مقبنة.. عقدة الجبهات الغربية لتعز والطريق إلى الساحل
لا تبدو مديرية مقبنة، الواقعة في الريف الغربي لمحافظة تعز، مجرد مساحة جغرافية ضمن خريطة المحافظة؛ فموقعها جعلها واحدة من أكثر المناطق حساسية في المعادلة العسكرية للغرب اليمني.
تقع المديرية في أقصى غرب المحافظة ممتدة على مساحة 1160 كيلومتر مربّع، ثالث أكبر مديريات المحافظة من حيث المساحة وتحدها من الشمال محافظتا الحديدة الساحلية (عبر مديريتي حيس و جبل رأس)، وإب الواقعة ضمن مناطق الحوثيين (عبر مديرية العدين)، ومن الشرق تحدها مديرية شرعب الرونة، ومن الغرب تحدها مديريتا موزع والمخا الواقعتين ضمن سيطرة الحكومة الشرعية؛ أما من الجنوب فتحدها مديريتا المعافر، وموزع، وجزء من مديرية جبل حبشي.
هذه الخصوصية جعلت مقبنة، منذ بدء الحرب وليس فقط في التصعيد العسكري الحالي، جزءًا أساسيًا من معادلة الدفاع عن تعز، وفي الوقت نفسه نقطة يمكن أن تؤثر السيطرة عليها في حركة القوات والإمدادات واتجاه العمليات العسكرية في الريف الغربي.
الطريق إلى الساحل
تكمن إحدى أهم وظائف مقبنة العسكرية في اتصالها بالممر المؤدي من تعز نحو المخا والساحل الغربي، ويكتسب هذا المسار أهمية مضاعفة بالنسبة لتعز التي ظلت لسنوات تحت حصار الحوثيين، قبل أن يؤدي فتح الطريق الغربي عبر مناطق الكدحة إلى خلق منفذ حيوي باتجاه الساحل. لكن هذا الطريق قُطع مؤخراً عقب تقدّم الحوثيين في المنطقة وسط تحركات من القوات الحكومية لاستعادته.
ولهذا فإن أي تغيير في ميزان السيطرة داخل مقبنة لا يبقى محصورًا داخل حدود المديرية، بل يمكن أن ينعكس على أمن طرق الإمداد والحركة بين تعز والساحل.
وتزداد أهمية الأمر بالنظر إلى أن الطرق العسكرية لا تؤدي وظيفة نقل القوات والمعدات فحسب، وإنما تحدد قدرة أي طرف على المناورة وإعادة توزيع قواته، وإيصال المؤن والذخائر، وإسناد الجبهات المتقدمة.
ومن هنا تصبح مقبنة جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بحماية الاتصال بين تعز والمناطق المحررة على الساحل الغربي.
عقدة جغرافية بين ثلاث محافظات
لا تنبع أهمية مقبنة من علاقتها بتعز وحدها؛ فالمديرية تقع ضمن نطاق جغرافي تتقاطع فيه خطوط الحركة القادمة من اتجاهات تعز والحديدة وإب، وهو ما يمنحها قيمة عسكرية تتجاوز بعدها الإداري.
وفي الحروب، تتحوّل المناطق الواقعة عند تقاطع المحافظات والطرق إلى عقد استراتيجية؛ إذ يمكن أن تستخدم كنقاط ارتكاز للتحرك أو كمناطق لقطع خطوط الإمداد والمناورة.
وبالنسبة لمقبنة، فإن السيطرة على مواقعها المرتفعة والطرق التي تمر عبرها تعني امتلاك قدرة أكبر على مراقبة حركة القوات في نطاق واسع من الريف الغربي، كما تتيح التأثير في خطوط الاتصال بين الجبهات المتجاورة.
ولهذا ارتبط اسم المديرية خلال سنوات الحرب بجبهات البرح والكدحة ومناطق أخرى في غرب تعز، حيث لا يمكن النظر إلى كل جبهة باعتبارها ساحة منفصلة عن الأخرى.
المرتفعات.. قيمة عسكرية مضاعفة
تمنح الطبيعة الجبلية لمقبنة أهمية إضافية؛ فالمرتفعات في هذه المنطقة لا تمثل مجرد تضاريس صعبة، وإنما توفر نقاطًا استراتيجية للمراقبة والسيطرة على الحركة في المناطق المحيطة.
وفي العمليات العسكرية، تمنح السيطرة على المرتفعات الطرف المسيطر قدرة أفضل على الرصد، وتوفير الإسناد، والتحكم في مسارات الحركة، وحماية المواقع المتقدمة.
ولهذا فإن المعركة على المواقع الجبلية في مقبنة تتجاوز قيمة الموقع ذاته؛ إذ يمكن أن تتحوّل القمة أو السلسلة الجبلية إلى عنصر مؤثر في حماية مواقع أخرى أو تهديدها.
كما أن امتداد هذه المرتفعات باتجاه مناطق الساحل يجعلها جزءًا من العمق الجغرافي للجبهة الغربية، التي تبدأ من ريف تعز ولا تنتهي عند حدود المديرية.
وتكتسب جبهة مقبنة أهميتها العسكرية من طبيعتها الجبلية ومواقعها المرتفعة، التي تمنح السيطرة على مساحات واسعة من المديرية والمناطق والطرق المحيطة بها. وتبرز بين هذه المواقع مجموعة من الجبال ذات الأهمية الاستراتيجية، أبرزها:
جبال العويد
تكمن أهمية سلسلة جبال العويد في إطلالتها على قرى العبدلة والعشملة وحمير وعزلة المراتبة، وجميعها تقع ضمن نطاق مديرية مقبنة.
جبل النبيع
يقع جبل النبيع في الجهة الغربية من جبهة مقبنة، ويُعد من المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية في المنطقة.
جبل الشيخ سعيد
يقع جبل الشيخ سعيد في الجهة الجنوبية من الجبهة، ويمثل السد الجنوبي لمديرية مقبنة، كما يطل على منطقة البرح ومنطقتي الكويحة.
جبال قهبان
تطل جبال قهبان على منطقة الطوير، المحاذية لمنطقة الكدحة والممتدة باتجاه مديرية الوازعية.
جبل الحصن (قلعة مؤيمرة)
يُعد جبل الحصن، المعروف بقلعة مؤيمرة، من أشهر جبال مديرية مقبنة. ويقع في قرية الأشعوب، ويطل على مناطق الملاحطة والسواغ وركاب والرباط والأوميجر والأخلود.
مقبنة وباب المندب
تكتسب مقبنة أهمية أكبر عند وضعها في سياق جغرافية الساحل الغربي ومضيق باب المندب؛ فالمناطق الغربية من تعز تقع ضمن نطاق جغرافي يقود نحو المخا والساحل، ما يجعل أي تقدم أو تراجع عسكري في هذا المحور مؤثرًا في طبيعة التهديدات الممتدة على طول الساحل.
ومن هنا، فإن ربط مقبنة بهدف الحوثيين المعلن في التصعيد الحالي، والمتمثل في الوصول إلى باب المندب، يحتاج إلى قراءة جغرافية وعسكرية أكثر دقة. فسيطرة الحوثيين على مقبنة لا تعني تلقائيًا السيطرة على باب المندب، إذ تفصل بينهما مسافات ومواقع وجبهات عسكرية تجعل الوصول إلى المضيق مسارًا أكثر تعقيدًا. لكن أهمية المديرية تكمن في كونها جزءًا من العمق الجغرافي للممر الذي يربط تعز بالساحل الغربي، وموقعها ضمن شبكة الجبهات والطرق المؤدية إلى مناطق ذات أهمية بحرية واستراتيجية.
ومع استمرار هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، أصبح الساحل الغربي اليمني أكثر ارتباطًا بحسابات الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما يرفع بدوره من أهمية المناطق البرية التي تتحكم في طرق الوصول إلى الساحل.
ماذا يعني تحرير مقبنة؟
يرى الكاتب والمحلل السياسي زكريا المشولي أن تحرير مديرية مقبنة سيمثل تحولًا ميدانيًا واسعًا في جبهات غرب محافظة تعز، بالنظر إلى موقعها وأهميتها الجغرافية والعسكرية. ويعتبر المشولي أن مقبنة تمثل «المفتاح الجيوعسكري الأهم غرب محافظة تعز»، وأن السيطرة عليها قد تحدث تحولًا ميدانيًا شاملًا في مختلف الجبهات المحيطة.
ويقول المشولي إن تحرير مقبنة «سيعزل خطوط إمداد الحوثيين بين تعز وجبهات جنوب الحديدة»، بما يسهم في تأمين جبهات البرح والكدحة وحمير وجبل هان والمطار القديم.
ويضيف أن تحرير المديرية سيؤدي إلى «إسقاط مواقع العدو ناريًا في السلاسل الجبلية الممتدة إلى شرعب وحرمانه من منصات الصواريخ والمسيرات».
كما يرى أن استعادة مقبنة ستفتح «المنفذ الغربي الحيوي الممتد من المخا وموزعة نحو قلب المدينة»، في إشارة إلى مدينة تعز، إلى جانب إسهامها في إبعاد التهديدات الحوثية عن الشريط الساحلي وممر باب المندب.
ويخلص المشولي إلى أن تحرير مقبنة «يعني انهيار نسق الدفاع الرئيسي للميليشيا، وفتح الطريق نحو عمق محافظتي إب والحديدة».
حماية تعز من جهة الغرب
بالنسبة لتعز، تمثل مقبنة أيضًا جزءًا من منظومة الدفاع عن الريف الغربي، ذلك أن الجبهات الموجودة في هذا الاتجاه لا تعمل بمعزل عن بعضها؛ وأي اختراق في أحدها يمكن أن يفرض ضغوطًا على المواقع المجاورة ويغير طبيعة الانتشار العسكري.
ومن هذه الزاوية، فإن تأمين مقبنة والمناطق المحيطة بها يساهم في حماية خطوط الحركة باتجاه تعز، ويمنح القوات الموجودة في الجبهات الغربية مساحة أكبر للمناورة.
كما أن تثبيت المواقع في مقبنة يحد من إمكانية استخدام المنطقة كنقطة ضغط باتجاه الجبهات الأخرى، خصوصًا مع اتصالها بمناطق البرح والكدحة وحمير وجبل حبشي.
معركة تتجاوز حدود المديرية
لهذا كله، فإن أهمية مقبنة لا تقاس بعدد المواقع العسكرية الموجودة فيها فقط، ولا بمساحتها على الخريطة، وإنما بموقعها داخل شبكة أوسع من الجبهات والطرق والمرتفعات.
فمن يتحكم في مقبنة يمتلك ورقة مؤثرة في معادلة الريف الغربي لتعز، وفي حركة القوات بين المحافظة والساحل، وفي حماية خطوط الإمداد، وفي طبيعة التهديدات التي يمكن أن تنتقل من جبهة إلى أخرى.
ولهذا ستظل مقبنة واحدة من النقاط التي يصعب فصلها عن أي قراءة عسكرية لمستقبل جبهة تعز الغربية. فالمعركة هناك ليست على قرية أو جبل فحسب، وإنما على طريق واتصال جغرافي وعمق دفاعي وممر باتجاه الساحل؛ وهي عناصر تجعل مقبنة عقدة استراتيجية في خريطة الصراع اليمني، وموقعًا يمكن أن يترك أي تغيير في موازين السيطرة عليه أثرًا يتجاوز حدود المديرية نفسها.