أنبوب النفط السعودي عبر اليمن: مشروع استقرار قبل أن يكون مشروع طاقة

مأرب الورد

مع تعطل الحركة الملاحية في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من حجم التجارة العالمية، وما نجم عن ذلك من توقف السعودية ودول الخليج الأخرى وغيرها عن تصدير نفطها عبر هذا الممر، أعاد مسؤولون سعوديون سابقون وخبراء في مجال النفط واللوجستيات طرح الفكرة القديمة المتعلقة بمد أنبوب نفط سعودي عبر صحراء الربع الخالي، مروراً بالأراضي اليمنية وصولاً إلى بحر العرب، ليكون بديلاً استراتيجياً للمملكة عن الممرات البحرية التقليدية تحسباً للأزمات الأمنية.

وكان لافتاً في هذا السياق أن من أبرز من تحدث عن هذه الفكرة خبير النفط محمد الصبان، الذي شغل منصب مستشار لوزراء البترول في المملكة سابقاً، حيث أشار في تغريدة عبر حسابه إلى أن المملكة تدرس خططاً استراتيجية لمد أنبوب نفطي عبر محافظتي حضرموت والمهرة وصولاً إلى بحر العرب، بهدف تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية، إضافة إلى تحويل تلك المناطق إلى مراكز تجارية، رغم التحديات السياسية والأمنية.

ويأتي هذا الطرح في سياق توقف الملاحة في مضيق هرمز، وسط تبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن المسؤولية عن تعطيل الملاحة، إلى جانب تداعيات التصعيد العسكري الأخير بين واشنطن وإسرائيل من جهة، وطهران من جهة أخرى، ما أعاد توجيه نقاشات خبراء الطاقة نحو البحث عن بدائل، وفي مقدمتها هذا المشروع، خاصة مع اعتماد السعودية حالياً على خط "بترولاين" إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، الذي تصل طاقته التصديرية إلى أكثر من خمسة ملايين برميل يومياً.

وعلى الرغم من أنه لم يطرأ أي جديد على المستوى الرسمي بين البلدين بشأن هذا المشروع، باستثناء تناولات إعلامية من مصادر لا يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل، فإن إعادة طرحه للنقاش تُعد خطوة إيجابية، شريطة أن تتبعها تحركات جادة على أرض الواقع.

ومن الناحية التاريخية، فإن هذه الفكرة تحمل أبعاداً إيجابية محتملة للبلدين، إذ تشير روايات متداولة إلى أن المملكة طرحتها في وقت سابق على الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، الذي رفضها خشية من تحكم السعودية بشرق اليمن، بينما تقول مصادر أخرى إن المملكة تراجعت لاحقاً بسبب مخاوف أمنية.

وأياً تكن الأسباب التي حالت دون تنفيذ المشروع في الماضي، فإن إعادة إحيائه اليوم تجعل الحديث عنه أكثر جدية، في ظل تجارب تعطيل مضيق هرمز، والتهديدات المتكررة، إضافة إلى تصاعد الحديث عن احتمال إغلاق مضيق باب المندب، الذي تمر عبره نحو 21 ألف سفينة سنويًا، ويمثل ما بين 10% إلى 12% من حجم التجارة العالمية.

ويُنظر إلى مشروع مد أنبوب النفط إلى شرق خليج عدن (حضرموت- المهرة) باعتباره من البدائل الاستراتيجية للمملكة لتأمين وصول نفطها إلى الأسواق العالمية، وفي الوقت نفسه فرصة اقتصادية لليمن.

وفي هذا السياق، تواصلت مع أحد أعضاء مجلس النواب لمعرفة ما إذا كان هذا الموضوع قد طُرح رسمياً، أو وصل إلى البرلمان، فأكد أنه لم يُناقش بعد، وأن ما يُتداول لا يزال في إطار إعلامي غير رسمي.

وبغضّ النظر عن الجدوى الاقتصادية والفرص والتحديات المرتبطة بهذا المشروع، والتي يمكن للخبراء المختصين تحليلها، فإن من المهم تسليط الضوء على بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الجانب الأمني والسياسي. فمرور الأنبوب عبر الأراضي اليمنية من شأنه أن يعزّز العلاقات بين البلدين، ويدفع بها إلى مستوى أعلى من التنسيق والتكامل، بحيث يتعزز حضور السعودية في دعم استقرار اليمن، ليس فقط عبر القنوات المعنية بالملف اليمني، بل على مستويات أوسع داخل الدولة، نظراً لارتباط المشروع بمصالح استراتيجية وحيوية للطرفين.

ومن المتوقع أن ينعكس ذلك في تعزيز الاهتمام بأمن واستقرار اليمن، ليس فقط من منطلق المسؤولية، بل أيضاً في إطار حماية استثمارات استراتيجية، بما قد يسهم في تعزيز أدوار إيجابية لمعالجة التحديات بشكل مبكر والحد من أي تداعيات أمنية قد تؤثر على المشروع.

ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى المشروع من زاوية الجوار الجغرافي والمصالح المشتركة، والتعامل معه بإيجابية وواقعية، بعيداً عن استدعاء تعقيدات الماضي، خاصة إذا كان من شأنه الإسهام في دعم استقرار اليمن، وهو ما يصب في مصلحة اليمنيين، خصوصاً في ظل تراجع الثقة بأداء النخب السياسية نتيجة تراكمات طويلة من الاختلالات في الإدارة والتحالفات التي لم تنعكس بشكل إيجابي على مصالح الدولة والمجتمع، كما كشفت عنه أحداث عام 2014.

وأي مشروع بهذا الحجم لا بد أن يُنظَّم عبر اتفاقية اقتصادية بين البلدين، ضمن إطار قانوني واضح يضمن مبدأ التكافؤ ويحفظ المصالح المشتركة، على أن تُعرض هذه الاتفاقية على مجلس النواب لإقرارها وفق الأطر الدستورية.

ومن المهم ألا تنتظر الحكومة اليمنية المبادرة من الجانب السعودي، بل أن تبادر بنفسها عبر تشكيل لجنة من خبراء مختصين في الاقتصاد والطاقة، يتمتعون بالكفاءة والوطنية، للتواصل مع الجانب السعودي ودراسة المشروع بجدية.

ولا ينبغي إغفال أن سنوات الحرب في اليمن تسببت في تدمير جزء كبير من البنية التحتية، وأضاعت فرصاً عديدة للتعاون مع السعودية والصين (مشروع تطوير موانئ عدن) وغيرها في تطوير مشاريع استراتيجية.

في المحصلة، لا يبدو هذا المشروع مجرد فكرة اقتصادية عابرة، بل خياراً استراتيجياً يفرضه واقع يتغير بسرعة، حيث لم تعد الممرات البحرية آمنة كما كانت، ولم تعد الجغرافيا عاملاً ثابتاً بقدر ما أصبحت ساحة للصراع والتأثير. وبينما تبحث السعودية عن بدائل تحمي أمنها الطاقي، يقف اليمن أمام فرصة نادرة لإعادة تموضعه ضمن معادلة إقليمية جديدة، لا بوصفه ساحة نزاع، بل كشريك في مسار استقرار ومصالح متبادلة.

لكن هذه الفرصة، كما كل الفرص التي سبقتها، لن تتحول إلى واقع ما لم تُقابل برؤية يمنية واضحة، وإرادة سياسية قادرة على التقاط اللحظة، والتعامل معها بعقل الدولة لا بعقل الصراع، بما يهيئ الأرضية اللازمة للانتقال بالمشروع إلى مرحلة التنفيذ فور توافر الظروف الملائمة، وفي مقدمتها تحقيق السلام.