السعودية تُمسك بخيوط اللعبة.. ماذا ينتظر تشكيلات الانتقالي المنحل وقوات طارق صالح؟
في حين ينشط عضو مجلس القيادة الرئاسي المعين حديثاً "سالم الخنبشي"، في لملمة المؤسسة العسكرية والأمنية في محافظة حضرموت وهو المحافظ لها كذلك، إضافة إلى كشف وفضح ما تسببت به دولة الإمارات في المحافظة من جرائم للرأي العام المحلي والدولي، ظهر أمس الأحد 25 يناير/ كانون الثاني 2026، محمود الصبيحي المعين في المجلس نفسه وفي ذات التوقيت مناقشاً مع السفير الأمريكي لدى اليمن، جهود توحيد ودمج القوات العسكرية والأمنية وتحسين الخدمات العامة.
والصبيحي، والذي يحمل رتبة فريق ركن، وأحد أبرز القيادات العسكرية اليمنية، ينتمي إلى منطقة الصبيحة في محافظة لحج، التي تسيطر على شريط ساحلي يمتد من تخوم عدن حتى باب المندب غرباً، مما يجعل الفريق الصبيحي مهيئاً للعب دور أمني وعسكري جنوبي اليمن، في ظل المسار السياسي لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية ومعهم المملكة العربية السعودية، والذي يهدف إلى تقويض "تركة الإمارات" وليس توزيعها وهي التركة وإن بدت ثقيلة إلا إن استراتيجية تفكيكها تبدو أنها تتم بحذر شديد بالنظر إلى جملة تعقيدات حاصلة.
ويأتي ذلك، في ظرف تقف فيه الدولة اليمنية عند مفترق طرق تاريخي، تتقاطع فيه تحديات مواجهة الحوثيين وإنهاء هيمنتهم، وترتيب الوضع السياسي والأمني والعسكري في العاصمة المؤقتة عدن، وبقية المحافظات المحررة، ولن يكون ذلك إلا بعد التخلص من تركة الإمارات الثقيلة، خاصة في الجانب الأمن والعسكري، في حين أن المشهد بالغ التعقيد، وإن بدت فيه المملكة العربية السعودية أكثر حرصاً على ترتيب وضع البيت اليمني المتصدع والمتآكل، والذي سمحت طيلة عشر سنوات للإمارات أن تتسبب بكل ذلك.
وما يقوم به مجلس القيادة منذ مطلع يناير الجاري، يقرأ من خلال هذه الزاوية، وكذلك السعودية التي استجابت بالتوازي لعقد حوار جنوبي - جنوبي في الرياض بدأت في التهيئة له، مع إدراك أن ذلك لن يحصل مع عدم وجود ضمانات إضافة إلى ترتيب الوضع الداخلي سواء في صرف مرتبات التشكيلات العسكرية التي كانت مدعومة من الإمارات، أو الوضع الأمني تفادياً إلى أي ردة فعل إماراتية وتحريك لورقة الإرهاب عبر أذرعها وصولاً إلى الجانب الخدمي والاقتصادية في مدن مهمة وأولها عدن.
وبالنظر إلى تصدير شخصيات جديدة إلى الواجهة وتحجيم المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل) الذي عليه أولاً المشاركة في الحوار المنتظر كأشخاص لا كيانات، أن القادم سيدفع بشخصيات أخرى في ظل السعي إلى إيجاد توازن في الداخل اليمني، وهو التوازن الذي سيكون حتى على مستوى المدينة الواحدة، وما يشير إلى ذلك استدعاء المملكة جميع مديري الشرط في العاصمة المؤقتة وكذلك قيادات أمنية وعسكرية رفيعة إلى الرياض.
أين يكمن التعقيد؟
إن ما يجعل من المشهد أكثر تعقيداً بالنسبة للدولة اليمنية وللسعودية معاً، هو التحرك الإماراتي الذي يتجه وفق مسارين الأول خارجي، حيث تعمل على نقل صورة مغايرة للغرب خاصة للدول المعنية بالملف اليمني، مصورة خطأ إخراجها من اليمن، مع التلويح بورقة الإرهاب وهذا ما ذكره رئيس مجلس القيادة الرئاسي في لقاء جمعة بعدد من السفراء مؤخراً، أشار فيه إلى ما تثيره الإمارات من مخاوف، أما المسار الثاني وهو داخلي أي في الأراضي اليمنية، فهي تحاول أي الإمارات في توظيف أدواتها في الداخل اليمني لتنفيذ مخططات قد تعرقل أي جهود تصلح من أجهزة الدولة لكي تستقيم الأوضاع في عدن والمحافظات المجاورة لها.
وبالعودة إلى بدء التواجد الإماراتي في اليمن العام 2015، ركزت أبوظبي في بدء دعمها وتشكيلها لقوات عسكرية وأمنية في اليمن، بأن تكون بمعزل عن الجيش الوطني وخارجة عن وزارتي الدفاع والداخلية وذلك بعد تحرير مدينة عدن من الحوثيين في بداية الربع الثالث من العام 2015، في استهداف وسعي مبكر إلى تقويض الدولة اليمنية.
فقد حرصت الإمارات على استثمار كل ما يخدم أجندتها في السواحل اليمنية، لذلك أوجدت عدداً من التشكيلات العسكرية والأمنية شبه المستقلة من بعضها ثم سعت إلى أن تكون منضوية في إطار المجلس الانتقالي الجنوبي، بما فيها قوات العمالقة التي كانت في البداية خالية من مصطلح "الجنوبية" حتى فترة متأخرة، إضافة إلى التقارب مع قوات المقاومة الوطنية التي يقودها طارق صالح والذي كان تشكيلها متأخراً، لضمان استمرار هيمنة الإمارات على الساحل الغربي من اليمن، لذلك كانت استراتيجية أبوظبي هي جعل هذه القوات مزيجاً من القوى التي لها عداء مع السعودية والوحدة اليمنية وكذلك حزب الإصلاح، ومعهم السلفيون الذين وفرت لهم إمكانات تسليح هائلة جعلتهم الأقوى حتى داخل المجلس الانتقالي نفسه.
الرياض تمسك بخيوط اللعبة
ومع الأحداث الأخيرة والتي أفضت إلى خروج الإمارات بقرار رسمي من البلاد، بدت تلك التشكيلات دون أي غطاء مالي أو دعم رسمي أو حتى من السعودية، بعد أن استأثرت وحولتها إلى قوات وظيفية تقوم بمهام أبو ظبي، لا تتبع الدولة اليمني وهو ما يجعل تفكيكيها صعباً كما هو سهلة في الوقت ذاته، إذا ما استمرت استراتيجية عملية "إخلاء المعسكرات"، كما حدث في محافظتي حضرموت وشبوة.
إلا إنه في المقابل، اتخذت السعودية استراتيجية أخرى أقرب منه للترويض والاحتواء، من التصادم، مستعيدة روح سياستها القائمة على الصبر والنفس الطويل وفق مراقبين، وهي ما ظهرت طيلة الأيام الماضية، إذ سعت إلى ملء الفراغات الناتجة عن الضربة الحاسمة للإمارات وذراعها الأكبر جنوبي اليمن، المتمثل بالمجلس الانتقالي، مع السير مع القوات التي ظلت في عدن وضمان صرف رواتبها واستدعاء قادتها كذلك إلى الرياض، ما عدا مقربين من عيدرس الزبيدي، الذي يبدو أن التعامل معهم سيكون بشكل آخر، ستكشفه الأيام القادمة.
ومع النجاح النسبي أولاً في حضرموت، أفشلت السعودية ومعها الحكومة اليمنية والسلطة المحلية، مخطط الإمارات بما يخص الإرهاب، بدت فيه السعودية ممسكة تماما خيوط اللعبة، فقد نجحت القوات الأمنية والعسكرية ومنها قوات درع الوطن في منع هروب أي عناصر خطرة من سجن المكلا المركزي على سبيل المثال، كما أن هذا النجاح انسحب إلى مدينة عدن، والذي تعاملت معه الرياض بشكل آخر، ووضعت القيادات الأمنية فيها فسحة من الوقت لتأكيد ولاءهم لأمن المدينة أم أنهم يسسمحون للانفلات الأمني وسيرعونه نكاية بها وتنفيذاً لمخططات الإمارات.
ولما تمثله عدن، ولسهولة إنشاء جهاز أمني قوي فيها لما تتسرع السعودي إلى دعم هذه المسار، بل ما زالت ترتب للوضع في سعي منها لاحتواء ما تستطيع عليه من الإرث الأمني رغم سجله الأسود طيلة السنوات الماضية كما أنه متعدد الأقطاب ومتداخل التخصصات زاد منه إفراغ المؤسسات الرسمية من عملها طيلة تلك الفترة، وهو ما أكده محاولة اغتيال أحد قيادات قوات العمالقة مؤخراً وهو ما دفع هذه القوات إلى الدفع بلواء إضافي إلى مدينة عدن بعد أن كانت تستعد للخروج منها بناء على خطة أقرها التحالف تهدف إلى إخراج جميع المعسكرات من المدينة المعلنة عاصمة مؤقتة لليمن.
العمالقة.. ملء فراغات الانتقالي
في مطلع يناير/ كانون الجاري، ومع التدخل السعودي الذي كان مفاجئاً وحاسماً في حضرموت، والذي أدى إلى إخراج الإمارات من اليمن، وما نتج عنه من فراغ، خصوصا في عدن، فكان أمام السعودية ورئيس مجلس القيادة ومن معه من أعضاء في المجلس عقب الانقسام الذي حدث أمام خيارين إما مواصلة الحل الحاسم ومواصلة الجهود العسكرية، وإما استمالة من كانوا في صف الإمارات والمجلس الانتقالي ورئيسه عيدروس الزبيدي، فكان أول الواصلين إلى الرياض عضو الرئاسي عبدالرحمن المحرمي الذي يعد القائد الفعلي لقوات العمالقة الجنوبية، ومنذ أول ظهور له، اتضح الدور المرسوم له سياسياً وذلك لإحداث توازن ما، وامتصاص صدمة إخراج عيدروس الزبيدي من المشهد برمته، إضافة إلى دور قوات العمالقة التي لها تموضع في عديد جبهات قتالية وكذلك مهام أمنية، فكان أن أسند لها التحالف مهمة الحفاظ على الأمن في عدن واستلام معسكرات تمهيداً لتسليمها لدرع الوطن.
ونظراً لانخراط المحرمي السريع مع التوجهات السعودية سيكون للعمالقة دور في الترتيب القادم لعدن كما أنها قد تسند لها مهمة سد أي ثغرات في جبهات القتال في لحج والضالع، وبناء على ذلك قد يسحب البساط من تحت يد المحرمي بما يخص قيادته للعمالقة وذلك من خلال دمجها في وزارة الدفاع، وإذا لم تكن هناك هيكلة ضمن الوزارة ستظل الموازين مختلة وقابلة للتشظي في مراحل قادمة.
تشكيلات الانتقالي.. اصطدام مؤجل
مع أن هذه القوات تلقت ضربة عسكرية مؤلمة كانت لها ارتدادها سياسياً وعلى عقيدة هذه القوات، والتي كان يطلق عليها القوات المسلحة الجنوبية بكل تفرعاتها، ومنها الأمنية وخاصة ما يعرف بالحزام الأمني الذي شكل عقبة أمام استقرار الأوضاع في عدن، إلا إنه نظراً لارتكاب بعض هذه التشكيلات جرائم وأعمال إرهابية سيتم حظر التعامل معها إما على المستوى الإقليمي أو الدولي خاصة إذا استمرت هذه التشكيلات في تبني المخططات الإماراتية وعدم الانخراط ضمن أي توجهات حكومية وللتحالف بهدف استقرار الأوضاع وعودة الحكومة إلى عدن.
بموازة ذلك ستسعى السعودية في البدء إلى كسب قيادات هذه القوات مع ضمان استمرار مستحقاتها، وسينجح أمر تطويعها إذا ما نجح الحوار الجنوبي الجنوبي المزمع إقامته في الرياض، إلا إن التخلص من العقيدة القتالية لهذه القوات ليس سهلاً نتيجة التعبئة والشحن الذي ظل طيلة الفترة الماضية كما أنها عقيدة تستند إلى ماض طويل من العمل خارج إطار الدولة وفي تبني المشروع التصادمي وهو نفسه الذي دفع عيدروس الزبيدي إلى أن يرفض الذهاب إلى الرياض والهروب إلى الإمارات.
لذلك وبحسب محللين سياسيين أن الاصطدام المسلح مع تشكيلات الانتقالي المنحل، مسألة وقت، وأن المعركة معها مؤجلة، وأن مساعي السعودية لتفادي التصادم معها قد لا ينجح، خاصة إذا استمرت الإمارات في دعم القيادات المتشددة التي كانت في المجلس وهذا وارد بالاستناد إلى كمية التحريض الحاصل في داخل هذه التشكيلات وكذلك الإعلام الممول من أبوظبي الذي يعمل في هذا الاتجاه.
المقاومة الوطنية.. تحجيم وتقييد
بعيداً عن دعمها الإماراتي، إلا إن الموقف الأخير لها والذي انحاز لما أقدمت عليه الإمارات والمجلس الانتقالي ولم تحسب أي حساب للحكومة الشرعية ورمزية الدولة في ظل الحرص السعودي ومعه المجتمع الدولي على دعم الشرعية اليمنية، سيكون هناك تحجيم لهذه القوات وعلى مراحل، وسيتركز على إنهاء أي دور لها بحري أولاً وإعطاء الأولوية لأي دعم لقوات خفر السواحل، الأمر الآخر ضرورة تسليم هذه القوات للمواقع الحيوية في الجزر ومنها ميون وحنيش وزقر.
ونظراً لما حصل جنوباً سيعمل رئيس مجلس القيادة أكثر احترازاً لكي لا يتكرر شمالاً أو غرباً لذلك لن تكون هناك أي عودة قريبة لطارق صالح إلى الساحل الغريب، كما أنه لن يستطيع تقديم أي ضمانات لكي يكون موقعه أكثر قوة في القادم، وذلك لتورطه وتورط شقيقه بعدد من الملفات الأمنية مع الإمارات.