صراع القبيلة مع المشروع الإمامي.. دهم في مواجهة الحوثيين

سعيد العصار

لم يكن الصراع بين القبائل اليمنية والمشروع الإمامي العنصري وليد اللحظة، بل هو امتداد تاريخي ضارب في جذور اليمن، بدأ مع الحكم الإمامي لبيت حميد الدين، ويستمر اليوم بصيغة جديدة عبر جماعة الحوثي. وبين هذين الامتدادين، بقيت القبيلة اليمنية في قلب معركة وجودية تتجاوز حدود السياسة إلى صراع هوية وكرامة.

في هذا السياق، كانت قبيلة دهم جزءًا أصيلًا من هذا التاريخ الممتد، بل في صميم المواجهة منذ بدايتها وحتى اليوم. فالمشروع الإمامي، في جوهره، لم يسعَ يومًا إلى شراكة مع القبيلة، بل ركّز على هدف ثابت: إخضاعها وكسر هيبتها وتقويض مكانتها. هذا الهدف لم يتغير، وإن تغيّرت الأسماء والمسميات.

اليوم، يعيد الحوثيون إنتاج المشهد ذاته، مستلهمين أدوات وأساليب الإمامة القديمة. فكما اعتمد النظام الإمامي سابقًا على الظلم والتعسف والتجويع والتجهيل، وأخذ الرهائن واستهداف القبائل لإضعافها، تمضي الجماعة على النهج نفسه، بذات العقلية والمنهج، وكأن التاريخ يعيد نفسه من “الإمام” إلى “السيد”.

ولتحقيق هذا الهدف، تنوعت أدوات الاستهداف التي انتهجتها الجماعة بحق القبائل. فمن الحرب الاقتصادية وتجفيف مصادر العيش عبر مصادرة الأراضي ومنع سبل الاكتفاء، إلى نشر البطالة ودفع الشباب نحو مسارات خطرة تتحكم بها الجماعة نفسها. كما عملت على تغذية الجهل وإشعال الفتن الداخلية، بما يضعف النسيج القبلي من الداخل، ويجعل السيطرة عليه أكثر سهولة.

ولم تكتفِ بذلك، بل ركّزت على استهداف رموز القبيلة ومشايخها، محاولة كسر رأسها لإخضاع جسدها، مستخدمة الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى. وفي موازاة ذلك، مارست القمع الممنهج عبر اقتحام المنازل واعتقال الرهائن، في سلوك يهدف إلى كسر هيبة القبيلة وإجبارها على الخضوع. كما سعت إلى تقويض الهوية القبلية عبر محاربة الأعراف والتقاليد، وفرض بدائل فكرية وتنظيمية تخدم مشروعها، فضلًا عن استقطاب بعض الفئات الضعيفة، وإثارة الانقسامات بين القبائل وفق سياسة “فرّق تسد”.

ورغم كل هذه الأساليب، ظلت الجوف، وقبيلة دهم تحديدًا، صخرة صلبة تحطمت عليها محاولات الإمامة قديمًا وحديثًا. فبعد أن فشل الحوثيون في كسب ولاء القبيلة، لجأوا إلى الخيار العسكري منذ عام 2009، غير أن القبيلة واجهت ذلك بثبات، رافضة الخضوع، ومتمسكة بموقفها الرافض للمشروع الإمامي بكل صوره.

ويبرز هذا الموقف جليًا في الأحداث الأخيرة، حين اعتقلت الجماعة الشيخ حمد الحزمي، ما دفع قبائل دهم إلى إعلان النفير العام وإقامة “المطارح” في اليتمة. وبرغم التهديدات بالقوة، تمسكت القبيلة بموقفها، معلنة أنها لن تتراجع حتى تحقيق مطلبها. هذا الصمود أجبر الحوثيين في نهاية المطاف على التراجع والقبول بالتفاوض، وصولًا إلى الإفراج عن الشيخ، في مشهد يعكس انتصار إرادة القبيلة وانكسار هيبة الجماعة.

إن ما يجري اليوم يؤكد أن الصراع مع المشروع الإمامي، بصيغته القديمة والجديدة، هو صراع وجود لا يتغير بتغير الأسماء. فسواء سُمّي “إمامًا” أو “سيدًا”، يبقى الهدف واحدًا: إخضاع القبيلة، باعتبارها القوة الاجتماعية التي تهدد بقاء هذا المشروع.

وعليه، فإن معركة القبائل، وفي مقدمتها دهم، ليست مجرد صراع على أرض أو سلطة، بل هي معركة دفاع عن الهوية والكرامة والوجود. وما تسطره الجوف اليوم هو امتداد طبيعي لمواقف الأجداد في مواجهة الإمامة، واستمرار لمعركة استعادة الجمهورية والدفاع عن اليمن أرضًا وإنسانًا.

يعيش الحر تحت العز يومًا،

ولا تحت المذلة ألف عام.

وسيبقى نبض قلبي يمنيًا 🇾🇪

لن ترى الدنيا على أرضي وصيًا ✌🏻