الخليج وخيار "الحسم" الذي تأخر كثيرا

د. سلطان مشعل

من المعلوم أنه في لحظات التحول التاريخية الكبرى لا تُقاس قوة الدول بـ ناعم الشعارات ولا بـ بريق الرايات ولا حتى بحجم حدودها ! بل تقاس بقدرتها على تجسيد تلك الشعارات بشكل عمليٍ وتثبيت تلك الرايات كواقعٍ فعليٍّ على الأرض وبقدرتها أيضا على إعادة تعريف تلك الحدود. وبما أن أجزاء كبرى من العالم لا تسير اليوم نحو التشتت بل نحو تكتلات كبرى من خلالها تعيد رسم موازين القوة كما هو الحال بالنسبة للاتحاد الأوروبي وما يجري تشكيله من تكتلات عابرة للقارات فإنه وفي هذا السياق يبدو الخليج العربي بكل ثرواته وإمكاناته وكأنه استثناء

غريب بالنظر لكونه في معظمه دولا صغيرة متفرقة تعيش فوق بحر من الموارد لكنها تتحرك دون إطارٍ استراتيجي موحد. وبناء على ما سبق فإن الظرف اللحظي يتطلب بل ويقتضي إنشاء كيان موحد على وجه السرعة تُدمج فيه الدول الخليجية الخمس (الإمارات، الكويت، قطر، البحرين، عُمان) ضمن كيان تقوده المملكة العربية السعودية باعتبارها المركز الجغرافي والثقل السكاني والعمق الديني والقوة الاقتصادية الأكبر بل والقيادة الأكثر فاعلية والأقوى لمواجهة التحديات.

والفكرة هنا ليست فكرةً رومانسيةً ولا حلماً ظرفياً ولا نزوةَ عاطفة وليست باقة أمنياتِِ مبتذلة، بل إنه مشروع قوة صلبة وقارب عبور نحو المستقبل وطوق نجاة من الطوفان. والسؤال لا ينبغي أن يكون: هل يمكن أن يحدث ذلك؟ بل: لماذا لم يحدث ذلك حتى الآن؟! وبما أنه لم يحدث حتى الآن فإن حدوثه الآن ضرورة وجودية لسببين:

-الأول: كون الواقع الحالي يُهدر القوة ويشتت الجهد حيث تعمل كل دولة من دول الخليج ضمن سقفها المحدود بالرغم من أن التهديدات التي تواجهها إقليميا ومن ناحية الطاقة تهديدات وجودية ومستدامة. وهذا التناقض بين حجم التحدي وصِغر الإطار السياسي يخلق هشاشة بنيوية مهما بلغت الامكانات.

-الثاني: كون الاقتصاد نفسه يفرض الوحدة. فالممرات والنفط والغاز والموانئ بالإضافة للاستثمارات السيادية كلها عناصر قوة إذا اجتمعت شكلت كتلة اقتصادية عالمية قادرة على التأثير في الأسواق لا مجرد التفاعل معها، أما وضعها الحالي فهي عبارة عن قوىً متجاورةٍ لا متكاملة وأحياناً متنافسة!

وبالنسبة للسعودية فهي ليست مجرد دولة بين هذه الدول بل هي المرشح الطبيعي لقيادة هذا التكتل ليس فقط بسبب المساحة والاقتصاد بل لأنها تمثل نقطة التقاء الجغرافيا بالدين والتاريخ بالسياسة. فهي الجيوسياسيا المؤهَّلة وهي الطبوغرافيا الكاملة وهي الديموغرافيا الثابتة وهي الجيوبوليتيك الذي يقع موقع القلب من العالم.  فأي مشروع وحدوي في الخليج بدونها هو مشروع ناقص وأي مشروع تقوده المملكة فإنه الوحيد الذي يملك فرصة التحول إلى واقع. أما المعوقات أمام هذا المشروع فهي مجرد أوهام ثلاثة يمكن أن يصطدم بها المشروع وهي:

1- وهم السيادة المطلقة: حيث أن الدول الصغيرة تتخيل أن الحفاظ على استقلالها الكامل هو ضمان للأمن بينما الواقع العالمي يثبت أن الدول المنفردة هي الأكثر هشاشة والأشد عرضة للمخاطر.

2-وهم التوازن الإقليمي: وهو الاعتقاد بأن التعدد يخلق توازناً بينما الحقيقة أن التشرذم هو من يفتح الباب لتدخل القوى الخارجية وإعمال الهيمنة.

3-وهم الاستقرار الدائم: والذي يعطي انطباعاً بأن الاعتماد على الثروة النفطية يعتبر ضمانا أبدياً في حين أن التحولات العالمية في الطاقة قد تعيد رسم قواعد اللعبة في أي لحظة وبشكل كامل.

وللعلم فالمشروع المقترح ليس المقصود به اندماجاً فورياً بل يمكن أن يكون مساراً تدريجياً يبدأ باعتماد الرياض عاصمة للدولة أو التكتل الجديد ومن ثم الشروع في توحيد السياسات الدفاعية فالاقتصادية وصولاً إلى شكل محترم من أشكال الاتحاد السياسي الثابت البنيان والذي يُخضع الجميع لرؤية استراتيجية عليا. والحقيقة أن المسألة ليست خياراً مثالياً وإنما ضرورة تاريخية.

فإما أن تتحول دول الخليج إلى كيان موحد قادر على فرض حضوره في عالم التكتلات وحماية نفسه أمام العواصف أو أن تبقى جزرًا سياسية غنية لكنها مكشوفة وهي عرضة للسقوط بيد عدُوٍّ يخطط لإسقاطها إما {بصَلِيَّةٍ أو بخَلِيّةٍ أو ربما بأسرابٍ مُسَيَّرةٍ}! إخوتنا بدول الخليج الخمس بقي القول: إن التاريخ لا ينتظر المترددين! وإن الجغرافيا حين تُهمل تعيد ترتيب نفسها بأدوات عدوها.