استهداف وزير الدفاع في الضالع.. هل انتقل التخادم الحوثي–الانتقالي من الظل إلى العلن؟
تفتح حادثة استهداف موكب وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي في محافظة الضالع، باباً واسعاً أمام تساؤلات تتجاوز حدود الحادثة الأمنية، لتطال طبيعة الصراع داخل معسكر القوى المناهضة لمليشيا الحوثي، وحدود التقاطعات الميدانية بين أطراف تتباين في شعاراتها، لكنها قد تلتقي في إرباك مؤسسات الدولة وإضعاف بنيتها العسكرية.
وتأتي الحادثة في سياق ميداني وسياسي بالغ التعقيد، بالتزامن مع تصاعد هجمات مليشيا الحوثي، وما يقابلها من ردود عسكرية وتقدم للقوات الحكومية على أكثر من جبهة، الأمر الذي يضع المؤسسة العسكرية أمام تحديات متزامنة، تتصل بمواجهة الجماعة الحوثية، وبالتوترات داخل المناطق الخاضعة للقوى المناهضة لها.
ويُثير تزامن هذا الهجوم العسكري مع تحركات الفصائل المحسوبة على المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً تساؤلات ملحة حول ما إذا كان التنسيق بين هذه القوى قد تجاوز مرحلة التقاطع غير المباشر للمصالح إلى مستوى "التخادم العلني" المستهدف لشرعية الدولة ومؤسساتها العسكرية.
كما يفتح هذا الاستهداف باب القراءة السياسية والعسكرية على مصراعيه لبحث الخلفيات الإقليمية والدولية المحركة لأحداث الميدان، هل تعكس هذه التطورات تقارباً غير معلن بين أجندات قوى إقليمية ممثلة بإيران والإمارات تُسهم في تعطيل حسم المعركة ضد مليشيا الحوثي؟ أم أنها نتاج تحالفات تكتيكية فرضتها خريطة النفوذ على الأرض لإرباك خطط وزارة الدفاع والقوات الحكومية ومنعها من استعادة زمام المبادرة؟
ويناقش هذا التقرير أبعاد حادثة الضالع، ومؤشرات التخادم الميداني بين أطراف الصراع، ومدى انعكاس التفاهمات الإقليمية الضمنية على مسار المواجهة العسكرية في اليمن.
وفي هذا السياق، يرى محللون في حديثهم لمنصة "الهدهد" أن محاولة استهداف رأس المؤسسة العسكرية في قلب الضالع لا يكشف فقط عن هشاشة البيئة الأمنية والمربعات الضيقة للمشاريع الضيقة، بل يضع علامات استفهام جادة حول أهداف الأطراف التي تسعى لإبقاء القوات الحكومية في حالة استنزاف دائم وضغط مزدوج بين نيران المليشيا الحوثية من الأمام وطعنات التشكيلات الفوضوية من الخلف.
والأربعاء أقدم مسلحون يتبعون المجلس الإنتقالي (المنحل)، على مهاجمة موكب وزير الدفاع طاهر العقيلي في مدينة الضالع إثر زيارة قام بها لجبهات شمال المحافظة ولقائه بقيادات عسكرية للاطمئنان على وضع الجبهات.
تخادم حوثي – انتقالي
في قراءة تحليلية لدلالات هذا الاعتداء وطبيعة التخادم الحوثي - الانتقالي، فضلاً عن تحديات معركة الشرعية في ظل تعدد الولاءات، وصف الكاتب والسياسي أحمد الزرقة هذا الاعتداء بأنه "جريمة مدانة تستهدف الدولة وقيادتها العسكرية، ومحاولة فرض سلطة مسلحة تتحكم في حركة وزير الدفاع وممارسة مهامه".
وفي حديث لمنصة "الهدهد" حذر الزرقة من خطورة توقيت هذا الاعتداء، مشيراً إلى أنه يهدف إلى "إرباك جهود توحيد القوات والجبهات، وإشغالها بصراع داخلي تستفيد منه مليشيا الحوثي".
وأكد أن "تجاوز هذه الجريمة بتسوية سياسية سيشجع على تكرارها ويضعف هيبة المؤسسة العسكرية"، مشدداً في الوقت ذاته على أن "المطلوب هو محاسبة المنفذين والمحرضين، وإخضاع التشكيلات المسلحة للدولة، مع ضرورة عدم تحميل الضالع أو أبناء الجنوب مسؤولية الجريمة".
وفي إجابته عن سؤال حول ما إذا كان التخادم الحوثي–الانتقالي يكشف عن تحالف إيراني–إماراتي، أوضح الزرقة أنه يرى "تلاقي مصالح في إضعاف الشرعية وعرقلة استعادة الدولة".
وأوضح أن "توحيد القرار العسكري يهدد مليشيا الحوثي، ويحدّ من نفوذ القوى التي تحتفظ بسلاحها وقرارها خارج المؤسسات"، مضيفاً "هنا يحدث التخادم، حتى دون اتفاق مباشر، فقطاع تعطيل القوة القادرة على مواجهة الحوثيين يمنحهم خدمة فعلية".
وفي السياق الإقليمي، لفت الزرقة إلى أن "الإمارات قد ترى في إرباك الجهود السعودية وسيلة لاستعادة نفوذها ورفع كلفة إبعادها عن الملف اليمني".
معضلة القرار العسكري
وعن قدرة الشرعية على خوض معركة فاصلة مع بقاء القوى المرتبطة بالإمارات، أكد الزرقة أن "الشرعية تستطيع ذلك، لكن فرص الحسم تتراجع ما دام القرار العسكري موزعا بين ولاءات متنافسة".
وأشار إلى أن "الشرعية لا تستطيع انتظار زوال كل مصادر الاضطراب، بل عليها معالجة الانقسام بالتوازي مع مواجهة الحوثيين، عبر توحيد القيادة والتمويل، واستيعاب القوى المستعدة للخضوع للمؤسسات، ومحاسبة من يستخدم السلاح لتعطيلها".
وأكد أن "المعيار الحقيقي هو الالتزام بالدولة، لا مجرد تلقي دعم إماراتي سابقًا"، منبهاً إلى مخاطر مستقبلية، وأن "خطر تكرار السيناريو السوداني ينشأ إذا استمر الإسناد الخارجي لقوة موازية ترفض الاندماج وتفرض إرادتها بالسلاح، بما يوسع الحرب ويستنزف القوات الحكومية".
ووصف هذا الاحتمال بأنه "أمر يجب التحسب له، وليس مخططًا ثبت وجوده"، ليعود ويؤكد أن "الشرعية تستطيع القتال، لكن قدرتها على الحسم وتثبيت مكاسبها تتطلب ضبط القرار والسلاح في المناطق التي تديرها".
ارباك المشهد
وفي الشأن ذاته توقع الباحث في الشؤون العسكرية والأمنية، الدكتور علي الذهب أن جريمة الاعتداء التي تعرض لها وزير الدفاع في محافظة الضالع من قبل عناصر تابعة للمجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً تأتي ضمن عملية التخادم مع مليشيا الحوثي في الوقت الراهن.
وقال الذهب في حديثه لـ "الهدهد" إن الأحداث الأخيرة، وإن لم تثبت وجود "تخادم رسمي ومباشر" فيها بين الأطراف حتى الآن، إلا أنها تخدم مليشيا الحوثي بطريقة غير مباشرة؛ نظراً لما تسببه من زعزعة للأمن والاستقرار في مناطق التماس.
وأشار إلى أن مثل هذه التوترات تفتح ثغرات أمنية يستغلها الحوثيون للتسلل إلى صفوف المجتمع المحلي، واستقطاب أو تجنيد العناصر الناقمة على السلطة الشرعية أو أولئك الذين فقدوا مصالحهم في صراعات سابقة.
وأضاف أن التقارير الإعلامية التي تتحدث عن التخادم بين الحوثي والانتقالي قد تدخل في إطار المناكفات السياسية أو الاستغلال الإعلامي للأوضاع القائمة، مشدداً على ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للخلل الأمني والسياسي لمنع الاستغلال الخارجي.
وتابع "الاعتداء الذي تعرض له وزير الدفاع من قبل عناصر تابعة للمجلس الانتقالي يُعد—من الناحية القانونية—جريمةً مكتملة الأركان، مشدداً على ضرورة تعامل السلطات الحكومية والأمنية في محافظة الضالع مع المنفذين بحزم وصرامة وفقاً للقانون والإجراءات القضائية المتبعة".
وأوضح الذهب أن المحاسبة يجب ألا تقتصر على الأدوات والمنفذين المباشرين فحسب، بل يجب أن تمتد لتشمل من يقفون خلفهم، ويمولونهم، ويسهلون مهامهم، وتقديمهم جميعاً للمحاكمة العادلة؛ بالنظر إلى أن الاستهداف طال شخصية سيادية ورسمية وفي ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد.
واعتبر الباحث العسكري أن هذا الهجوم يمثل "إسناداً للعدو" قبل أن يكون مجرد جريمة جنائية مجردة، محملاً السلطات الأمنية مسؤولية السماح لهذه العناصر بالتحرك والعبث دون ردعٍ حازم.
ومن الزاوية الأخلاقية والسياسية، شدد الذهب على أن البلاد تخوض حرباً مفتوحة، ما يخرج الاعتداء من نطاق الجرائم المجتمعية العادية، ويضعه في إطار الجرائم السياسية ذات الأبعاد الخطيرة، بالنظر إلى ما قد ينطوي عليه من دوافع ونوايا سياسية تقف وراءها أطراف داخلية وخارجية مناوئة للحكومة الشرعية.
وأضاف أن عداء هذه الأطراف للسلطة الرسمية ورموزها لا يختلف، من حيث استهداف مؤسسات الدولة وإضعافها، عن عداء مليشيا الحوثي، محذراً من خطورة توظيف الصراع السياسي والعسكري في استهداف رموز الدولة وقياداتها.