عن اغتيالات عدن التي تنقذ الحوثي

عبدالرزاق قاسم

في ٢٠١٦ كانت اليمن قد قطعت شوطا كبيرا في طريق التحرير، وبدت ملامح النصر تلوح بوضوح في أفق المعركة. 

كانت الوحدات العسكرية تتقدم بثبات، تسندها إرادة صلبة للمقاومة الشعبية، وكانت جبهات القتال مشتعلة في كل المحافظات تراكم الانتصارات تلو الانتصارات في مواجهة مليشيا الحوثي.

في تلك اللحظة، كانت عدن تتهيأ لتكون عاصمة حقيقية لليمن؛ عاصمة تنبض بالحياة، تستعيد دورها السياسي، وتؤسس لمرحلة جديدة بدعم سخي وحضور فاعل من المملكة العربية السعودية، التي سخرت إمكاناتها وحشدت الجيوش والمواقف خلف اليمنيين وقضيتهم. 

 كان ذلك تحولا تاريخيا كاد أن يعيد صياغة الواقع اليمني بالكامل، غير أن قوى العبث التي لا تعيش إلا على الخراب، رأت في هذا التقدم تهديدا مباشرا لمشاريعها، واستشعرت أن اكتمال هذا المسار يعني نهاية مشاريعها واستغلالها.

عند تلك اللحظة امتدت الطعنات من الخلف، وبدأ الانكسار يتسلل من حيث لم يكن متوقعا، تعثرت الجهود، وتباطأت الوتيرة، ثم انفتحت أبواب الفوضى على مصراعيها، وكانت موجات التصفية والاغتيالات التي ضربت عدن وعددا من مدن الجنوب اليمني هي الخيانة التي كسرت ظهرت اليمنيين.

تحولت المناطق المحررة إلى ساحات استنزاف، وتعرضت بنيتها الأمنية لهزات متلاحقة، وكأن يدا خفية أرادت تشكيل المشهد بما يخدم بقاء المليشيا ويمنحها فرصة للتناسل في كل المحافظات الشمالية والجنوبية على السواء.

اليوم، تعود ملامح الفرج لتفرض نفسها من جديد، يتوحد اليمنيون، وتشتعل في صدورهم جذوة الحماس للخلاص من هذا الكابوس.

 تجلى ذلك بوضوح قبل أيام في التفاعل الشعبي الواسع، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، دعما ومساندة لموقف قبيلة دهم في وقفتها الشجاعة بوجه الحوثي، في مشهد يعكس أن روح المقاومة ما تزال حية، وأن الرفض الشعبي لمشروع المليشيا أعمق وأوسع مما يتصور.

تقف المملكة العربية السعودية مرة أخرى بكل ثقلها إلى جانب اليمنيين، ليشكل حضورها ركيزة أساسية في معركة استعادة الدولة، وتدفع باتجاه تثبيت الاستقرار وإعادة ترتيب المشهد بما يحقق تطلعات اليمنيين.

ومع كل هذا الزخم، تعود ذات الأيادي المجرمة لتتحرك في الظل، حاملة ذات المشروع الإجرامي، ومستخدمة الأدوات نفسها التي خبرها اليمنيون سابقا.

 تبرز ورقة الإرهاب والإغتيالات من جديد في عدن، في توقيت يكاد يكون مطابقا للحظات اشتداد الخناق على الحوثي في  المرة السابقة،  وهو ما يثير الكثير من التساؤلات حول ترابط الأحداث وتزامنها، وحول الجهات التي تستفيد من إعادة خلط الأوراق كلما اقتربت لحظة الحسم.

ما حدث اليوم في عدن من جريمة غادرة طالت القيادي الإصلاحي عبدالرحمن الشاعر، يكشف عن استراتيجية تقوم على إرباك المعسكر الوطني من داخله، وتشتيت الجهود، وضرب مراكز القوة في اللحظات الحاسمة.

وكأن هذه القوى لا تتحرك إلا حين تقترب اليمن من استعادة عافيتها، ولا تنشط إلا عندما يشتد الخناق على الحوثي.

اليمن اليوم أمام فرصة أخرى، وإرادة تتعاظم، ودعم إقليمي حاضر، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في حماية هذا المسار من الطعنات التي تأتي في اللحظات الحرجة، وفي تحصين الجبهة الداخلية من الانزلاق مجددا إلى دوائر العبث التي أطالت أمد المعاناة وأعاقت لحظة الخلاص.