوسط
سواء بقي الاتفاق مجرد تعبير سياسي رفيع المستوى عن التضامن، أو تطور إلى منظومة أمنية متكاملة تقوم على تبادل منهجي للمعلومات الاستخباراتية، وتطوير مشترك للصناعات الدفاعية، وتعزيز التنسيق المؤسسي، فإن ذلك سيُختبر في الأزمات المقبلة.
وستعتمد فعاليته في نهاية المطاف على مدى تحوله إلى منظومة مؤسسية، وعلى طبيعة التفاعلات السياسية الدولية والإقليمية والداخلية في الدول الثلاث.
ومع ذلك، يمكن للاتفاق أن يؤثر في توازن القوى الإقليمي على طول خط انقسام أكثر مرونة؛ فمن جهة توجد الدول الموقعة، ومن جهة أخرى تبرز مجموعة مقابلة آخذة في التشكل، يبدو أنها تضم في الوقت الراهن إسرائيل والهند، بينما تتجنب أطراف الرياض الأخرى، ومنها الإمارات وسلطنة عمان، اتخاذ موقف صارم ضد الاتفاق.
وبهذا المعنى، قد ينقسم النظام المتحالف مع الولايات المتحدة إلى إطارين متنافسين: الدول الملتزمة باتفاقات إبراهيم، والإطار البديل الذي يمثله اتفاق مكة.
لكن هذه البيئة الأكثر مرونة لا تخلو من المخاطر. فإذا فشل الاتفاق في التحول إلى منظومة مؤسسية، أو تطور تدريجيًا إلى ترتيب مناهض لإيران، أو بصورة ضمنية مناهض لإسرائيل، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الاستقطاب الإقليمي بدلًا من المساهمة في خفض التصعيد.
وسيتوقف الوزن العملي للاتفاق في نهاية المطاف على كيفية تطوير الآليات السياسية والعسكرية المخطط لها، ومدى استعداد الدول الثلاث للتحرك بصورة جماعية عندما تتعرض مصالحها للاختبار.
وينص الاتفاق بالفعل على التنسيق بين كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين، وإجراء تدريبات مشتركة، وتعميق التعاون في الصناعات الدفاعية، إلا أن مدى ترجمة هذه الالتزامات إلى قدرات عملياتية فعالة لا يزال غير محسوم.
كما يمكن أن يؤدي الاتفاق إلى معضلة أمنية، وهي حالة تؤدي فيها محاولات دولة ما لتعزيز أمنها إلى شعور أطراف أخرى بمزيد من انعدام الأمن، فتسعى بدورها إلى تعزيز قدراتها. وقد يزيد ذلك من خطر سوء التقدير، لا سيما في الحالات التي تتضمن هجمات من جهات غير حكومية، أو غموضًا بشأن الجهة المسؤولة، أو حوادث بحرية غير متوقعة، كما توضح حالة الحوثيين.
ويتمثل تحدٍ آخر في احتمال تحول الاتفاق إلى تحالف مناهض لإيران بصورة صريحة، بما قد يعيد إنتاج التنافس بين المحاور الذي يبدو أن المنطقة بدأت تتجاوزه.
وفي نهاية المطاف، ستتوقف مصداقية اتفاق مكة على قدرة الدول الثلاث على بناء مستوى كافٍ من التنسيق والردع، من دون تحويل الاتفاق نفسه إلى عامل يدفع نحو مزيد من الاستقطاب الإقليمي.
* باحثة دكتوراه – قسم العلاقات الدولية، جامعة حاجت تبه – تركيا