السياسة العِرقية: حين يتحول الانتماء إلى أداة لهدم الدولة
ليست كل المشاريع السياسية التي ترفع شعارات الهوية مشاريع عادلة أو وطنية بالضرورة. فهناك فرق جوهري بين الاعتراف بالتنوع بوصفه حقيقة اجتماعية وثقافية، وبين تسييس الهوية وتحويلها إلى أداة للفرز والإقصاء وإعادة تشكيل المجال السياسي على أساس الانتماء الضيق.
من هنا، يصبح الحذر من أي مشروع سياسي يُبنى على العِرق أو يُدار بمنطق السياسة العِرقية أمرًا ضروريًا، لأن هذا النوع من المشاريع لا يؤسس لدولة، بل يفتح الباب لصراعات عميقة، ويهدد فكرة الوطن الجامع من أساسها.
فالسياسة العِرقية لا تنظر إلى الناس بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بل تعيد تعريفهم وفق تصنيفات أولية مغلقة، تجعل من الأصل أو الهوية الفرعية معيارًا للتمثيل والولاء والاستحقاق.
وبهذا المعنى، فهي لا تنتج فضاءً سياسيًا حديثًا، بل تعيد المجتمع إلى ما قبل الدولة، حيث تحكم العصبيات بدلًا من القانون.
والمشكلة هنا لا تقتصر على إقصاء المختلف، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة ترتيب المجتمع وفق تراتبية ضمنية أو معلنة، تحدد من هو “الأحق” بالسلطة أو التمثيل أو احتكار السردية الوطنية. وهنا تبدأ بذور العنصرية السياسية بالتشكل، حتى لو جرى تغليفها بخطاب المظلومية أو استعادة الحقوق.
وقد لا يدرك البعض خطورة هذا المسار في بداياته، لأنه يبدو أحيانًا وسيلة تعبئة سياسية فعالة أو خطابًا قادرًا على الحشد السريع، لكن ما يُبنى على هذا الأساس لا يبقى مؤقتًا، بل يتحول تدريجيًا إلى بنية سياسية وذهنية تعيد إنتاج الانقسام، وتمنح الشرعية للتمييز، وتُضعف فكرة الشراكة الوطنية.
إن أخطر ما في السياسة العِرقية أنها لا تهدد الاستقرار السياسي فحسب، بل تقوّض الأساس الأخلاقي والفلسفي للدولة الحديثة، أي مبدأ المواطنة المتساوية. فعندما يصبح الانتماء الضيق هو معيار القرب من السلطة أو الحق في التمثيل، تفقد الدولة حيادها، ويتحول القانون من أداة للعدالة إلى أداة للغلبة.
وفي المجتمعات الهشة أو الخارجة من النزاعات، تكون هذه النزعة أكثر خطورة، لأنها لا تكتفي بإحياء الشروخ القديمة، بل تمنع أيضًا نشوء عقد اجتماعي جديد قادر على استيعاب الجميع. وبدلًا من بناء مؤسسات وطنية شاملة، ينزلق المجال العام إلى منطق الاصطفاف والريبة والعداء المتبادل.
إن البديل عن هذا المسار ليس إنكار الهويات أو تجاهل التنوع، بل إدارته داخل إطار وطني جامع، يعترف بالتعدد دون أن يحوله إلى أساس للتمييز أو الاحتكار. فالدولة الرشيدة ليست تلك التي تذيب الفوارق قسرًا، ولا تلك التي تؤسسها سياسيًا، بل تلك التي تنظمها ضمن منظومة تقوم على المساواة، والعدالة، وسيادة القانون.
لهذا، فإن أي مشروع سياسي لا يتسع لجميع أبنائه، ولا يؤمن بالمواطنة المتساوية، ولا يعترف بالتنوع بوصفه عنصر قوة، هو مشروع مأزوم في بنيته، وخطير في نتائجه، مهما بدا لبعضهم مغريًا في لحظة اضطراب.
فحين يتحول الانتماء إلى أداة حكم، يتحول الوطن إلى غنيمة. وحين تُستبدل المواطنة بالتصنيف، لا تعود الدولة دولة… بل ساحة مفتوحة لصراع قادم.