انفصالي بروح وحدوية
كثيرًا ما تكشف لنا المواقف العابرة في الشارع ما تعجز عنه المنابر السياسية والخطابات الطويلة. وأحيانًا تختصر جلسة عفوية في طابور غاز أو أمام محل صغير أزمة وطن كاملة بكل تناقضاتها وأسئلتها المؤجلة.
كنت في طابور تعبئة الغاز للسيارات، والازدحام كعادته يفتح باب التذمر والنقاش. وبينما كنا نراقب بعض الذين يحاولون الدخول إلى مقدمة الطابور أو التسلل إلى وسطه بأساليب رخيصة تعكس أزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة نظام، التفت إليّ رجل ستيني وقال بنبرة ساخرة وموجوعة: “هذا جيل الوحدة”. ابتسمت وسألته مباشرة: “وأين جيل الانفصال؟” صمت قليلًا، ثم قال: “هم امتداد”.
كانت إجابته صادمة في صدقها؛ لأنها لم تبحث عن شماعة جاهزة تعلق عليها الخراب، ولم تتعامل مع الأزمة باعتبارها مرتبطة بمرحلة سياسية واحدة أو طرف واحد، بل باعتبارها خللًا عميقًا في الثقافة والسلوك والنخب معًا. قلت له:
“إذًا الخراب لن يتوقف ما لم توجد قوة توقفه، لا يمكن أن ننتظر الفوضى حتى تتعب وحدها”. فرد بهدوء يشبه الحكمة المتعبة:
“يا ابني… الخراب في النفوس. نفوس مريضة تحتاج إلى تعافٍ، والمشكلة أن الطبيب نفسه مريض”، وكان يقصد بالنخبة السياسية والاجتماعية. تلك العبارة وحدها تصلح لتفسير جانب كبير من أزمتنا اليوم.
فالمشكلة لم تعد في الشعارات الكبرى التي يرفعها الجميع، بل في طبيعة الإنسان الذي سيدير هذه الشعارات عندما يصل إلى السلطة أو النفوذ. ثم قال الرجل جملة أربكتني أكثر: “أنا انفصالي… لكن بداخلي روح وحدوية”. استوقفني المعنى، فسألته أن يشرح أكثر، فقال: “أتوق للانفصال، لكن لا أثق بهذا الجيل ولا بهذه النخب.
الانفصال كما يُطرح اليوم يولد داخلي شعورًا بالعنف والفوضى والحرب. أما الدولة الاتحادية فتعطيني شعورًا بالطمأنينة والاستقرار”. هنا أدركت أن كثيرًا من الناس يعيشون هذا التناقض الصامت.
فهم قد يتبنون قضية سياسية معينة عاطفيًا أو تاريخيًا، لكنهم في الوقت نفسه يخشون الطريقة التي تُدار بها، والخطاب الذي يحمله بعض المتصدرين لها.
إن الناس لا تبحث فقط عن الشعارات، بل عن الأمان والاستقرار وإدارة الاختلاف بشكل حضاري.
ولهذا تبدو الدولة الاتحادية عند البعض أكثر طمأنينة، ليس لأنها تمثل انتصارًا للوحدة التقليدية، بل لأنها تقدم تصورًا أقل صدامية وأكثر قدرة على استيعاب التنوع وتقليل الاحتقان.
الحقيقة المؤلمة أن أزمة الجنوب — وربما اليمن كله — ليست فقط في شكل الدولة، بل في غياب ثقافة الدولة أصلًا.
في العقلية التي لا تؤمن بالشراكة، وفي النخب التي تدير الخلاف بمنطق التخوين والإقصاء، وفي مجتمع اعتاد أن
يرى القانون ضعفًا، والفوضى نوعًا من الشطارة. الشخص الذي يتجاوز الطابور اليوم، قد يتجاوز غدًا القانون والدستور وحقوق الناس إذا امتلك القوة.
ولهذا فإن بناء أي مشروع سياسي دون إصلاح عميق للوعي والسلوك لن ينتج إلا نسخة جديدة من الأزمة، مهما اختلفت الأسماء والعناوين.
في النهاية، لا يكفي أن نسأل: هل نريد وحدة أم انفصالًا؟ السؤال الأخطر والأهم: أي إنسان سيقود المرحلة القادمة؟ وأي ثقافة ستتحكم في شكل الدولة؟ وهل نملك فعلًا مشروعًا يبني وطنًا يتسع للجميع، أم أننا فقط نبدل الشعارات بينما تبقى النفوس كما هي؟