هدى الصراري: ما حدث في عدن جرائم حرب وعلى الإمارات تحمّل مسؤولية مصير المخفيين

2026-02-05 17:14 الهدهد- نبيل صلاح:
هدى الصراري رئيسة منظمة دفاع للحريات
هدى الصراري رئيسة منظمة دفاع للحريات

في أعقاب إخراج دولة الإمارات من اليمن، يعود إلى الواجهة سجلٌّ مُثخن من الانتهاكات والجرائم، خلّف وراءه معاناة واسعة لضحايا انحراف نهجها عن مسار تحالف دعم الشرعية، وما رافق ذلك من ممارسات أمنية خارج إطار الدولة والقانون. ومع التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها المناطق المحررة عقب هذا التحول، عاد ملف السجون السرية والاغتيالات والاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري إلى واجهة النقاش العام، لا سيما بعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي قرارات تقضي بحصر وإغلاق كافة السجون والمعتقلات غير الشرعية.

 

هذا الملف، الذي ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، ارتبط بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ووثّقته تقارير محلية ودولية صنّفت بعض ممارساته ضمن جرائم حرب، بما في ذلك التعذيب المفضي إلى الموت، والقتل خارج نطاق القانون، والإخفاء القسري.

 

لمناقشة أبعاد هذه القرارات، وحجم الانتهاكات، وعدد السجون والمخفيين قسرًا، وآفاق محاسبة المسؤولين ومنع الإفلات من العقاب، أجرت "منصة الهدهد" هذا الحوار مع المحامية والناشطة الحقوقية هدى الصراري، التي واكبت هذا الملف لسنوات، ووثّقت العديد من الانتهاكات، وتواصلت بشكل مباشر مع أسر الضحايا والمخفيين قسراً.

 

إلى نص الحوار: 

الأستاذة هدى الصراري، المحامية والناشطة الحقوقية، أهلاً وسهلاً بكِ في منصة الهدهد.

لو بدأنا من موضوع ما أعلن عنه رئيس مجلس القيادة الرئاسي من قرار بحصر وإغلاق كافة السجون والمعتقلات السرية وغير الشرعية، كيف تقرئين هذا القرار؟ ونتوقف عند موضوع هذه السجون السرية، عددها، تفاصيلها، وكيف سيتم تطبيق هذا القرار؟

بدايةً شاكرة لمنصة الهدهد على الاستضافة، وشاكرة لك أيضًا على تخصيص هذا اللقاء.

بالنسبة لانتهاكات حقوق الإنسان في المناطق المحررة، والتي كانت تُمارس منذ 2015 وحتى إلى فترة قريبة، فهي كانت منذ تحرير عدن من ميليشيا الحوثي. نعرف أنه بعد تحرير العاصمة عدن تم تولي ملف الأمن من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة في ذلك الوقت، وقامت بتشكيل عدد من الأحزمة الأمنية أو التشكيلات الأمنية الخارجة عن إطار الدولة.

 

في تلك الفترة كانت أغلب مؤسسات الدولة معطلة، أيضًا السلطة القضائية بشكل خاص كانت لا تعمل. كانت مدينة عدن من فترة قريبة خارجة من الحرب، وبالتالي كانت الأمور كلها في عدن معطلة، وأيضًا غياب الحكومة أدى إلى تعطيل هذه المؤسسات، والتي كان مهمًا جدًا تواجدها في تلك الفترة.

 

تصاعدت وتيرة الانتهاكات مثل الاعتقالات التعسفية بداية من نهاية 2015، وزادت وتيرتها إلى 2019–2020، ثم خُفضت نتيجة تسليط الضوء على مثل هذه الانتهاكات، وتناولتها الكثير من التقارير الدولية والمحلية، وخاصة تقارير لجنة العقوبات لمجلس الأمن، حينما سلطت الضوء على مثل هذه الانتهاكات الجسيمة، والتي هي في القانون الدولي الإنساني من جرائم الحرب، خاصة جرائم التعذيب الذي يفضي إلى الموت، وأيضًا الاغتيالات والقتل خارج نطاق القانون وسلطة الدولة، والتي كانت تحدث في مدينة عدن، والتي كانت في أوجها منذ 2016 و2017 و2018.

 

وبالتالي الأحداث التي حدثت مؤخرًا، وقرار مجلس الرئاسة بإزاحة دولة الإمارات من دورها في التحالف العربي، ساهم أيضًا في تحلحل مثل هذه الملفات وكشفها بشكل كبير. كذلك أيضًا حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي كان يمسك بزمام هذه التشكيلات الأمنية ويرفض رفضًا تامًا دمجها مع مؤسسات الدولة، خاصة بعد اتفاقية الرياض، وكذلك بعد المشاورات اليمنية–اليمنية، وكان بالرغم أيضًا بعد دخوله في الحكومة اليمنية بعد المشاورات يرفض رفضًا تامًا دمج هذه القوات.

 

بالطبع قرار الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس الرئاسة، كان بمثابة ضوء أمل لأهالي الضحايا، وأيضًا حقيقةً ساهم في حلحلة مثل هذه الأمور، لكنه يُعد كخطوة بدائية، لأننا أكثر من عشر سنوات تُمارس هذه الانتهاكات.

المجلس الانتقالي كان يحكم القبضة الأمنية على مدينة عدن والمناطق المحررة في جنوب اليمن، والدولة لم تبسط سيادتها وهيبتها على المناطق المحررة حتى الآن، ولم تعد بشكل كامل حتى الآن.

 

نحن نتفهم الظروف الأمنية التي تمر بها الحكومة، ولازم من تثبيت الأمن، ولازم أيضًا أن تكون هناك بعض الإجراءات الأمنية التي يجب أن تجري، بحيث تعود أجهزة إنفاذ القانون، وخاصة السلطة القضائية من النيابة والقضاء، إلى ممارسة مهامها، وهناك ضمانات لتنفيذ قراراتها وضمانات أيضًا لعملها في المناطق المحررة.

 

نحن نعلم أن السلطة القضائية كانت لا تستطيع أن تمارس هذه المهام في ظل سيطرة الانتقالي. أغلب القرارات القضائية التي كانت تصدر بحق المجني عليهم والضحايا، من إفراجات أو إفراج لعدم كفاية الأدلة أو لعدم وجود تهمة واضحة، لم تكن تُنفذ. أحيانًا يتم تعطيل جلسات المحاكم.

ماذا عن السجون السرية؟

كثرة التشكيلات الأمنية ساهمت في انتشار شبكة سجون سرية داخل المحافظات المحررة. في محافظة عدن يوجد الكثير من السجون، تقريبًا أكثر من 20 سجنًا، تابع لكل تشكيل.

نحن اليوم لما نقول حصر السجون السرية، كل قائد أمني في الحزام الأمني يمتلك سجنًا خارج إطار الدولة. اللجنة الأمنية للمجلس الانتقالي تملك أيضًا سجنًا، هناك أيضًا سجن في جبل حديد وهو معسكر، وهناك سجن في الصولبان، وهناك سجن في معسكر بدر، وهناك سجن في الإنشاءات، وهناك سجن في البريقة.

 

فالكثير من شبكة السجون، وهناك أيضًا السجن الذي ذاع صيته، سيء الصيت، وهو قاعة الوضاح، الذي تديره قوات مكافحة الإرهاب. هذا السجن وثقنا فيه العديد من حالات التعذيب، والعديد من حالات القتل خارج إطار القانون، والتي خرجت بها شهادات وإفادات من ضحايا كانوا معتقلين في هذا السجن.

 

كيف يمكن تطبيق قرار الرئيس العليمي بحصر وإغلاق كافة السجون والمعتقلات السرية وغير الشرعية؟

هو مثل ما قلت لك، بمثابة خطوة مبدئية لحلحلة مثل هذا الملف الشائك الذي نعاني منه كمدافعين عن حقوق الإنسان، كمحامين، كمنظمات مجتمع مدني، وأهالي الضحايا أيضًا.

العديد من البيانات، العديد من الوقفات، العديد من المخاطبات، طرقنا أبواب المسؤولين لمعرفة مصير أحبائهم، مصير أولادهم. البعض منهم منذ 2015، ومن 2016، مخفي قسرًا لا يُعلم مصيره.

في مدينة عدن وحدها أكثر من 57 مخفيًا قسرًا منذ 2015 حتى يومنا هذا. أغلب الأمهات لهذه الحالات قد توفين، والعديد منهن يعانين من أمراض مزمنة، نتيجة عناء البحث والإرهاق والتعب والكبد والحزن.

أعرف العديد من الأمهات تتواصل معنا، البعض منهن قد توفى، والبعض الآخر أسرهم ما زالوا يتواصلون معنا لمعرفة ما هي الإجراءات التي يمكن اتخاذها.

أسر الضحايا متعاونون جدًا، وهم فقط منتظرون إجراءات، منتظرون وجود الدولة، وجود تواجد حقيقي لفتح هذا الملف، فتح التحقيقات، كشف منتهكي حقوق الإنسان الذين مارسوا هذه الانتهاكات، وهم كُثر وما زالوا موجودين.

البعض منهم صحيح أنهم غادروا خارج المناطق المحررة إلى الإمارات وخارج اليمن، لكن بالإمكان أن تفتح الحكومة الشرعية هذه الملفات، وأن توجه أهالي الضحايا إلى المحاكم لرفع دعاوى قضائية، ورفع أيضًا دعاوى مدنية بالتعويض وجبر الضرر عما أصابهم من ضرر خلال كل هذه السنوات.

أيضًا مطالبة دولة الإمارات والمجلس الانتقالي المنحل بالكشف عن مصير المخفيين قسرًا، والاعتراف بالجرائم التي تُعتبر جرائم حرب، خاصة جرائم الاغتيالات أو القتل خارج إطار القانون، التي مارستها وقامت بتصويرها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وبالتالي أيضًا العديد من المكونات السياسية، وأفراد من الجيش، فقط لكونهم معارضين لسياسة الإمارات وسياسة المجلس الانتقالي في عدن، كانوا بمثابة أهداف ممنهجة لمثل هذه الانتهاكات، وتم اعتقالهم أو إخفاؤهم أو اغتيالهم بكل بساطة. الملف هذا معروف، لكن للأسف عدم تواجد الدولة هو الذي أخّر فتح هذا الملف والتحقيق فيه بشكل مستقل وبشكل نزيه.

 

في خلاصة سريعة نريد إحصائيات؟ كم عدد المخفيين قسراً وحالات الاغتيالات؟

طبعاً، الإحصائيات الواردة في التقارير متفاوتة، لأن العمل الحقوقي داخل اليمن عمل مشتت، رغم أنه مثمر وساهم في فضح هذه الانتهاكات. رغم وجود آلية وطنية لرصد الانتهاكات، إلا أن الأرقام تختلف، خاصة في ملف الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري.

 

في الفترة من 2016 إلى 2018، كانت قاعدة البيانات ترصد مئات الحالات. كنا ننزل إلى أحياء في مديريات المنصورة وكريتر والتواهي، حيث تُغلق أحياء سكنية بمدرعات ويتم اعتقال شباب، سواء كانوا من المقاومة الشعبية أو أصحاب توجهات سياسية أو حتى مدنيين عاديين.

 

كان عدد المعتقلين في الحي الواحد يتجاوز 20 أو 30 شخصاً. تلقينا بلاغات كثيرة، حتى في منتصف الليل، عن اختطاف أشخاص، وكنا نوثق حالات تتراوح بين 800 إلى 1000 معتقل تعسفي.

 

لاحقاً، ومع الإفراج عن البعض وإعادة اعتقال آخرين، أصبحت الاعتقالات حالة دخول وخروج، لكن في ملف الإخفاء القسري والاغتيالات، الأرقام ثابتة لأن مصير الضحايا ما زال مجهولاً.

 

في عدن وحدها هناك أكثر من 57 مخفياً قسراً، وفي محافظات أبين ولحج وحضرموت يتراوح العدد بين 200 إلى 300 مخفٍ قسرياً. بعض الأسر تخشى الإبلاغ خوفاً من الانتقام.

 

أما الاغتيالات، فتتجاوز 120 ضحية، من أئمة مساجد، ودعاة، ومشايخ، وقيادات دينية وعسكرية وسياسية. لم تُحقق أي جهة في هذا الملف، وغالباً تُغلق القضايا لعدم كفاية الأدلة، رغم أن كثيراً من هذه الجرائم مصورة.

 

قوات مكافحة الإرهاب كانت تستخدم بعض المخفيين في قاعة الوضاح، وتصورهم على أنهم عناصر إرهابية، وتُنفذ عمليات قتل أمام العالم دون أي إجراءات قانونية أو إحالة للنيابة أو القضاء. كل هذه الممارسات جرت خارج إطار الدولة وخارج الأطر القانونية والتشريعية للجمهورية اليمنية.

 

هناك أخبار عن تصفية مخفيين قسريًا داخل السجون، هل في تفاصيل عن هذه القضية؟ 

نحن كيف عرفنا مسألة تصفية بعض الضحايا في السجون؟ مثلًا بعض الضحايا المعتقلين والذين تم إخفاؤهم مثلًا لسنتين أو ثلاث سنوات، وكانوا في عداد المخفيين، فجأة يتم إطلاق سراحهم، خاصة أنه يتم تعصيب أعينهم ورميهم في الشارع في الليل. فبالتالي حينما نلتقي بهؤلاء ضحايا الاعتقالات والإخفاء، هم يحكوا لنا أنهم شاهدوا بأم أعينهم أشخاصًا تم تعذيبهم حتى توفوا. البعض منهم كانوا يعانوا من أمراض، ومن وباء، ولم تُقدَّم لهم الرعاية الصحية الكافية، وتوفوا نتيجة التعذيب ونتيجة الأمراض التي كانت منتشرة.

أحد الضحايا قال إنهم كانوا يعانوا من وضع صحي وإنساني سيئ جدًا، لا تُقدَّم لهم وجبات كافية، الفيروسات منتشرة، البعوض والقمل والكثير من الحشرات داخل السجون، لأنها لا تتعرض للشمس، ولا يُخرج هؤلاء الضحايا إلى الشمس، وإن خرجوا يخرجوا معصوبي الأعين إلى ساحة لقليل من الوقت ويعودوا من جديد. يسمعوا خلف هذه الزنازين صوت بحر.

هناك أيضًا بعض الجثث التي شاهدوها بعض الصيادين موجودة في البحر، ومقيدة ومكبلة بسلاسل حديدية، وللأسف يخافوا أنهم يدلوا بهذه الإفادات إلى القضاء حتى لا يتعرضوا للانتقام والمساءلة، نظرًا لعدم وجود الدولة، ونظرًا لعدم فتح تحقيقات نزيهة في هذه الملفات. وكذلك أيضًا أجهزة إنفاذ القانون، مثل ما قلت لك، هي محتاجة لضمانات لفتح هذه التحقيقات، ومحتاجة من الدولة لحماية الضحايا والشهود أيضًا، حتى يتقدموا إلى القضاء للإدلاء بإفاداتهم وشهاداتهم وتقديم بلاغات.

 

ذكرت رئيسة رابطة أمهات المختطفين، أنه تم توثيق قضية نقل مختطفين ومخفيين إلى إريتريا والصومال، ما تفاصيل هذه الواقعة؟

نحن ألتقينا مثلًا بعض المعتقلين، الذين كانوا مخفيين في سجون غير رسمية، والبعض منهم أكد نقلهم بين عدة سجون ومن ثم الى جزيرة عصب في إريتريا. هناك معلومات أنه تم نقلهم بالفعل الى عصب والصومال، فبالتالي هناك في عصب قاعدة عسكرية إماراتية، ويتواجد بها بعض المعتقلين المخفيين. أيضًا سجن التحالف الذي في مديرية البريقة، والذي كانت تسيطر عليه الإمارات إلى عام 2019، كان هناك بعض المخفيين الذين جاؤوا من أماكن مختلفة، من المكلا، ومن عدد من المحافظات، نُقلوا إلى هذا السجن.

 

واقعة لأحد أبناء تعز، كان زميله معتقلًا معه في قاعة الوضاح، هذا المعتقل حكى لنا أنه شاهد الضحية هذا، وهذا الضحية حكى له في قاعة الوضاح أنه نُقل من المكلا، ونُقل من سجن قولد مور، ومن بير أحمد، ومن ثم بَقِي به الحال في قاعة الوضاح مخفيًا قسرًا، وهو الآن تسع سنوات مخفي قسرًا، أسرته ما تعرف أي شيء عنه.

 

بعض المعتقلين حاولنا الوصول إلى معلومات أنهم تم نقلهم خارج عدن، حتى في الأحداث الأخيرة هناك ادعاءات، وبعض الإفادات تقول إنه تم نقل بعض المساجين عبر البحر، وأيضًا الجو، مع القيادات، قيادات الانتقالي التي خرجت إلى محافظة الضالع وإلى خارج اليمن، إلى الإمارات، خاصة السجناء السياسيين.

 

بعض السجناء أو المخفيين قسرًا من الحراك الجنوبي السلمي، أبو أسامة السعيدي، جعفر سكينة، هؤلاء مخفيين قسرًا لمدة خمس سنوات، لا يعرف أحد مصيرهم. بعض الضحايا اللي هم من أبناء المحافظات الشمالية، الذين جاؤوا إلى محافظة عدن لكسب رزقهم، هؤلاء أيضًا كثير منهم مخفيين قسرًا، لا يعرف مصيرهم.

 

وبالتالي مثلًا، أحد الضحايا الذي كان متواجدًا في قاعة الوضاح حكى لنا أن الضحية نائف القهبي، وهو مخفي قسرًا، اعتُقل من الميناء، وكان في حالة مرض شديدة، كان به كوليرا، وتوفي وهو بين المساجين، لم يخضع للعناية الطبية، توفي، ورموا لهم بكيس، أنه خلاص يحطوه بالكيس وخلاص، على بال ما يجوا يأخذوه. تخيل، كانت أسرته على أمل أنه يطلع، لكن هذا الضحية قُدِّمت شهادته عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن نائف القهبي حقيقة قضى نحبه، وهو كان مصابًا بفيروس الكوليرا، ومات متأثرًا بالمرض ونتيجة أيضًا التعذيب وعدم الرعاية الصحية.

 

البعض منهم يخرج في حالة صحية هزيلة جدًا، البعض منهم يعاني من أمراض جلدية، البعض منهم يخرج من حالة سيئة. أحد المخفيين قسرًا كان لمدة أربع سنوات، هو من محافظة أبين، كان عنده عاهة مستديمة في إصبعه، كان يشتغل في البناء وتعرض لقطع إصبعه، فتم اعتقاله من أحد النقاط في خور مكسر، وإخفاؤه في سجن الوضاح لمدة ثلاث سنوات على أساس أنه إرهابي، لم يخضع للتحقيق، لم يُقدَّم للنيابة، لم يُحاكم، لم يُقدَّم للعدالة، وبالتالي بعد ثلاث سنوات تم إطلاق سراحه، وهكذا بكل سهولة.

كيف يمكن معاقبة الجناة وملاحقة الإمارات على خلفية هذه الجرائم؟ كيف يمكن منع الإفلات من العقاب؟

مسألة هذه الملفات هي ملف حقيقة شائك، وأيضًا ينبغي كشف وملاحقة الجناة حتى لا يفلتوا من العقاب، لأنه مدة عشر سنوات ارتُكبت جرائم فظيعة بحق المدنيين وبحق المواطنين، وآثارها على المدى البعيد كبيرة جدًا، ليس فقط على الضحية وحده، ولكن على المجتمع، وعلى أسرته، وعلى البيئة المحيطة فيه.

وأعتقد أنه لم يكن لدينا فرصة مثل هذه الفرصة التي جاءت لنا. كنا نعاني من تحدٍ كبير، خاصة في ظل القبضة الأمنية التي كان يسيطر بها الانتقالي في إطار المناطق المحررة، وأيضًا تعدد التشكيلات المسلحة الخاضعة له، إلى جانب الدائرة الأمنية، إلى جانب قوات مكافحة الإرهاب، والأحزمة الأمنية، والمعسكرات التي كانت خاضعة له، والتي كان فيها أيضًا مقرات وسجون غير رسمية.

 

وبالتالي الإفلات من العقاب هو مسألة مهمة جدًا يجب أن نناقشها ونفتحها في هذا التوقيت بالذات. قرار رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي هو قرار مهم وبالاتجاه الصحيح. متى ما عادت الدولة إلى المناطق المحررة، ومتى ما طُبِّعت الأوضاع داخل المناطق المحررة، وخاصة في مدينة عدن، وساعدت مؤسسات القضاء والنيابات على فتح تحقيقات، وشجعت أهالي الضحايا بالإبلاغ وإيصال شكاويهم إلى أجهزة إنفاذ القانون، سوف يتشجع الأهالي، وخاصة أسر ضحايا الاغتيالات، حتى لا يتم الإفلات من العقاب من قبل منتهكي حقوق الإنسان.

 

المنتهكون ما زالوا حقيقة يسيطرون على الأوضاع الأمنية، ويديرون معسكراتهم حتى الآن، مثل ما تفضلت: جلال الربيعي، شلال علي شائع، وبعض المحسوبين أمنيًا وعسكريًا. مش بس في هذه المقرات، حتى أقسام الشرطة. تخيل، قسم شرطة كريتر يقوم باعتقال المدنيين أكثر من شهر داخل زنازين في قسم الشرطة، بينما قانون الإجراءات الجزائية يقر أنه لا يجوز اعتقال شخص أكثر من 24 ساعة، ومن ثم إحالته إلى النيابة للتحقيق معه، لتجديد حبسه في النيابة أو إخلاء سبيله. بينما قائد هذه الشرطة يعتقل الناس لمدة شهر وأكثر، ويعتقل أيضًا نساء داخل قسم شرطة كريتر.

 

فبالتالي ليست فقط القيادات الأمنية هي من تحتاج إلى ملاحقة ومنع الإفلات من العقاب، وحتى قيادات أقسام الشرطة بحاجة إلى تغيير، بحاجة إلى إعادة تأهيل، بحاجة أيضًا هذه القوات إلى دمج في إطار المؤسسات الأمنية في الداخلية والدفاع. بحاجة إلى إجراءات صارمة من قبل الحكومة، يعني رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي، بإصدار قرارات صارمة بالتحرك في هذا الملف، وأيضًا رفع دعاوى قضائية مدنية بجبر الضرر والتعويض لأهالي الضحايا، خاصة أهالي ضحايا الاغتيالات والإخفاء القسري.

 

أيضًا الاعتراف بمصائر هؤلاء الضحايا، يجب على الإمارات اليوم، والقيادات الأمنية من الانتقالي الذين دعمتهم بالمال والسلاح، الاعتراف بما هي مصائر هؤلاء الضحايا، وفتح ملفات هذه التحقيقات بنزاهة وشفافية، ليعرف العالم جميعًا حجم هذه الأضرار والنتائج المترتبة على مثل هذه الانتهاكات.

 

ماذا عن تحريك ملف الانتهاكات دوليا سواء لملاحقة الإمارات أو وكلائها؟

لا ينبغي رفع أي إجراءات قضائية دولية إلا بعد استكمال الإجراءات القضائية الوطنية، حتى نستطيع التحرك بشكل دولي، ونستطيع القيام بالمناصرة، وعقد لقاءات، وتحريك مجلس حقوق الإنسان. لكن رفع قضايا أو تدويل هذا الملف بالذات لا يجب إلا بعد استنفاد كل الطرق الوطنية من قبل القضاء والسلطة القضائية.

 

نحن نعلم أن اليوم القضاء في اليمن غير مؤهل، القضاء في اليمن منقسم ما بين سلطة ميليشيا الحوثي والمناطق المحررة. اليوم اللجنة الوطنية تدعي أنها حققت في الكثير من ملفات الانتهاكات، في عدن، والسادة النائب العام محسوب على الانتقالي، لكن لم تُحل هذه الملفات إلى النائب العام لإصدار قرارات وأوامر قضائية بملاحقة المنتهكين.

 

اليوم هذه فرصة لأهالي الضحايا للضغط على القيادة الرئاسية بتحريك هذا الملف، وإحالة ملفات انتهاكات حقوق الإنسان إلى النائب العام لإصدار قرارات بها. حصر السجون، تشكيل لجنة من المجتمع المدني، من السلطة القضائية، من المحامين، من أهالي الضحايا، تشكيل لجنة للنزول إلى مقرات هذه السجون، حصر هذه السجون، تفقد أحوال المساجين والمعتقلين داخل هذه السجون، وضعهم الإنساني، وضعهم الصحي، هل تُلبَّى جميع طلباتهم، هل توجد نيابة. طبعًا لا توجد نيابة ولا يوجد محققون، كل من يحقق في مثل هذه الانتهاكات هم من أصحاب التشكيلات الأمنية، فبالتالي كل الإجراءات التي تقوم عليها هذه التشكيلات إجراءات غير قانونية وغير صحيحة.