من وهم "الإمارة" إلى صدمة الدولة.. ارتباك جوقة الساحل!
من عجائب السياسة اليمنية أنها قادرة على تحويل "أشرس المسبحين" بحمد "المسيرة" في حضرة صنعاء، إلى "أرق العازفين" على أوتار الجمهورية في الساحل، ولكن بشرط واحد: أن تتدفق "عطايا الكفيل"، ويُضبط إيقاع الصراخ بما يخدم مصالح الممول لا سيادة الوطن. ما نعيشه اليوم من هستيريا إعلامية لـ "جوقة الساحل" ليس نضالاً وطنياً، بل هو "زحام" في ممر ضيق بعدما اكتشف الجميع أن الباب الذي فتحه "الكفيل الصغير" بمخططات التقسيم، قد انكسر على "صخرة الإجماع الوطني"، الذي أدرك أن مقاسات التقسيم أصغر بكثير من جسد اليمن الواحد.
سماسرة المواقف
المفارقة الصارخة تكمن في تلك الوجوه الإعلامية التي تطل علينا اليوم لتعطينا دروساً في "الجمهورية". إنهم يمارسون الانتهازية بأسلوب "التقية السياسية"؛ حيث تُباع المواقف وتُشترى القناعات وفقاً لـ "بوصلة الممول". ونماذج هذه الهستيريا مضحكة ومبكية؛ فمنهم من أضاع عمره في الأوهام، وحين فشل في نيل منصب "ملحق ثقافي" في عاصمة النور، انقلب فجأة لينتقل بين الحوثيين والساحل وفق اتجاه الريح السياسية. هذا النموذج غريب التحولات؛ فمن تزمتٍ دينيٍّ أجوف إلى بوق لسلطة "صالح" الزائلة، وصولاً إلى الارتماء في حضن الميليشيا الإمامية، والتحريض على زملائه الصحفيين، والدعوة لاتخاذهم دروعاً بشرية، قبل أن يحط رحاله اليوم في الساحل مدعياً النضال!
وليس ببعيد عنه ذلك الذي قبع لسنوات في سراديب صنعاء، صامتاً كصمت القبور أمام جرائم الميليشيا الإمامية، لا يُسمع له صوت ولا يُسجل له موقف، قبل أن يشد الرحال فجأة صوب الساحل منذ أشهر قليلة، لتنفجر مواقفه "النضالية"، ولكن في الاتجاه الخطأ؛ حيث بدأ بغمزٍ ولمزٍ وتشكيكٍ في القوى الوطنية التي كانت السباقة في مواجهة المشروع الإمامي يوم كان هو يلوذ بـ "التقية" في كنف الميليشيا الإمامية.
أما ثالثة الأثافي، فهو ذلك الذي سخر جريدته لتكون "توجيهاً معنوياً" لغزوات الميليشيا الإمامية من صعدة إلى عدن، وما زلنا نتذكر مانشيتات صحيفته الصفراء وهي تروج لانتصارات "الحركة الفتية" وتشوه خصومها، فإذا به اليوم يتربع على عرش قناة ظاهرها "الجمهورية" وباطنها التوريث، في قفزة بهلوانية أنسته سنوات خدمته الطويلة في سرداب "سيد الكهف".
هؤلاء وأمثالهم لا يدافعون عن دولة، بل يهربون من عوراتهم التاريخية كأدوات وظيفية لمشروع إقليمي يطمح لتجزئة اليمن.
فنون التذلل
المتأمل في خطاب "منظري الساحل" هذه الأيام، يرى لوحة سريالية من "التذلل العابر للمشاريع الصغيرة". تجد أقلاماً قضت سنوات في تمجيد "السيادة" الزائفة تحت إشراف الحوثي، تمارس اليوم دور "الناصح الأمين" للجوار، ترتعد خوفاً على استقرار المنطقة من "الشرعية" والقوى الوطنية التي واجهت الانقلاب منذ رصاصته الأولى. هذا "الخوف المصطنع" ليس إلا صرخة استغاثة بعد أن رأوا كيف تبخرت أحلام "الكانتونات" والدويلات الصغيرة في شرق اليمن. فالمملكة، التي تدخلت لضبط الإيقاع وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، لم تعد تشتري بضاعة "الفزاعات" القديمة. لقد أدرك هؤلاء أن مشروع "الشركة الوظيفية" الذي رُسم لتفتيت اليمن، قد ارتطم بصخرة الموقف الحازم الذي يرفض تجزئة الوطن، فما كان منهم إلا "الهروب إلى الأمام" عبر توزيع صكوك الولاء للرياض وتملقها، عسى أن يُغفر لهم تاريخهم في مباركة دخول الميليشيا الإمامية للعاصمة، وسخريتهم من "شرعية الفنادق" وداعمها الأول، قبل أن تجري سنة الله عليهم فيصيرون أيضاً من نزلاء فنادق أبو ظبي ودبي، ثم فنادق الرياض مؤخراً.
أكذوبة الساحل
لماذا الإصرار على تسمية تلك البقعة بـ "الساحل الغربي" وعزلها عن اسم تعز أو الحديدة؟ الإجابة تكمن في "الخياطة السياسية". لقد أُريد لهذا المصطلح أن يكون "غراءً" يجمع أجزاءً مقتطعة من محافظات عريقة، ليُصنع منها "إمارة ساحلية" معزولة، لا تختلف في جوهرها عما فعله الكيان الصهيوني في جنوب لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أنشأ دويلات وظيفية على غرار "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة العميل "لحد". إن محاولة عزل الساحل عن عمقه الوطني هي استنساخ لهذا النموذج الوظيفي؛ حيث الهدف هو إنشاء "إمارة وظيفية" تخدم أطماع القوى التي تسعى للسيطرة على الموانئ والجزر، وتكون منصة بديلة لعائلة سياسية فقدت سلطتها وتبحث عن "إقطاعية" مستقلة بمعزل عن سيادة الدولة. هذا المخطط لم يكن "تحريراً" حقيقياً، بل كان محاولة لخلق حزام أمني يخدم أدوات التقسيم للسيطرة على "باب المندب" وتفتيت قلب اليمن النابض.
جرد الأوهام
بينما كان إعلام الساحل يضخ ليل نهار صوراً "هوليودية" لجيشٍ لا يُشق له غبار، جاءت البعثات العسكرية من الجوار لتضع "المرآة" أمام الوجوه المذعورة. كانت الصدمة قاسية؛ فالمسألة لم تعد "استعراضات" أمام الكاميرات، بل تحولت إلى "دفاتر جرد" كشفت المستور من "الأسماء الوهمية" والجنود الذين لا وجود لهم إلا في مخيلة الممولين. تلك اللحظة التي أُخضعت فيها هذه التشكيلات لغرفة العمليات المشتركة تحت مظلة الشرعية، كانت بمثابة "شهادة وفاة" رسمية لمشروع "الجيش العائلي" الذي كان يُدار بعقلية الميليشيا المستقلة بقرارها وتمويلها. من هنا انطلقت "صرخة الهستيريا" الإعلامية؛ إذ ليس من السهل على من توهم يوماً أنه "حاكم المخا بأمره" أن يجد نفسه اليوم مجرد "موظف" ملزم بتقديم تعداد دقيق لقواته وإخضاع حركته لأوامر الدولة وهيبة القانون. هذا "التحجيم" العسكري هو المحرك الحقيقي لضجيجهم الحالي؛ فكلما ضاقت عليهم "كشوفات الجرد" والرقابة السيادية، اتجهوا لفتح معارك "دخان" وهمية ضد القوى الوطنية الصامدة، محاولين التغطية على حقيقة أن "الاستثمار في الفوضى" قد أعلن إفلاسه.
الدرس الحضرمي
ما حدث في حضرموت مؤخراً هو المرآة التي عكست حجم هذه القوى الحقيقي؛ فقد تجلت الحقيقة العارية بأن الميليشيات التي تُبنى على أساس المال الخارجي الرافض لوحدة اليمن، والرافض لهدف استعادة الدولة والشرعية، وتحصر الوطن في الولاءات الشخصية لقائد أو أسرة أو منطقة أو قبيلة... هذه المشاريع وميليشياتها ليست أكثر من "فرق كرة قدم في حارات"؛ تجيد "الاستعراض" بالبدلات المموهة والصور "السيلفي" بجانب المدافع، لكنها عند أول استحقاق وطني حقيقي تكتشف أنها بلا "قضية" وبلا "أرض". الوعي الشعبي والتحرك لقطع الطريق على مشاريع التفتيت في الجنوب والشرق، أصاب أدوات "أبو ظبي" في الغرب بالذعر؛ لأنهم يدركون أن الدور قادم عليهم لا محالة.
ختامًا.. نصيحة لجوقة الساحل:
إن الجمهورية ليست شعاراً يُباع في مزاد "الذباب الإلكتروني" أو "شرعية البندقية الممولة"، كما أنها ليست مجرد ستار لاستدامة الهيمنة العائلية، سواء استندت في ذلك إلى أوهام "الحق الإلهي" في الإمامة أو ادعت زوراً وصاية "جمهورية" زائفة. الجمهورية هي سيادة المؤسسات، ووحدة التراب التي لا تقبل المساومة، وكرامة الشعب التي لا تخضع لسطوة الفرد؛ هي، باختصار، أن تكون الدولة هي المبتدأ والمنتهى في القرار، لا أن يُرتهن مصير الوطن لأهواء الممول أو مطامع العائلة.