تحقيق خاص لـ"الهدهد".. من يعرقل حسم قضية الزُبيدي؟

2026-05-12 20:26 الهدهد- مأرب الورد:
تحقيق خاص لـ"الهدهد".. من يعرقل حسم قضية الزُبيدي؟

رغم خطورة الاتهامات التي وُجهت إليه، وفي مقدمتها الخيانة العظمى، ورغم صدور قرار رسمي بإحالته إلى التحقيق، لا يزال ملف رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزُبيدي عالقاً دون حسم منذ أكثر من أربعة أشهر، دون صدور قرار اتهام أو إغلاق القضية.

في السابع من يناير الماضي، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بإسقاط عضوية الزُبيدي من المجلس وإحالته إلى النائب العام، قبل أن يُشكّل الأخير، القاضي قاهر مصطفى، لجنة خاصة للتحقيق بعد ثمانية أيام. غير أن هذا المسار، الذي بدا في بدايته حاسماً، سرعان ما دخل في حالة جمود غير معلنة، وسط تساؤلات متزايدة حول أسباب التعثر، وما إذا كان الملف يخضع لتعقيدات قانونية أم لتوازنات سياسية أعمق.

في هذا التحقيق، تكشف منصة "الهدهد" مسار عمل اللجنة منذ تشكيلها وحتى اليوم، وما الذي أنجزته فعلياً، والعقبات التي اعترضت طريقها، وكيف تعاملت القيادة السياسية مع نتائجها، إلى جانب قراءة في الموقف السعودي من القضية، استناداً إلى معلومات حصرية ومقابلات مع مسؤولين ومصادر قضائية مطلعة.

قرار الإحالة… بداية القضية

أصدر مجلس القيادة الرئاسي، يوم 7 يناير 2026، قراراً يقضي بإسقاط عضوية اللواء عيدروس قاسم الزبيدي من المجلس، وإحالته إلى النائب العام، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم جسيمة، من بينها الخيانة العظمى.

وجاء القرار استناداً إلى الدستور اليمني، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وقانون الجرائم والعقوبات، إلى جانب القوانين المنظمة لمساءلة ومحاكمة شاغلي الوظائف العليا، وحالة الطوارئ المعلنة في البلاد.

وأوضح القرار أن الإجراءات المتخذة جاءت عقب ثبوت تورط الزُبيدي في ممارسات أضرت بمركز الدولة السياسي والاقتصادي، واعتداءات على السلطات الدستورية، إلى جانب اتهامات بقيادة تمرد عسكري، وارتكاب انتهاكات بحق مدنيين في المحافظات الجنوبية.

كما تضمن القرار اتهامه بعدد من الجرائم، أبرزها:

الخيانة العظمى وفق المادة (125) من قانون الجرائم والعقوبات، الإضرار بمركز الدولة الحربي والسياسي والاقتصادي، تشكيل جماعة مسلحة والتورط في أعمال عنف ضد القوات المسلحة والاعتداء على الدستور ومؤسسات الدولة

مخالفة القوانين والمساس بسيادة البلاد.

وبموجب القرار، تم إحالة الزُبيدي إلى النائب العام، مع تكليف الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للتحقيق في الوقائع المنسوبة إليه وفق القوانين النافذة.

لجنة التحقيق… صلاحيات واسعة وتحقيق مفتوح

استجابةً للقرار الرئاسي، أصدر النائب العام، يوم 15 يناير 2026، القرار رقم (1) لسنة 2026، بتشكيل لجنة خاصة للتحقيق في الوقائع المنسوبة للزُبيدي، برئاسة المحامي العام الأول القاضي فوزي علي سيف سعيد. وضمت اللجنة شخصيات قضائية بارزة، وهم: مدير مكتب النائب العام القاضي الدكتور عيسى قائد سعيد، ورئيس شعبة حقوق الإنسان القاضي علي مبروك السالمي، ورئيس شعبة النيابات الجزائية المتخصصة القاضي جمال شيخ أحمد عمير.

مُنحت هذه اللجنة كافة الصلاحيات القانونية لاستدعاء الأشخاص، وضبطهم، وإحضارهم، وجمع الأدلة، وألزمها القرار بسرعة إنجاز التحقيق ورفع تقارير دورية، على أن تُعرض النتائج النهائية فور اكتمالها مرفقة بالرأي القانوني. وتشمل مهامها التحقيق في الخيانة العظمى بقصد المساس باستقلال الجمهورية، وتشكيل جماعات مسلحة، وتخريب منشآت عسكرية، والاعتداء على الدستور. 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي 17 يناير 2026، أصدر النائب العام القرار رقم (2)، قضت مادته الأولى بتكليف ذات اللجنة بالتحقيق في وقائع الفساد، والإثراء غير المشروع، وكافة الجرائم المنسوبة للمتهم الزبيدي، والتصرف وفقاً للقانون.

ما الذي أنجزته اللجنة… وأين تعثرت؟

رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على تشكيل اللجنة، لم يُعلن عن استكمال التحقيق، ولم يصدر أي قرار اتهام أو حفظ للقضية، ما يشير إلى تعثر واضح في مسارها، وهو تعثر لا يمكن تفسيره فقط بطبيعة الإجراءات، بل بما يحدث عند نقطة التحول من التحقيق إلى القرار.

في هذه النقطة تحداً تتكشف أولى ملامح الأزمة. إذ قال مسؤول قضائي مطّلع لمنصة "الهدهد" إن اللجنة المكلفة بالتحقيق أنجزت معظم مهامها باستثناء تلك المتعلقة بالتحقيق في قضايا الفساد، وأن النائب العام رفع تقرير نتائجها باسم اللجنة نفسها، وليس باسمه، في خطوة اعتُبرت محاولة للتنصل من المسؤولية القانونية. ويضيف المسؤول، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رفض ذلك، وطلب من النائب العام رفع النتائج باسمه الرسمي بصفته الجهة المختصة قانوناً بتحمل تبعات القرار.

وبحسب المسؤول ذاته، فإن الخيارات القانونية المتاحة باتت تنحصر بين إصدار قرار اتهام أو اتخاذ قرار بـ"ألا وجه لإقامة الدعوى"، استناداً إلى كفاية الأدلة وتقدير الجهة المختصة، مشيراً إلى أن القضية – من الناحية الإجرائية – شارفت على الاكتمال.

غير أن هذا المسار، رغم وضوحه قانونياً، لا يجري في فراغ، إذ تكشف معطيات حصلت عليها المنصة عن تداخلات سياسية وإقليمية تؤثر بصورة مباشرة على وتيرته واتجاهاته.

وفي هذا السياق، أفاد مسؤول حكومي لـ"الهدهد" أن النائب العام ورئيس وأعضاء لجنة التحقيق يتواجدون حاليًا في السعودية، مشيراً إلى أن الرياض طلبت منهم عدم العودة إلى عدن حتى استكمال التحقيق في كافة الملفات المرتبطة بالقضية، في خطوة تعكس – بحسب المسؤول – رغبة سعودية في حماية مسار التحقيق من أي ضغوط أو عوائق محتملة داخل المؤسسات القضائية.

ويلفت المسؤول إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه اللجنة يتمثل في وجود نفوذ داخل المنظومة القضائية مرتبط بالمجلس الانتقالي الجنوبي، وهو نفوذ تعزز –وفق إفادات شخصيات قضائية مطلعة – عقب إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى بعد إنشاء مجلس القيادة الرئاسي في أبريل/نيسان 2022.

وبحسب هذه الإفادات، فإن إعادة ترتيب المؤسسة القضائية لم تكن مجرد تغييرات إدارية، بل جاءت ضمن عملية أوسع لإعادة هندسة مراكز النفوذ داخل القضاء، بما يسمح بالتحكم في مسارات بعض الملفات الحساسة، ومنح غطاء قانوني لتوازنات سياسية وميدانية جديدة.

وفي هذا السياق، حصلت منصة "الهدهد" على وثيقة رسمية صادرة عن رئيس مجلس القضاء الأعلى، تتضمن القرار رقم (15) لسنة 2024، بشأن نقل الشعبة الاستئنافية العسكرية إلى العاصمة المؤقتة عدن. وتنص المادة الأولى من القرار على نقل الشعبة الاستئنافية العسكرية إلى عدن، ومنحها اختصاص الفصل في جميع الأحكام الصادرة عن محكمة المنطقة العسكرية الرابعة الابتدائية العسكرية في عدن.

كما حصلت المنصة على نسخة من القرار رقم (46) لسنة 2024، الخاص بنقل اختصاص محاكمة أفراد قوات العمالقة من المحكمة العسكرية التابعة للمنطقة العسكرية الرابعة إلى محكمة عدن، وهو القرار الذي تعتبره أوساط قضائية مخالفاً للدستور والقانون، كونه – بحسب توصيفها – يتجاوز قواعد الاختصاص القضائي والعسكري المحددة قانوناً.

وترى هذه الأوساط أن الخطوة جاءت نتيجة ضغوط مورست على مجلس القضاء الأعلى، باعتبار أن قوات العمالقة تُعد من التشكيلات العسكرية الموالية للإمارات، حتى مطلع يناير/كانون الثاني 2026 على الأقل، مشيرة إلى أن ما جرى يمثل سابقة غير معهودة في تاريخ القضاء اليمني.

وفي سياق آخر، تتحدث دوائر قضائية مطلعة عن انعكاسات هذا النفوذ داخل الجسم القضائي نفسه، مستشهدة بقضية القاضية رواء مجاهد، رئيسة نادي قضاة اليمن، التي عُرفت خلال السنوات الماضية بمواقفها المطالبة بإصلاحات داخل السلطة القضائية، ورفضها للتعيينات الأخيرة في مجلس القضاء الأعلى، إضافة إلى انتقادها ما وصفته بانحياز بعض أعضائه للمجلس الانتقالي.

 

 

 

 

وبحسب روايات متقاطعة حصلت عليها "الهدهد"، فقد أعقب تلك المواقف صدور قرارات بحقها، شملت تعيينها قاضية في محكمة الشيخ عثمان، ثم قراراً آخر برفع الحصانة القضائية عنها وإحالتها إلى المجلس التأديبي، قبل أن يتدخل رئيس مجلس القيادة الرئاسي لإيقاف القرار.

كما تفيد المعلومات بأن مجلس القضاء الأعلى اتخذ لاحقاً قراراً بإيقاف المخصصات المالية الخاصة بنادي قضاة اليمن وتحويلها إلى "نادي قضاة الجنوب" المحسوب على المجلس الانتقالي.

وفي هذا الإطار، حصلت منصة "الهدهد" على وثيقة مصرفية خاصة تتمثل في شيك بنكي صادر عن البنك المركزي اليمني، يكشف جانباً من طبيعة العلاقة المالية بين مجلس القضاء الأعلى و"نادي قضاة الجنوب". وتُظهر الوثيقة شيكاً بنكياً بقيمة ثمانية وأربعين مليون ريال يمني، صُرف كمساهمة مقدمة من مجلس القضاء الأعلى للنادي عن عامي 2021 و2022، فيما يظهر أسفل الشيك تدوين يفيد بتسلّم أصل الشيك من قبل القاضي ناظم باوزير، بصفته أمين عام "نادي قضاة الجنوب".

وفي تفسير مباشر لأسباب تأخر الحسم، تؤكد جهات قضائية مطلعة إن جزءاً من التعثر يرتبط بمحاولة الوصول إلى قرار يمكن تمريره وتنفيذه داخل بنية قضائية ما تزال تخضع لتوازنات سياسية مرتبطة بأبو ظبي. وتشير هذه الجهات إلى أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وبدعم سعودي، فضّل التعامل مع البنية القضائية القائمة كما هي، رغم الجدل المثار حول نفوذ الانتقالي داخلها، تجنبًا لإجراء تغييرات واسعة قد تُفسَّر باعتبارها تدخلاً سياسياً في مسار التحقيق أو محاولة لإعادة تشكيل نتائجه مسبقاً.

وترجح هذه التقديرات أن هذا الخيار، رغم ما يثيره من جدل، جاء بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من شرعية الإجراءات ومنع انهيار التوازنات داخل المؤسسة القضائية، خصوصاً في ظل حساسية القضية وتعقيداتها السياسية والإقليمية.

وفي موازاة هذه التعقيدات السياسية والقضائية، يبرز سؤال آخر يتعلق بالإطار القانوني الذي يتحرك داخله هذا الملف، وحدود ما يمكن أن تفعله النيابة العامة والمحاكم في قضية بهذا الحجم.

القانون في مواجهة السياسة

في محاولة لفهم الإطار القانوني، يقدّم الدكتور جمال الحبيشي، أستاذ القانون الدولي، قراءة تضع حدوداً واضحة لما يمكن وما لا يمكن أن يحدث في هذه المرحلة. إذ يرى أن إصدار قرار اتهام من قبل النائب العام لا يمكن أن يتم بشكل مباشر أو ارتجالي، بل يسبقه بالضرورة تحقيق قانوني متكامل، إذ إن أي قرار اتهام يصدر دون استيفاء إجراءات التحقيق قد يكون عرضة للبطلان. وفي الحالة المطروحة، وبما أن المتهم فار من وجه العدالة، فإن ذلك لا يسقط واجب التحقيق، بل يعززه، حيث يتعين على النيابة العامة، عبر اللجنة المُكلّفة، جمع الأدلة والتحقق من التهم المنسوبة قبل رفعها إلى النائب العام.

وبحسب هذا التصور، فإن نتائج التحقيق، بعد استكمالها، تُرفع إلى النائب العام ليقوم بتكييفها قانونياً، فإذا ثبتت التهم أصدر قرار الاتهام بناءً عليها، أما إذا لم تكن الأدلة كافية، أو إذا تعرّض النائب العام لضغوط سياسية، فقد يصدر قرار بـ"ألا وجه لإقامة الدعوى". كما لا يستبعد الحبيشي، في ظل السياق السياسي القائم، أن تتأثر هذه القرارات بعوامل الانتماء أو الاصطفاف، خاصة مع وجود ميول سياسية لبعض الأطراف داخل المنظومة القضائية، في إشارة إلى نفوذ المحسوبين على الانتقالي.

غير أن البعد القانوني لا ينفصل عن طبيعة الأفعال المنسوبة في هذه القضية؛ ففي جوهرها، يشدد الحبيشي على أن الأفعال المنسوبة إلى عيدروس، ومنها الدعوة للانفصال ورفع علم غير علم الجمهورية، تُعد مخالفات دستورية صريحة، بل وترقى إلى جرائم تمس كيان الدولة ووحدتها. ويؤكد في تصريحات لمنصة الهدهد أن هذه الأفعال، في حال ثبوتها، لا يمكن أن تُنسب إلى شخص يشغل موقعاً رسمياً في السلطة، بل هي أقرب إلى أفعال حركات تمرد أو معارضة خارج إطار الدولة، وهو ما يخلق حالة نادرة تتمثل في اجتماع ممارسة السلطة مع القيام بأفعال تُناقضها في الوقت ذاته.

وفي السياق القضائي الأوسع، يلفت الحبيشي إلى طبيعة الممارسة القضائية في مثل هذه البيئات، مؤكداً أن المحاكم، خاصة في الدول النامية، تميل إلى التركيز على جوهر الجريمة أكثر من الإجراءات الشكلية، مشيراً إلى أن القضاة قد يتجاوزون بعض الاختلالات الإجرائية إذا كانت الجرائم جسيمة وتمسّ أمن الدولة.

ومع ذلك، لا يلغي هذا الاتجاه ضمانات المحاكمة، إذ يشدد على أن حق الدفاع مكفول، وأن بإمكان فريق الدفاع الطعن في الإجراءات أو السعي لتخفيف التهم، إلا أن ذلك لا يلغي مسؤولية المحكمة في النظر في الوقائع الأساسية. ويؤكد أن السؤال الجوهري الذي يحكم مسار العدالة هو: هل ارتُكبت الجرائم أم لا؟ فإذا ثبتت، فإن المحاكمة تمضي بغض النظر عن بعض الاختلالات الإجرائية.

وفيما يتعلق بالإجراءات، يوضح أن أي خلل فيها لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط القضية، بل قد تتجاوزه المحكمة إذا رأت أن الظروف الاستثنائية، مثل حالة الطوارئ، تبرر اعتماد إجراءات بديلة. ويشير إلى أن حالة الطوارئ، حتى وإن لم تُنظم بقانون صريح، تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع، وقد تُستخدم كمسوغ لإصدار قرارات استثنائية، مثل قرار الاتهام محل النقاش.

وفي المحصلة، يرى الحبيشي أن جوهر العدالة يقتضي عدم إهمال الجرائم المرتكبة بسبب قصور في الإجراءات، مؤكداً أن المحكمة قد تعتمد على الأدلة والوقائع وتكييفها القانوني للوصول إلى حكم، حتى في ظل بيئة قانونية وسياسية معقدة، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإجراءات بقدر ما يكمن في إثبات الجريمة ومدى استقلالية القرار القضائي.

اختراق المنظومة القضائية ونفوذ الانتقالي

تكشف تركيبة مجلس القضاء الأعلى عن حضور شخصيات يُنظر إليها باعتبارها قريبة من المجلس الانتقالي أو مدعومة من الإمارات، من بينها رئيس المحكمة العليا علي الأعوش، والنائب العام قاهر مصطفى، والقاضية صباح علوان، التي تُعد من أبرز الوجوه المرتبطة بـ"نادي القضاة الجنوبي".

وترى أوساط قضائية أن مراكز الثقل داخل المجلس تتركز بصورة أساسية لدى هذه الأسماء، وهو ما يمنح هذا المحور قدرة كبيرة على التأثير في اتجاهات القرار القضائي، خصوصاً في الملفات ذات الحساسية السياسية.

هذه التحولات لم تمر دون اعتراض، فقد أثارت انتقادات مبكرة، كان أبرزها ما وجّهه رئيس المحكمة العليا السابق، القاضي حمود الهتار، الذي انتقد قبيل إقالته ما وصفه بمخالفة الدستور وإضعاف استقلال السلطة القضائية، في واحدة من أوضح الإشارات العلنية إلى طبيعة ما يجري داخل المؤسسة.

غير أن تأثير هذه التحولات لم يبقَ محصوراً في المستوى المركزي، بل امتد إلى المحافظات، حيث بدأت ملامح النفوذ تظهر في القرارات اليومية؛ ففي حضرموت، برزت قرارات وُصفت بـ"العقابية" بحق قضاة طالبوا بحقوق مالية، وشملت عزل ونقل رؤساء محاكم، من بينهم رئيس محكمة شرق المكلا عبدالله بلفقيه، ورئيس محكمة غيل باوزير سالم الهدار، ورئيس محكمة ريدة الشرقية رأفت باشامخة.

وفي أواخر عام 2024، كشفت بيانات صادرة عن قضاة في حضرموت عن تعرض عدد منهم لضغوط وتهديدات، تضمنت اتصالات مباشرة، وتحريك أطقم عسكرية ضد وقفات احتجاجية، فضلاً عن إجراءات إدارية مثل إيقاف المرتبات وإلغاء عقود. وتعكس هذه الوقائع – وفق تلك البيانات – مستوى غير مسبوق من التأثير المباشر على عمل القضاء، بما يتجاوز الضغط الإداري إلى ما يشبه فرض معادلات قوة داخل المؤسسة.

وفي هذا السياق، تذهب تقديرات قضائية إلى أن المجلس الانتقالي تمكن، عبر مجلس القضاء الأعلى، من بسط نفوذ واسع داخل المنظومة القضائية في حضرموت، وذلك قبيل مغامرة الانتقالي في المحافظة، وهو ما يعزز فرضية الترابط بين المسار القضائي والتحولات الميدانية، ويضع القرارات القضائية ضمن سياق أوسع من مجرد تطبيق القانون.

ولفهم كيفية تشكّل القرار داخل هذه البيئة، يصبح من الضروري التوقف عند الشخصيات المؤثرة التي تمسك بخيوط هذا النفوذ. في مقدمة هذه الأسماء يبرز النائب العام قاهر مصطفى، الذي تشير معلومات حصلت عليها "الهدهد" إلى امتلاكه شبكة علاقات واسعة، مع ارتباطات عملية مع المجلس الانتقالي والإمارات منذ سنوات توليه رئاسة نيابة الاستئناف في عدن خلال فترة الحرب.

وخلال تلك المرحلة، لم تُسجل – بحسب المعلومات المتاحة – تحركات قضائية تجاه ملفات الاغتيالات التي شهدتها المدينة، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي كان يؤديه القضاء آنذاك.

وقد تولى قاهر مصطفى منصبه كنائب عام في عام 2022، بالتزامن مع تعيين علي الأعوش رئيساً للمحكمة العليا، حيث جرت مراسم الاستلام والتسليم بينهما في 14 أغسطس/آب 2022، بحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي محسن بن طالب، في لحظة تعكس تزامن إعادة ترتيب المواقع العليا داخل السلطة القضائية.

وتضيف معطيات حكومية بُعداً آخر لهذه الصورة، مشيرة إلى أن مصطفى أجرى زيارة غير معلنة إلى الإمارات قبيل أحداث حضرموت، أعقبها – وفق المعلومات التي حصلت عليها الهدهد – حصوله على دعم لوجستي تمثل في مصفحتين عسكريتين و14 طقماً عسكرياً، جرى إدخالها عبر ميناء المخا، وهو ما يعكس تداخلاً يتجاوز الإطار القضائي إلى علاقات دعم ميداني.

أما رئيس المحكمة العليا علي الأعوش، فيُعد شريكاً رئيسياً في إدارة القرار القضائي، حيث سبق أن شغل منصب النائب العام في عام 2011 حتى يناير/كانون الثاني 2021، عندما تم تعيين أحمد الموساي بدلاً عنه، إلا أنه رفض تسليم مهامه حتى أواخر مايو/أيار 2022، قبل أن يُعيَّن مصطفى نائباً عامًا، فتُنجز بعدها عملية الاستلام والتسليم بينهما، في مسار يعكس تداخل الأزمنة الوظيفية مع التحولات السياسية، ويؤشر إلى طبيعة العلاقة المركبة بين المواقع القضائية العليا.

وفي السياق ذاته، تبرز القاضية صباح علوان بوصفها إحدى أكثر الشخصيات تأثيرًا داخل هذه المنظومة، إذ قادت "الكيان النقابي للقضاة في الجنوب"، وأشرفت على موجة إضرابات واسعة بين عامي 2020 و2022 أدت إلى تعطيل عمل المحاكم، بينما تتهمها مصادر قضائية بممارسة ضغوط منظمة داخل المنظومة القضائية، بما يعزز موقعها كفاعل رئيسي في توجيه التوازنات الداخلية.

وتضيف معطيات قضائية أخرى أن قاهر مصطفى، الذي عُيّن في سبتمبر/أيلول 2015 رئيسًا للجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، لعب دوراً رئيسياً في تعطيل مسار التحقيقات المتعلقة بالانتهاكات والجرائم المنسوبة للمجلس الانتقالي داخل إطار عمل اللجنة الوطنية.

وبحسب هذه المعطيات، فقد قام مصطفى، بعد نحو عامين من تعيينه، باستقدام القاضية صباح علوان من النيابة العامة وتعيينها عضواً في اللجنة الوطنية، وهو المنصب الذي ما تزال تشغله حتى اليوم. وتُتهم بأنها كانت من أبرز الأصوات الرافضة للاعتراف بالانتهاكات المنسوبة للمجلس الانتقالي، بما في ذلك نفي وجود سجون سرية، رغم التقارير الحقوقية المحلية والدولية التي وثقت هذه القضية وتناولت تفاصيلها.

كما تفيد المعلومات بأن عدداً من القضاة اليمنيين سافروا إلى دولة الإمارات عام 2015، وكان من بينهم القاضي قاهر مصطفى والقاضية صباح علوان.

وفي ضوء هذه المعطيات، تفيد تقديرات قضائية بأن بنية مجلس القضاء الأعلى لا تزال تميل حتى الآن لصالح التيار المرتبط بالمجلس الانتقالي، خاصة أن القرارات داخله تُتخذ بالأغلبية، في ظل غياب أي تغييرات جوهرية على تركيبته، رغم التحولات السياسية والعسكرية اللاحقة.

وفي إطار إتاحة حق الرد، حاولت منصة "الهدهد" التواصل مع المتحدث باسم المجلس الانتقالي، أنور التميمي، للحصول على تعليق حول جملة من الأسئلة المتعلقة بسير القضية وموقف المجلس منها، إلا أنه لم يرد رغم مرور عدة أيام على التواصل.

كما تواصلت المنصة مع القيادي في الهيئة السياسية للمجلس، شكري باعلي، للغرض ذاته، دون تلقي أي رد حتى لحظة نشر هذا التحقيق.

الخاتمة

وبين مسار قانوني يبدو – من الناحية الإجرائية – شبه مكتمل وبنية قضائية تخضع لتوازنات سياسية وإقليمية معقدة، بقي الملف معلقاً دون حسم حتى الآن.

ونظراً للمعطيات التي حصلت عليها "الهدهد"، لم تتعثر القضية بسبب نقص الأدلة بقدر ما تعثرت عند لحظة اتخاذ القرار، إذ تشير المعلومات إلى أن لجنة التحقيق أنجزت جانباً كبيراً من مهامها، غير أن الانتقال من مرحلة التحقيق إلى مرحلة الحسم لا يزال محكومًا بحسابات تتجاوز الإطار القانوني البحت.

ولذلك، لم يعد السؤال الأبرز: هل توجد أدلة كافية؟ بل: هل توجد إرادة قادرة على تحويل نتائج التحقيق إلى قرار قابل للتنفيذ داخل منظومة قضائية وسياسية شديدة التعقيد؟