النار والألغام .. الآلة العسكرية الحوثية تستمر في صناعة النزوح في اليمن 

2026-09-11 00:31 الهدهد- عبدالرحمن بالبيد
عبدالرحمن بالبيد
عبدالرحمن بالبيد

أرقام جديدة تضاف إلى قائمة النزوح في اليمن؛  أكثر من عشرين ألف مدني نزحوا حديثًا من محافظتَي تعز والحديدة وفق منظمة الهجرة الدولية (IOM)، نتيجةً للقصف العشوائي لمليشيا الحوثي على الأحياء السكنية ومخيمات النازحين منذ أواخر أغسطس وحتى سبتمبر من العام الجاري.

لكن الرقم، على قسوته، لا يقول كل شيء. فكثير من هذه الأسر لم تتجرع عناء التهجير للمرة الأولى، وبحسب الأمم المتحدة، فإن ما يقارب سُبع الأسر النازحة حديثا كانت قد نزحت مسبقا، وكانت قد أمضت سنوات الحرب متنقّلةً بين أماكن اللجوء، تتشبث بخيام أنهكها المطر والحاجة، قبل أن يدفعها القصف مرة أخرى إلى الطريق. هذه المرة، إلى المجهول؛ يحمل أفرادها ما تستطيع أجسادهم حمله، ويتركون وراءهم ما تبقى من حياة لم تستقر أصلًا.

ولا تبدو هذه الموجة معزولة عن سياق سابق أوسع، إذ قدّرت الأمم المتحدة إجمالي النازحين داخليًا في البلاد بنحو 5.2 مليون شخص في 2026، وكان لمحافظتي مأرب وتعز النصيب الأكبر من هذه الموجات.

القصف هو حلقة الانتهاك الأبرز في هذه السلسلة، إذ لطالما دفعت قذائف وصواريخ الحوثيين آلاف الأسر والمدنيين واضطرتهم إلى النزوح، تاركةً خلفهم قُراهم ومنازلهم التي تعرض بعضها للدمار، وكانت الهجرة الدولية قد وثقت تهجير 1,458 أسرة (8,748 فردًا) في الفترة 1 يناير إلى 18 يوليو 2026، فيما أكدت في تقارير سابقة لها أن إطلاق الحوثيين القذائف والصواريخ بصورة عشوائية على مناطق مأهولة بالسكان في مأرب تسبب في موجات نزوح كبيرة مشيرة إلى أن القصف طال مخيمات النازحين أيضًا، وقالت في أحدث جولة لتقييم المنطقة أجرتها في أبريل ومايو 2026 إنّ المحافظة تستضيف نحو 1.88 مليون نازح داخلي.

 

المفارقة الأشدّ قسوة في حرب المليشيا: أن يهرب المدني من منزله بحثًا عن الأمان، ثم يطارده القصف إلى المكان الذي لجأ إليه، غير أن الخطر لا يتوقف عند الصاروخ أو المقذوف، فقد تهدأ الجبهات، لكن العودة لن تصبح ممكنة أيضا، إذ إن زراعة الألغام، وهي ممارسة لطالما انتهجتها الجماعة في المناطق التي تسلّلت إليها أو سيطرت عليها، تُعدّ جريمة أخرى تضاف إلى قائمة طويلة من انتهاكات مليشيا الحوثي بحق النازحين، ففي تقريرها عن قرية الشقب في محافظة تعز عام 2024، قالت هيومن رايتس ووتش إن أكثر من 257 أسرة كانت قد نزحت من منازلها، وإن محاولات بعض السكان العودة أو الوصول إلى مزارعهم انتهت بمقتل وإصابة مدنيين جراء الألغام، ووثقت المنظمة مقتل ستة أشخاص وإصابة 28 آخرين بالألغام في المنطقة خلال السنوات التي أعقبت حصار المدينة عام 2015.

إنها ليست مجرد مخلفات حرب بالمعنى الذي يوحي به التعبير؛ بالنسبة إلى المدني الذي يحاول العودة، قد يكون اللغم هو الحرب ذاتها، ولكنها حرب مؤجلة، صامتة، لا تعلن عن نفسها إلا حين يطأها أحد.

وصفتها الأمم المتحدة بالخطر القاتل، ووثقت استخدام الحوثيين ألغامًا مضادة للأفراد والمركبات في أماكن يرتادها المدنيون، بما في ذلك الطرق والمزارع ومحيط المنازل ومصادر المياه، واعتبرته انتهاكًا لقواعد القانون الدولي الإنساني. 

لا تقتصر كلفة النزوح المتكرر على فقدان المنزل أو الأرض. فكل موجة فرار تقتطع جزءًا آخر من حياة الأسر: طفل ينقطع عن المدرسة، وأسرة تدخل عامًا جديدًا من الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وأب يبحث عن مأوى جديد بدلًا من أن يبحث عن مصدر رزق، وأمّ تحمل أطفالها مرة أخرى إلى مكان لا تعرف إن كان سيكون محطةً مؤقتة أم بداية لنزوح آخر، رويترز في تقرير لها في العام المنصرم وصفت أوضاع النازحين في اليمن، وقالت إن كثيراً منهم يعيشون في خيام ومنشآت بدائية لا تقيهم حرارة ورطوبة الصيف، والذباب، وتراكم القمامة والمياه الراكدة، وقالت إن كثيراً من الأسر تعيش على وجبة واحدة في اليوم.

 

لا تقع هذه الوقائع وسط فراغ قانوني، بل في إطار واضح لا يحتمل التأويل بلا ضوابط. فاليمن طرف في البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف منذ 17 أبريل 1990، وتنص المادة 17 منه على عدم جواز ترحيل السكان المدنيين لأسباب تتصل بالنزاع، إلا إذا اقتضى ذلك أمن المدنيين المعنيين أو أسباب عسكرية قهرية، مع ضرورة توفير ظروف ملائمة من المأوى والصحة والسلامة والتغذية. كما تحظر إرغام المدنيين على مغادرة إقليمهم لأسباب مرتبطة بالنزاع.

وتوفر المادة 13 من البروتوكول ذاته حماية إضافية للسكان المدنيين، إذ تحظر جعلهم أو الأشخاص المدنيين محلَّ هجوم، كما تحظر أعمال العنف أو التهديد به التي يكون غرضها الأساسي نشر الرعب بينهم.

 

لكن النصوص القانونية، مهما كانت واضحة، لا تعيد إلى النازح منزله، ولا تمحو من ذاكرة طفلٍ الطريق الذي فرّ منه، ولا تجعل الحقل الملغوم صالحًا للعودة، لهذا فإن التعامل مع النزوح في اليمن بوصفه مجرد نتيجة إنسانية للحرب يختزل المشكلة أكثر مما يفسرها. فحين يدفع القصف السكان إلى الفرار، ثم تحول الألغام دون عودتهم، فإننا لا نكون أمام نزوح عابر فحسب، بل أمام مسار طويل من الاقتلاع، تتداخل فيه الأعمال العسكرية مع آثارها التي تمتد إلى ما بعد توقف القتال.

وحين تتكرر جرائم الانتهاك هذه، تغيب احتمالات الخطأ العابر في حسابات الميدان، ويحضر السؤال الأثقل: كيف تحوّل النزوح من نتيجة عرضية للحرب إلى مُخرَجٍ مقصود لسياسة عسكرية؟، فالقصف يدفع السكان إلى الرحيل، والالغام تجعل العودة أكثر خطورة، وبين الفعلين، تتشكل وقائع لا يمكن فصلها عن مسئولية من يصنعها، ومن هنا، فإن كل واقعة يجب أن تُفحص وفق عناصرها وأدلتها، لتحديد ما يشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، وما يرقى إلى جريمة حرب تستوجب المساءلة الصارمة.