إعلام أمريكي يستحضر إسرائيل و"الانتقالي" المنحل بعد وصول الحوثيين إلى باب المندب.. ماذا عن الإمارات؟
لماذا يعود إعلام أمريكي إلى استحضار إسرائيل والمجلس الانتقالي الجنوبي "المنحل" والمدعوم إماراتياً، في لحظة تصعيد حوثي قرب باب المندب؟ وهل يتعلق الأمر بقراءة أمنية لتداعيات تمدد الجماعة المدعومة من إيران، أم بمحاولة إعادة تقديم أطراف فقدت جزءاً من حضورها السياسي والعسكري بوصفها أدوات محتملة في ترتيبات إقليمية جديدة؟
تطرح قناة "الحرة"، وهي فضائية ناطقة بالعربية وممولة من الحكومة الأمريكية ومقرها الولايات المتحدة، هذا النقاش عبر تقريرين ربطا بين تقدم الحوثيين في محيط الممر البحري الاستراتيجي، واحتمالات الدور الإسرائيلي، ومستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أُعلن حلّه من جانب قيادته في الرياض، بينما رفض جناح محسوب على الإمارات الاعتراف بالقرار.
إسرائيل.. خصم للحوثيين أم شريك؟
يستند التقرير الأول إلى دعوة خالد اليماني، مستشار رئيس المجلس الانتقالي ووزير الخارجية اليمني الأسبق، إلى إشراك إسرائيل ضمن منظومة أمن إقليمية أوسع لمواجهة الحوثيين وإيران.
ويقول اليماني إن إسرائيل يمكن أن تكون جزءاً من تحالف يضم دول الخليج وحلفاء الولايات المتحدة، على أساس تقاسم الأعباء الأمنية ومنح دول المنطقة دوراً أكبر في حماية أمنها، بدلاً من استمرار واشنطن في أداء دور "شرطي العالم"، وفق تعبيره.
لكن استحضار إسرائيل في هذا التوقيت يفتح سؤالاً يتجاوز مضمون الدعوة نفسها: هل يجري تقديم المليشيا الحوثية باعتبارها تهديداً يتطلب ترتيبات أمنية جديدة، تكون إسرائيل طرفاً فيها، أم أن الأمر يعكس محاولة لتطبيع حضورها في الملف اليمني عبر بوابة الأمن البحري ومواجهة إيران؟
وتكتسب الفكرة زخماً إضافياً مع ما أورده التقرير عن تفضيل واشنطن، في المرحلة الراهنة، دعم شركائها إقليمياً وتبادل المعلومات الاستخباراتية، مع التركيز على حماية الملاحة ومواجهة الحوثيين، بدلاً من الانخراط العسكري المباشر.
لماذا الآن؟
لم يكن الحديث عن علاقة محتملة بين المجلس الانتقالي وإسرائيل جديداً، فقد سبق لرئيس المجلس عيدروس الزبيدي أن تحدث عن إمكانية إقامة علاقات مع إسرائيل في حال استعادة دولة جنوبية مستقلة عاصمتها عدن، كما أبدى تأييده لاتفاقات التطبيع العربية، وربط مشاركة دولة الجنوب المستقبلية في اتفاقات أبراهام بالاعتراف بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
غير أن الجديد هو نقل هذا الحديث من إطار العلاقات المستقبلية إلى إطار أمني إقليمي مرتبط بمواجهة الحوثيين وحماية باب المندب.
وهنا تبرز دلالة التوقيت: فكلما اتسع نطاق التهديد الحوثي من الداخل اليمني إلى البحر الأحمر والممرات الدولية، أمكن إعادة تقديم إسرائيل بوصفها طرفاً أمنياً يمتلك قدرات استخباراتية وتقنية، لا مجرد دولة تربطها بالمجلس الانتقالي حسابات سياسية مستقبلية.
3 مسارات إسرائيلية
في التقرير الثاني، نقلت "معاريف" و"المونيتور" عن مسؤول استخباري إسرائيلي أن المؤسسة الأمنية تعارض حالياً شن هجوم استباقي على الحوثيين، وتفضل التركيز على بناء تحالف إقليمي، مع احتمال تغيير الموقف إذا تطورت الأوضاع.
وحدد التقرير ثلاثة سيناريوهات يمكن أن تدفع إسرائيل إلى التدخل، أولها، تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بما قد يؤدي، وفق التقدير الإسرائيلي، إلى إصدار طهران أوامر للحوثيين بمهاجمة إسرائيل بالصواريخ والطائرات المسيّرة، الأمر الذي قد يستدعي رداً إسرائيلياً مباشراً.
أما الثاني، فيتمثل بإحكام الحوثيين السيطرة على باب المندب، إذ قد تنظر إسرائيل في التدخل إذا أدى ذلك إلى تعطيل ميناء إيلات أو تهديد حركة التجارة والطاقة، بما في ذلك شحنات النفط السعودية العابرة للبحر الأحمر.
ويتمثل السيناريو الثالث، بطلب سعودي للمساعدة، حيث تحدثت القناة 12 الإسرائيلية عن محادثات، برعاية القيادة المركزية الأمريكية، بين إسرائيل والسعودية بشأن تقديم مساعدات استخباراتية للرياض.
وبينما لا تعني هذه السيناريوهات وجود قرار إسرائيلي بالتدخل، فإنها تكشف أن باب المندب بات يُقرأ إسرائيلياً باعتباره جزءاً من معادلة أمنية تتجاوز حدود اليمن.
استحضار الانتقالي" رغم إعلان الحل
وفي الجانب الآخر، يعيد الإعلام الأمريكي طرح المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره طرفاً محتملاً في هذه الترتيبات، رغم التحولات التي أصابت وضعه السياسي.
فالمجلس، الذي تأسس عام 2017 بدعم إماراتي للمطالبة باستعادة دولة الجنوب، واجه نهاية عام 2025 أزمة حادة على خلفية التوتر السعودي-الإماراتي بشأن جنوب وشرق اليمن، عقب سيطرة قوات محسوبة عليه على مناطق في حضرموت والمهرة.
وبعد مطالبة الرياض بوقف الدعم الإماراتي لأي طرف داخل اليمن، وإعلان أبوظبي إنهاء وجود قواتها، أعلن أمين عام المجلس عبد الرحمن جلال الصبيحي من الرياض حل المجلس، فيما أُقيل الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي.
لكن الجناح المحسوب على الإمارات، والذي ينتمي إليه اليماني، رفض إعلان الحل، واعتبره قراراً أحادياً. ومن ثم، فإن استحضار "الانتقالي" لا يجري باعتباره كياناً موحداً ومستقراً بالضرورة، بل باعتباره شبكة نفوذ وقوى جنوبية وتشكيلات أمنية لا تزال حاضرة في المشهد.
ويطرح الجمع بين إسرائيل و"الانتقالي" سؤالاً سياسياً أوسع: هل يبحث الإعلام الأمريكي عن صيغ لإعادة توزيع الأدوار في اليمن، بحيث تتولى قوى إقليمية ومحلية مواجهة الحوثيين، بينما تكتفي واشنطن بالدعم الاستخباراتي والسياسي؟
هذا الاحتمال ينسجم مع الطرح المنسوب إلى اليماني بشأن "تقاسم الأعباء" الأمنية، لكنه لا يحظى بإجماع داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
فعضو مجلس الشورى اليمني لطفي النعمان وصف الدعوة إلى دور إسرائيلي بأنها "غير واقعية"، مستبعداً تدخلاً إسرائيلياً ما لم تتعرض مصالحها أو أمنها لتهديد مباشر.
كما رفض المتحدث باسم المجلس الانتقالي أنور التميمي اعتبار وجود عدو مشترك دليلاً على قيام تحالف بين إسرائيل والقوى اليمنية المناهضة للحوثيين، رغم إقراره بأن إسرائيل تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم تهديداً لأمنها.
من تهديد محلي إلى قضية دولية
ينقل التقرير عن مسؤول سياسي إسرائيلي أن الحوثيين يتحولون من "مشكلة تكتيكية محلية" إلى "مشكلة استراتيجية عالمية"، وأن خطرهم قد يدفع السعودية ودول الخليج إلى التقارب مع إسرائيل والاعتماد على قدراتها الاستخباراتية.
لكن التقرير يطرح احتمالاً معاكساً أيضاً، مفاده أن اتساع نفوذ الحوثيين قد يدفع دول الخليج إلى الاعتقاد بأن إيران لا تخسر المواجهة، وبالتالي إلى تبريد علاقاتها مع إسرائيل والبحث عن تفاهمات مع طهران.
وهنا تكمن المفارقة: فالتصعيد الحوثي قد يُستخدم لتبرير بناء تحالفات أمنية جديدة مع إسرائيل، لكنه قد يدفع في الوقت نفسه دول المنطقة إلى تجنب هذه التحالفات خشية الانجرار إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
السؤال الأهم
لا تكمن أهمية التقريرين فقط في بحث احتمال تدخل إسرائيل، أو في استعادة دور المجلس الانتقالي، بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريف الصراع اليمني: من حرب داخلية إلى ملف أمن بحري إقليمي، ومن مواجهة مع جماعة مسلحة إلى ساحة لإعادة تشكيل التحالفات.
ويبقى السؤال مفتوحاً، هل يستحضر الإعلام الأمريكي إسرائيل و"الانتقالي" لأنهما يملكان أوراقاً فعلية في مواجهة الحوثيين، أم لأن اللحظة الراهنة تحتاج إلى تقديم بدائل محلية وإقليمية عن التدخل العسكري الأمريكي المباشر؟ إضافة إلى عودة الإمارات إلى المشهد اليمني بطريقة أخرى.
في الحالتين، يبدو أن باب المندب لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح مدخلاً لإعادة اختبار أدوار اللاعبين، بمن فيهم أطراف لم تعد أوضاعها السياسية محسومة، وأخرى لم تحسم بعد ما إذا كانت تريد خوض مواجهة جديدة في اليمن.
هل سنشهد عودة إماراتية؟
ويأخذ استحضار إسرائيل والمجلس الانتقالي الجنوبي "المنحل" في التغطية الأمريكية دلالة إضافية عند وضعه في سياق النفوذ الإماراتي في اليمن. فالإمارات كانت الداعم الإقليمي الأبرز للمجلس، كما أن أبوظبي وإسرائيل راكمتا خلال السنوات الماضية علاقات أمنية وسياسية وثيقة في إطار الترتيبات الإقليمية الجديدة. ومن هنا يبرز تساؤل: هل يمكن أن تتحول مواجهة الحوثيين وحماية باب المندب إلى بوابة تعيد من خلالها أبوظبي حضورها في المشهد اليمني، ولكن هذه المرة عبر ترتيبات أمنية إقليمية تتقاطع فيها مصالحها مع إسرائيل؟
ويعزز هذا الاحتمال طرح خالد اليماني، المحسوب على الجناح الرافض لإعلان حل المجلس، بإشراك إسرائيل في منظومة أمن إقليمية تضم دول الخليج وحلفاء واشنطن لمواجهة الحوثيين وإيران. فالطرح لا يضع إسرائيل في مواجهة الحوثيين فقط، بل يربط أمن البحر الأحمر وباب المندب بإعادة توزيع أدوار القوى الإقليمية والمحلية.
وإذا جرى تبني مثل هذه المقاربة، فإن القوى الجنوبية المرتبطة بالإمارات يمكن أن تجد لنفسها موقعاً في هذه المعادلة، بما يمنح أبوظبي منفذاً غير مباشر للحفاظ على نفوذها، مستفيدة من الشراكة الإسرائيلية-الإماراتية ومن أولوية أمن الملاحة بالنسبة إلى الطرفين.
لكن ذلك يبقى احتمالاً سياسياً لا نتيجة محسومة، فعودة الإمارات عبر بوابة أمنية مرتبطة بإسرائيل ستصطدم بحسابات السعودية بشأن مستقبل الجنوب، وبموقف واشنطن من أي ترتيبات جديدة، فضلاً عن الانقسام داخل المجلس الانتقالي نفسه.
ومع ذلك، فإن الجمع في تقرير أمريكي واحد بين إسرائيل و"الانتقالي" بعد التطورات الأخيرة يلفت إلى مسار إعادة صياغة الدور الإماراتي في اليمن من نفوذ عسكري ومحلي مباشر إلى نفوذ أمني إقليمي، تكون إسرائيل إحدى بواباته المحتملة.