مذكرات الفسيل (3): الإمام يحي.. وبداية عهده مع “المُدَفَّعين”.

خلدون عبدالإله

يتحدث الأستاذ المناضل محمد عبدالله الفسيل في الفصل السادس من مذكراته عن دولة الإمام يحيى حميد الدين وعصره الطويل، بداية من طريقة وصوله إلى الحكم، مرورًا بأساليب التزييف والتقديس والترهيب التي اتخذها للوصول إلى السلطة والبقاء فيها لأكثر من أربعين عامًا.

يقول الفسيل: في أول مراحل حياتي لم يكن الإمام يحي في نظري حاكمًا لليمن أتابع أساليبه في الحكم إيجابًا وسلبًا، وإنما كان شيئًا أسطوريًا خرافيًا، أنظر إلى وجهه فيبهرني نور إلهي يجعل بصري يرتد رهبةً وتقديسًا. كنت أعتقد أنه ليس من البشر، بل فوق الملائكة، يذهب إلى مكة في لحظة ويعود في لحظة”، كما كان يروج “مجاذيب” الإمام في أوساط الناس.

لكن خلال مرحلة التثقيف الذاتي في مكتبة الأستاذ الشهيد أحمد حسن الحورش بدأت صورة الإمام يحي تعود إلى صورة إنسان عادي.

 يقول الفسيل: بدأت أراه على حقيقته، فوجهه ليس جميلًا، بل بالعكس”. ثم بدأ البحث عن تاريخ الإمام: كيف بدأ؟ وكيف أصبح إمامًا؟ وكيف تحوّل إلى خرافة إلهية؟ ثم كيف صار طاغية لا يرحم؟

ويقول الفسيل إنه عرف خلال مرحلة التثقيف الذاتي أن العثمانيين دخلوا اليمن مرتين بمساعدة الأئمة الذين ظلوا يتقاتلون على الإمامة، ويقتلون اليمنيين في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

كما عرف أن الأتراك، حين دخلوا اليمن عام 1849م، سيطروا على أغلب المناطق، باستثناء منطقة صعدة التي كان فيها الإمام الهادي شرف الدين.

وكان في صنعاء عالم يُدعى محمد بن يحيى حميد الدين يعيش في ظل الحكم التركي، وقد عيّنه الحاكم التركي قاضيًا شرعيًا في حجة، لكنه كان ينشط سرًا ضد الأتراك، حتى وجد نفسه يومًا في سجن الوالي التركي مصطفى عاصم، قبل أن يُفرج عنه بعد تغيير الوالي.

 

وحين مرض الإمام الهادي شرف الدين أوصى بأن يكون الإمام من بعده محمد حميد الدين، فتولى الإمامة عام 1894م حتى وفاته سنة 1904م، ثم تولى ابنه يحي الإمامة من بعده.

 

ويذكر الفسيل أن الإمام يحي كان مشهورًا بين الناس بالبخل والتعصب والغلظة، وأنه نظم في عهد والده قصيدة عبّر فيها عن تعصبه للهاشميين واحتقاره للعرب واليمنيين، حتى إنه اعتبر أن السادة الهاشميين هم “كل الأنام”، وما عداهم “عدم”. يقول فيها:

 

وهمُ للمجد أعمدةٌ

 

وهمُ في الناس كالعلمِ

وهمُ الأبطال يوم وغى

إن يكن قد فرّ كل كمي

وهمُ كل الأنام، وما

كل بني الأيام كالعدمِ

ثم يعود في مدح آل الزهراء وذم القبائل اليمنية، فيقول:

أكلوا سيب الإمام ولم

يدفعوا عنه أذى العجمِ

ثم ولّوا عنه مدبرةً

ويلها من باعث الأممِ

وإذا ما بلدة دخلت

أخذتها أخذ منتقمِ

كم يتيمٍ ماله أُخذت

وشيوخٍ من ذوي هرمِ

وعجوزٍ من بني حسنٍ

سُلِبت بالقهر والظلمِ

وأهانت كل متصفٍ

بولاءِ الآل ملتزمِ

ويعلق الفسيل على القصيدة بقوله إنه أوردها لأنها تكشف أفكار الإمام يحي ونظرته السلالية، ولغته المتعصبة، متسائلًا: من الذي حارب الأتراك فعلًا؟ هل هم “بنو الزهراء” وحدهم، أم القبائل اليمنية التي خاضت الحروب وقدمت التضحيات؟

ويضيف أن الإمام يحي تولى الإمامة رغم أن كثيرًا ممن كانوا حوله كانوا يبغضونه لبخله ولؤمه، لولا تدخل الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر، الذي حضر ومعه مجموعة مسلحة من قبيلة حاشد إلى الديوان الذي اجتمع فيه العلماء والمشايخ لاختيار إمام جديد بعد وفاة الإمام محمد حميد الدين.

ويقول الفسيل إن الشيخ ناصر دخل عليهم قائلًا:

الإمامة يتولاها الإمام ابن الإمام، وإذا نقص شرط من شروطها أكمله سلاحي”، ثم رفع بندقيته في وجوههم، وخرج مغلقًا باب الديوان حتى تمت البيعة للإمام يحي عام 1904م، الذي تلقب لاحقًا بـ“المتوكل على الله”.

 

 

وبعد توليه الإمامة، اتجه الإمام يحي – بحسب رواية الفسيل – إلى سياسة العنف والإرهاب، ليس ضد الأتراك فقط، بل ضد كل من لم يقف معه. وشكّل ما عُرف بفرق “المُدَفَّعين”، وكانت مهمتهم هدم بيوت الموظفين اليمنيين العاملين مع الأتراك باستخدام البارود على رؤوس ساكنيها من رجال ونساء وأطفال، إضافة إلى اغتيال المشايخ والعلماء والوجهاء المتهمين بمهادنة الأتراك.

 

ويذكر الفسيل أن الإمام يحي، بعد دخوله صنعاء، أمّن عددًا من العلماء والوجهاء، منهم شيخ الإسلام محمد جغمان والقاضي الشيخ مطير، لكنه اعتقلهم لاحقًا وساقهم إلى أحراش العمشية في بلاد سفيان، حيث ذُبحوا ودُفنوا هناك.

 

كما يروي قصة أسرة “بيت أبو دنيا” في حجة، وهم أربعة إخوة كانوا يعملون في التجارة ويتنقلون بين الأسواق الشعبية، فاتهموا بالتجسس للأتراك، وأمر الإمام بقتلهم جميعًا، وهو ما ترك أثرًا سلبيًا واسعًا بين الناس.

 

ويقول الفسيل إن أم أولاد أبو دنيا ظلت تلاحق الإمام أينما ذهب، مطالبة بأولادها الذين قُتلوا ظلمًا. وحاول الإمام إقناعها بقبول الدية، لكنها رفضت قائلة: “أريد أن ترد لي أولادي”.

 

وذات يوم، بينما كان الإمام في “المواجهة”، طلبت الإذن بالدخول عليه، فأذن لها معتقدًا أنها جاءت للمطالبة بالدية. فلما وصلت إليه أماطت لثامها، وحدقت في وجهه، فقال لها:

قد حولنا دية أولادك من الصنو علي زبارة، فاذهبي إليه وخذيها”.

لكنها اقتربت منه وقالت:

أنا أتيت لأتحقق من صورتك، حتى أسوقك يوم القيامة بين يدي الله، وأقول له: هذا الذي قتل أولادي”.

ويقول الفسيل إنه بينما كانت فرق “المُدَفَّعين” ترتكب تلك الأعمال، كان الإمام يحي ووالده من قبله يتقاضيان رواتب شهرية من الأتراك بوصفهما موظفين لدى الدولة العثمانية.

وعندما ذهب أحمد عزت باشا إلى “دعان” لعقد صلح مع الإمام يحي، كان ضمن الوفد الضابط عصمت إينونو، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للجمهورية التركية.

ويقول الفسيل إن الإمام كان متلهفًا لعقد الصلح، لذلك حاول الوفد التركي استمالته بالمال، وأُبلغ بأن السلطان سيخصص له ميزانية شهرية كبيرة إذا وافق على مشروع الصلح الذي قدمه الوفد.

ويضيف أن الوفد التركي اندهش من موافقة الإمام على توقيع الاتفاق، رغم أن الحرب كانت تُخاض باسم مقاومة “الأتراك الكفار”، بينما نص صلح دعان على الاعتراف بسيادة السلطان العثماني على اليمن مقابل بعض الامتيازات الدينية للإمام في المناطق الزيدية.

ويختم الفسيل هذه الرواية بالإشارة إلى ما قاله عصمت إينونو لبعض اليمنيين بعد توقيع الاتفاق:

“إمامكم باعكم ببلاش”.