مذكرات الفُسيل (1): السقيفة.. أعظم حدث في التاريخ الإسلامي

خلدون عبدالإله

تُعدّ مذكرات المناضل الأستاذ الراحل محمد عبدالله الفسيل، الصادرة عام 2024م تحت عنوان: "الحياة التي عشت.. حكاياتي مع تحولات الفكر والسياسة في اليمن"، من أهم المذكرات الشخصية التي صدرت في الفترة الماضية.

فالأستاذ الفسيل، بالإضافة إلى كونه من أبرز المناضلين اليمنيين الذين أسهموا في صناعة التحولات التاريخية التي شهدها اليمن في القرن الماضي، هو أيضاً سياسي مخضرم عاش وشارك في مختلف المراحل والتغيرات التاريخية التي شهدتها اليمن منذ شبابه حتى وفاته عام 2022م.

فقد كان المناضل الفسيل أحد المشاركين في ثورة الدستور عام 1948م، وقارئ البيان الأول لثورة 26 سبتمبر، ولم يكن دوره بعد الثورة أقل أهمية من دوره قبلها، بل استمر فاعلاً خلال مختلف مراحل الحكم الجمهوري ودولة الوحدة في اليمن.

ولا تختلف حياة الأستاذ الفسيل وذكرياته كثيراً عن حياة وذكريات الكثير من المناضلين والمواطنين اليمنيين، بما فيها من ظلم وجوع وفقر وجهل وبؤس وتخلف، صنعها النظام الإمامي البغيض.

ما يميز مذكرات الأستاذ الفسيل أنها تحكي سيرة ومسيرة مواطن بسيط نشأ طفلاً يتيماً يرعى الأغنام في قرية الجراف، لكنه، رغم نشأته في أقسى البيئات وأشد العهود قسوة، شق طريقه ليصبح أحد أبرز معارضي الاستبداد، وصوتاً دائماً في مواجهة الأخطاء والتجاوزات في مختلف المراحل.

فهو الطفل ذاته الذي سيقف يوماً ليقرأ تشكيلاً حكومياً أُرسل إليه، فيتساءل: من شكّل هذه الحكومة؟ ثم يأخذ قلمه ويعيد تشكيلها كما يراها، لتُعلن للعالم حكومة صاغها طفل مدرسة الأيتام: محمد عبدالله الفسيل.

وهو نفسه ذلك الطفل اليتيم الذي كانت تعوله أسرة تعمل أمه في بيوت ميسوري البلد وموظفي السلطة، ليقف لاحقاً قارئاً البيان الأول لإسقاط تلك السلطة والأسرة الحاكمة إلى الأبد، في صباح 26 سبتمبر 1962م.

إن التحولات المهمة التي صنعت شخصية محمد عبدالله الفسيل، والأدوار البارزة التي شارك فيها، هي ما سنحاول عرضه من خلال نشر مقتطفات من مذكراته في هذه السلسلة.

وقد كان "حديث السقيفة"، كما يروي الفسيل في مذكراته، هو التحول الأول والأضخم في حياته.

يقول الفسيل: إنه بدأ حياته في مطلع شبابه شيعياً مغالياً ومتعصباً، لا همّ له إلا الإشادة بالإمام علي ومهاجمة بقية الصحابة، وابتكار معانٍ جديدة في شتم معاوية، وكأن حياة البشرية والأرض، بل الكون بأسره، قد تجمدت عند تلك الأحداث. وكان حبه للإمام يحيى جزءاً من حبه للإمام علي.

ويضيف: في أواخر عام 1940م، فُتحت المدرسة المتوسطة لتكون بمثابة مدرسة شبه إعدادية في اليمن، وكان مديرها الأستاذ مصطفى الحلبي. أما أساتذتها فكانوا من أفراد البعثة العراقية: محيي الدين العنسي، والسلال، وأحمد الحورش، والمروني، وأحمد البراق.

وقد جمع أساتذة المدرسة عدداً من الكتب في إحدى غرفها لتكون مكتبة، بهدف تعويد الطلبة على القراءة والمطالعة.

وعُيّن الطالب علي الجناتي أميناً للمكتبة، ووُضع نظام يمنع خروج أي كتاب منها. وكانت بيني وبينه صداقة منذ أيام مكتب الأيتام، وقد أقنعته أن يعيرني كتاباً، فأخذته إلى البيت.

وعندما علم الأستاذ الحورش بذلك، عاتب أمين المكتبة، ثم استدعاني بعد انتهاء الدراسة ظهراً، وخرجنا نسير معاً على الأقدام، إذ لم تكن وسائل النقل متوفرة آنذاك.

وفي الطريق قال لي: سأصطحبك إلى بيتي، وأعيرك ما ترغب في قراءته، حتى لا تخالف نظام المكتبة المدرسية.

يقول الفسيل: وخلال سيرنا إلى بيته في حارة عقيل، حدثته بحماسة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعن وصايته بالخلافة، وعن ما كنت أراه اغتصاباً للخلافة من قبل أبي بكر وعمر. وكان الأستاذ الحورش يستمع إليّ دون تعليق.

وعندما وصلنا إلى بيته، دخلنا غرفته، فأخرج أربعة مجلدات ضخمة، وقال: هذه كتب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد. خذها، اقرأها، ثم أعدها لأعطيك غيرها.

ويقول: كانت تلك اللحظة بداية الانتقال من الظلمات إلى النور.

ويضيف: عدت إلى البيت، وبدأت مع صديقي أحمد الشامي قراءة المجلد الأول، الذي تناول مرض الرسول ووفاته، وما جرى من أحداث بعدها.

ووصلنا إلى "حديث السقيفة"، أو مؤتمر سقيفة بني ساعدة، واجتماع الأنصار لمبايعة سعد بن عبادة، وما دار من نقاشات.

يقول: كنت أتخيل نفسي داخل ذلك المؤتمر، أراقب ما يجري، وفجأة رأيت ثلاثة رجال يدخلون: أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح. وبدأ الحوار بينهم وبين الأنصار، وكيف همّ عمر بالكلام، فأوقفه أبو بكر وتحدث هو مخاطباً الأنصار.

ويستمر الفسيل في نقل ما جرى، حتى اختيار أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين.

يقول الفسيل: عندما قرأت ذلك في ريعان شبابي، شعرت بأن كل ثوابت التشيع في فكري ووجداني تهتز وتنهار، وكأن زلزالاً عنيفاً ضرب كياني. شعرت بالفزع، وصرخت دون إرادة: ما الذي يحدث؟!

كيف لم يتذكر أحد من الأنصار وصية الرسول؟ كيف لم يحتج أحد بها؟ وكيف بايع المهاجرون أبا بكر دون اعتراض؟

ثم تمتمت: مستحيل أن تكون تلك الوصية صحيحة، لو كانت قد قيلت أمام الجميع، لما نسيها أحد.

ثم هدأت قليلاً، لكنني شعرت أن كل شيء في داخلي قد انهار. فإيماني كان قائماً على تلك الثوابت. واستغفرت الله مراراً.

فقال لي صديقي أحمد الشامي: ما بك تستغفر وكأنك ارتكبت إثماً؟

فقلت: لأن الأسس التي كان يقوم عليها إيماني قد انهارت.

قال لي: وكيف تأكدت أن ما قرأناه صحيح؟

فقلت له: هل بايع الإمام علي أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان؟

قال: نعم، لكنه كان مضطراً.

قلت: لو كانت هناك وصية صريحة، لما جاز له مخالفتها. ولو علم بها، لذكّر الناس بها، ولرفض البيعة، بل لكان أول من يتولاها.

ويضيف الفسيل: استمر الحوار بيني وبين صديقي أياماً، ومع مواصلة القراءة، تكشفت لنا وقائع أخرى.

منها ما رُوي عن العباس عم الرسول، حين قال لعلي في مرض النبي: "إن كان الأمر لنا أوصى به، وإن لم يكن أوصى بنا خيراً"، فرد عليه علي: "والله لا أسأله، فلو قال ليس لنا، لما أعطانا الناس إياها أبداً".

ويختم الفسيل هذه المرحلة بقوله: ذهبت إلى أستاذي أحمد حسن الحورش، وشرحت له ما حدث، وقلت له: أخشى أن إيماني بالإسلام كان قائماً على التشيع، وقد تزعزع الآن.

ما دار بين الأستاذ محمد عبدالله الفسيل وأستاذه أحمد حسن الحورش، هو ما سنتناوله في الحلقة القادمة من هذه السلسلة.

  • سلسلة مقالات لمنصة الهدهد: قراءة في مذكرات المناضل السبتمبري محمد عبدالله الفسيل