تحليل | التصعيد الحوثي كرهان سياسي.. حماية مستقبل الجماعة عبر تفاهم أمريكي ـ إيراني

2026-08-18 04:42 الهدهد/خاص:
تحليل | التصعيد الحوثي كرهان سياسي.. حماية مستقبل الجماعة عبر تفاهم أمريكي ـ إيراني

يثير التصعيد العسكري الحالي، الذي بدأت شرارته مع اختراق طائرة "ماهان" الإيرانية الأجواء اليمنية في الثالث من يوليو الماضي، ثم عودتها في 13 من الشهر نفسه، أسئلة تتجاوز حادثة الطائرة نفسها، خصوصًا مع انتقال التصعيد لاحقًا من مطار صنعاء إلى السعودية والبحر الأحمر، ثم إلى مأرب وحضرموت والعبر والمخا.

ففي الثالث من يوليو، وتحديدًا بعد منتصف الليل، تناقلت وسائل الإعلام وناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي أخبارًا تفيد بسماع دوي انفجارات في صنعاء. وتبين في النهار أنها كانت محاولات لمنع هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء، ليتهم الحوثيون التحالف العربي بقيادة الرياض بالقيام بذلك من خلال طائرات حربية، ويتوعدوا بالرد، مؤكدين أن رحلات الطيران بين مطار صنعاء وطهران سوف تستمر.

بدوره، رد متحدث التحالف، تركي المالكي، في بيان، بتهديد الحوثيين بأنهم سيدفعون الثمن إذا ما أقدموا على مهاجمة الأراضي السعودية، مؤكدًا أيضًا أن بلاده تعتبر أمن واستقرار اليمن جزءًا من استقرار المملكة، وأنها ستواصل دعمها للحكومة.

من جانبه، أعلن مجلس القيادة الرئاسي أن ما حدث يمثل انتهاكًا للسيادة اليمنية، ولا يمكن القبول به، وأنه سيتخذ الإجراءات اللازمة لحماية السيادة ومنع تكرار الحالة. وما بين ذلك اليوم وحتى عودة الطائرة التي أعادت وفد الحوثيين إلى اليمن، كانت التحليلات تتحدث عن كيفية عودة الطائرة، وما إذا كانت السعودية ستتعامل معها، وهل ستمنعها، وما إلى ذلك. وسرت أنباء عن أن سلطنة عمان ربما تبذل جهودًا لإيجاد تفاهم من نوع معين يشمل عودة الوفد إلى مسقط، ومن هناك يمكن أن تقله طائرة، إما تابعة للخطوط الجوية اليمنية أو طائرة أخرى، إلى مطار صنعاء، بحيث يُضمن للحكومة اليمنية منع دخول الطائرة الإيرانية مرة أخرى.

لكن عودة الطائرة مع الوفد مثّلت بالنسبة للحكومة تحديًا لا يمكن القبول به، وبمجرد دخولها الأجواء اليمنية أعلن وزير الدفاع اللواء الركن طاهر العقيلي أن القوات المسلحة ستستخدم الوسائل المناسبة لمنع الطائرة من الهبوط، واستنفرت أجهزة الدولة، من مجلس القيادة إلى الحكومة والسلطات المحلية. وبمجرد اقتراب الطائرة من أجواء العاصمة صنعاء، حدث قصف لمدرجات المطار، وأعلنت الحكومة لاحقًا مسؤوليتها عن القيام بذلك، مما دفع الطائرة إلى تغيير مسارها باتجاه الحديدة، حيث هبطت هناك بسلام، وقيل بعد ذلك إن التسوية هي التي سمحت للطائرة بالهبوط في الحديدة بدلًا من منعها، بعد أن أوصلت الحكومة رسالتها بمنع هبوطها في مطار صنعاء، لكن هذه الرواية تظل مجرد تسريبات صحفية.

معادلة «المطار بالمطار».. من البحر الأحمر إلى جبهات الداخل

بعد هذه الواقعة، أعلن الحوثيون أنهم سيطبقون معادلة سبق أن أعلنوا عنها من قبل، وهي «المطار بالمطار والميناء بالميناء»، ورفع ما أسموه «الحصار» عن اليمن، وبدأوا بالفعل بتوجيه ضربات باتجاه مناطق سعودية. وأعلنت السعودية أكثر من مرة التصدي لها، حيث استُهدفت منشآت مطار ومنشآت نفطية، ثم أعلن الحوثيون فرض حظر بحري على السفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر ضمن هذه المعادلة.

وقد ردت السعودية، على لسان خارجيتها والتحالف العسكري الذي تقوده، على الاتهامات التي ساقها الحوثيون، وأكدت أنها ستتخذ الإجراءات المناسبة لحماية سفنها وفق القانون الدولي. وبالفعل، استهدف الحوثيون عددًا من السفن السعودية ومنعوا مرور بعضها عبر البحر الأحمر، لتضطر السعودية إلى توجيه ضربات جوية على مواقع قالت إنها عسكرية تابعة للحوثيين في محافظة الحديدة.

ولاحقًا، تم استهداف مواقع للحوثيين في عدة محافظات، وأعلنت الحكومة اليمنية مسؤوليتها عنها، وقالت إن سلاح الجو اليمني هو الذي قام بهذه المهمة، رغم أن الحوثيين ألقوا بالمسؤولية على السعودية.

وهنا برز تطور عرض الطائرات المسيّرة الذي أعلن عنه وزير الدفاع وقائد القوات الجوية، ثم لاحقًا تصريح قائد القوات عن إعادة تأهيل بعض الطائرات اليمنية للقيام بمهام مثل تلك التي حالت دون هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء واستهداف جبهات الحوثيين.

وقد أثار التصعيد الحوثي تساؤلات، حيث لم يكتفوا بالتصعيد الخارجي ضد السعودية وفي البحر الأحمر، بل فجروا الوضع في الداخل، وكان أبرز التصعيد يوم 6 أغسطس باستهداف معسكرات الجيش في مأرب وحضرموت، وهو الهجوم الذي خلّف أكثر من 17 قتيلًا إلى جانب عدد من المصابين، في أكبر هجوم منذ بدء الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022. وأُثيرت تساؤلات حول دلالة اختيار الحوثيين هذا التوقيت للتصعيد، إذ لم يكن هناك أي تصعيد من جانب الحكومة تجاههم، باستثناء ردة الفعل على اختراق الطائرة الإيرانية، والتي شملت استهداف مدرجات المطار وبعض الغارات التي تم تنفيذها، وكانت ردًا على هذا الانتهاك.

تبع ذلك تصعيد حوثي باستخدام الصواريخ الباليستية والطيران المسيّر في مأرب، وفي العبر مرة أخرى، وفي المخا، حيث استُهدف الميناء، مما ألحق أضرارًا كبيرة وأخرجه عن الخدمة. ثم عاد التصعيد إلى الجبهات، وإن كان لا يزال في حدود القصف المتبادل، ولم تبدأ معارك أو هجمات من جانب الحوثيين أو العكس.

وتأتي هذه التساؤلات في ظل رؤية ترى أن استخدام الصواريخ الباليستية والطيران المسيّر بتلك الكثافة، والتي استهدفت معسكرات الجيش، أكبر من مجرد وضعها في إطار رد الفعل والانتقام على استهداف المطار، إذ إن الهجوم أكبر بكثير من الناحية العسكرية.

وهو ما يطرح تساؤلات مفادها أنه لم يكن هناك ما يبرر هذا التصعيد العسكري، كما أن هذه التساؤلات تثير الشكوك أيضًا؛ فالحوثيون لم يفعلوا ذلك، على الأقل منذ بدء الحرب بين إيران والولايات المتحدة.

وتزامن هذا التصعيد مع فشل تنفيذ مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، التي مثّلت هدنة أو وقفًا لإطلاق النار بين الجانبين بعد حرب استمرت أشهرًا. وأعلنت أمريكا استئناف ضغوطها على إيران، بالتزامن مع تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم محسن رضائي، مستشار المرشد للشؤون العسكرية، بأن إيران ستوسع الهجوم من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر وباب المندب عن طريق حلفائها، ومنهم الحوثيون.

وتوعدت إيران أكثر من مرة بأنها ستغلق مضيق باب المندب، بالتزامن مع تراجع تأثير ورقة مضيق هرمز التي استخدمتها إيران للضغط على أمريكا، أو لرفع كلفة الحرب أو الهجوم على أمريكا وحلفائها في دول الخليج، حيث تم شل الحركة الملاحية، مما دفع بأسعار النفط إلى الارتفاع وخلق أزمة طاقة عالمية.

كما تزامن ذلك مع لجوء السعودية إلى الخط الاستراتيجي «شرق غرب لاين» لتصدير نفطها عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهي الصادرات التي تذهب في معظمها عبر باب المندب باتجاه آسيا، بينما يعبر الجزء القليل قناة السويس باتجاه أوروبا.

ووفق هذه القراءة، فإن إيران شعرت أن تعطيل الحركة الملاحية في مضيق هرمز، مع إيجاد بديل بالنسبة للسعودية باعتبارها أكبر حلفاء أمريكا في المنطقة، يحرمها من هذه الورقة. وهنا تم دفع الحوثيين للتعطيل باستهداف سفنها في البحر الأحمر، وبعد مرور أيام على التصعيد العسكري الحوثي في الداخل وفي البحر الأحمر، يتساءل المراقبون: ما الهدف من ذلك؟ هل يعتزم الحوثيون مهاجمة مناطق الشرعية برًا؟ أم سيكتفون فقط بالقصف عن طريق الصواريخ الباليستية والمسيّرات؟ وما الأهداف السياسية والعسكرية؟

الأبعاد الجيوسياسية.. تفكيك الرقابة والبحث عن «حصانة إقليمية»

مع أنه من غير المعروف ما إذا كان هذا الهجوم الجوي عبر المسيّرات والصواريخ تمهيدًا لعمل بري أم لا، كما أن التفسيرات التي تربط بين تصعيد الحوثيين وهروبهم من الأزمات الداخلية الاقتصادية والمعيشية والاختناق الشعبي غير دقيقة، على اعتبار أن هذا الوضع قائم منذ سنوات. وكان بوسعهم، لو كان الأمر كذلك، أن يكون التصعيد قبل يوليو، فتشير بعض التحليلات إلى أنه قد يكون بالنظر إلى تكثيف هجماتهم على مدينة المخا القريبة من باب المندب، والتي تمنح الحكومة اليمنية ميزة التواجد على المضيق، ما يجعلها شريكًا دوليًا أو يعزز فرص دعمها من قبل المجتمع الدولي على اعتبار أنها موجودة هناك، على عكس الحوثيين. وربما تكون رغبة الحوثيين في السيطرة على المخا والشريط الساحلي الذي تسيطر عليه الحكومة، بما يعيدهم مرة أخرى إلى المضيق بعد طردهم منه قبل سنوات.

وبذلك يصبح باب المندب فعليًا تحت سيطرة إيران إلى جانب مضيق هرمز، وبذلك يمكنها خنق السعودية ومنع صادراتها النفطية، على اعتبار أن النفط هو عصب اقتصاد السعودية، ما سيكون له تأثيرات كبيرة، لأن التصدير عبر قناة السويس لن يكون مجديًا، لأن زبائن السعودية في آسيا وليس أوروبا. كما سيؤثر ذلك على الملاحة العالمية أو الاقتصاد العالمي، ويرفع كلفة الشحن والتأمين والأسعار، مما يضغط على إدارة ترامب مع قرب انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس في نوفمبر القادم، وهذا عامل داخلي مؤثر.

لذلك فإن هذا قد يكون واحدًا من أهم أهدافهم العسكرية في الاستثمار وفي الحصول على مكاسب جيوسياسية تمنح الحوثيين تأثيرًا إقليميًا من خلال الموقع البحري لليمن. وربما يكون محاولة استباقية منهم لمنع عملية عسكرية محتملة لطردهم من الحديدة، وحرمانهم من التواجد على البحر، بعد أن نجوا من ذلك عام 2018 بضغط من الولايات المتحدة وبريطانيا، وأُوقفت عملية عسكرية كانت على أبواب المدينة.

بعد سنوات، أدرك العالم، وتحديدًا واشنطن ولندن، خطأ تلك الحسابات أو تقديرها، أو على الأقل أن مصالحهم حينها تحققت، ولكن على المدى البعيد والاستراتيجي دفعوا الثمن، إذ اضطروا لاحقًا لتشكيل تحالف «حارس الازدهار» ضد الحوثيين في 2024 و2025، وقاموا بضربات عسكرية ضد الحوثيين انتهت إلى تفاهم بين أمريكا والحوثيين برعاية سلطنة عمان، بوقف الهجمات المتبادلة بين الطرفين، دون أن تقضي على قدرات الحوثيين أو تمنع تهديداتهم للملاحة مرة أخرى.

ومن جهة أخرى، قد يكون واحدًا من الأهداف، والذي يتزامن مع خطاب الحوثيين السياسي وسرديتهم، تكرّيس فكرة الحصار، على الرغم من أن قرار مجلس الأمن 2216، الذي نتج عنه إنشاء آلية الأمم المتحدة للتفتيش لمنع دخول السلاح، فرض حظرًا على السلاح إلى اليمن، ولم يكن حصارًا يمنع دخول المواد الغذائية والأدوية بقدر ما كان يتعلق بالسلاح. إذ يكرر الحوثيون مزاعم بأن الأدوية والغذاء تتأخر في جيبوتي لأكثر من أربعة أشهر بسبب آلية التفتيش. لكن تحقيقًا استقصائيًا قامت به منصة الهدهد، اعتمادًا على 18 تقريرًا تشغيليًا لهذه الآلية، أكد بوضوح أن هذه المزاعم غير صحيحة، ولا يوجد هذا التأخير، على الأقل خلال فترة الدراسة التي شملت من يوليو 2025 حتى نهاية يونيو 2026، والتي تؤكد بوضوح أن فترات التفتيش تراجعت، وكان أقصاها 35 يومًا، بل وصلت في الشهر الماضي إلى خمسة أيام فقط، وهو ما ينسف سردية الحوثيين. وبالتالي، فإنهم يسعون، من ضمن الأهداف، إلى إلغاء آخر رقابة أممية على الموانئ التي يسيطرون عليها في الحديدة، وهي محاولات دأبوا عليها منذ سنوات وإذا ما نجحوا من وراء ذلك، فيمكنهم أن يستقدموا الأسلحة والمعدات العسكرية عبر الموانئ.

لكن الهدف الأكبر قد يكون حماية أنفسهم مستقبلًا، على غرار ما حصل مع حزب الله، حيث ستطرح إيران فكرة إنهاء الحرب في اليمن أو وضع الحوثيين ضمن تفاهم مع واشنطن، بحيث تكون واشنطن ضامنة لمنع أي حرب ضد الحوثيين في المستقبل، على غرار ما حصل مع حزب الله في مذكرة التفاهم التي وُقعت بين الطرفين في إسلام آباد في يونيو الماضي، والتي نصت على وقف العملية العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وضمان وحدة لبنان، وفتحت مسارًا تفاوضيًا لمدة 60 يومًا. ثم جاءت ترتيبات الجنوب اللبناني، ضمن إطار منفصل وتفاهم أمريكي بين لبنان وإسرائيل في 26 من الشهر نفسه، والذي يربط مصير الجنوب اللبناني وحزب الله بالتفاهمات الأمريكية الإيرانية، حيث أصرت طهران خلال المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع واشنطن على إدراج لبنان ضمن حزمة التهدئة الكبرى للنزاع. 

وبالتالي، فإن الحوثي قد يهدف إلى حماية نفسه من أي هجوم مستقبلي من خلال اتفاق يدرجهم ضمن هذه التفاهمات الإقليمية، وهو ما حذّرت منه سفيرة اليمن لدى الولايات المتحدة جميلة علي رجاء، حين حذّرت من أي مقاربة دولية تفضي إلى إدراج جماعة الحوثي ضمن تفاهمات أمريكية إيرانية محتملة، معتبرة أن الجماعة تسعى لربط مشهد التفاهمات الإقليمية وصرف النظر عن الجماعات الإرهابية.

ومن جانبه، كتب الباحث السعودي نواف القديمي عبر حسابه في تويتر: «ربما يسعى الحوثي لفتح جبهات القتال ضد الحكومة اليمنية والسعودية لكي تضع إيران شرطًا في أي اتفاق إيراني أمريكي قادم يشمل وقف الحرب في اليمن على غرار ما حدث في لبنان، لكي تكون أمريكا ضامنة لعدم تجدد الحرب في اليمن»، مضيفًا أن الحوثي يريد أن يحمي نفسه بالاتفاق الإيراني الأمريكي.