الحوار الجنوبي بين منطق التمثيل ومنطق بناء الدولة
أي حوار يُراد له أن يصنع مستقبلاً مستقراً لا بد أن يبدأ من سؤال الدولة: أي دولة نريد؟
هل نريد دولة مواطنة ومؤسسات وقانون، أم نعيد إنتاج أشكال السلطة التقليدية التي قامت على النفوذ والعلاقات والمناطق والانتماءات الضيقة؟
ما يُطرح اليوم حول الحوار الجنوبي ـ الجنوبي يثير أسئلة مشروعة، خصوصاً عندما يجري الحديث عن حصر المشاركة في شخصيات اجتماعية وتمثيل مناطقي ومحافظاتي، مع تراجع واضح لدور الأحزاب السياسية والمكونات الوطنية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني.
وهنا تصبح القضية أخطر من مجرد ترتيبات حوار؛ لأنها تمس شكل الدولة القادمة وطبيعة النظام السياسي الذي قد ينتج عن هذا الحوار.
الدولة المدنية لا تُبنى عبر التمثيل الاجتماعي وحده، بل عبر التعدد السياسي والفكري. فالأحزاب السياسية، مهما كانت الملاحظات على أدائها، ليست مجرد أسماء أو كيانات شكلية، بل تمثل تيارات فكرية واجتماعية موجودة داخل المجتمع. هناك من يحمل رؤية ليبرالية، وآخر يحمل مشروعاً محافظاً، وغيرهم يتبنون أفكاراً قومية أو يسارية أو إسلامية.
وهذا التنوع ليس خطراً على الوطن، بل هو ضمانة حقيقية لعدم احتكار الحقيقة أو السلطة. إقصاء القوى السياسية والفكرية من أي حوار يعني عملياً إقصاء الأفكار نفسها، وتحويل النقاش من حوار حول مشروع وطني إلى تفاوض بين جماعات ومناطق ومراكز نفوذ.
وعندما يغيب المشروع الوطني الجامع، تتقدم المشاريع الصغيرة: مشروع المحافظة، ومشروع الجماعة، ومشروع الفئة، ومشروع الولاء الضيق، بينما تتراجع فكرة الوطن لصالح الهويات الجزئية.
المشكلة ليست في حضور الشخصيات الاجتماعية أو القيادات القبلية والمجتمعية، فهذه مكونات طبيعية في أي مجتمع، لكن الخطأ أن تتحول إلى البديل الوحيد للعمل السياسي والمؤسسي. لأن السياسة في الدولة الحديثة لا تُدار بمنطق الوجاهة الاجتماعية وحدها، بل بمنطق البرامج والرؤى والمؤسسات والتنافس السلمي.
التجارب التي قامت على تهميش الحياة السياسية وإضعاف التعدد انتهت غالباً إلى أنظمة مغلقة، تُدار بعقلية الاستحواذ لا بعقلية الشراكة. وعندما يغيب التنوع الحقيقي داخل أي عملية سياسية، تصبح الدولة مجرد غطاء لسلطة ضيقة مهما رفعت من شعارات وطنية.
إن أي حوار يريد أن ينجح يجب أن يؤسس لفكرة المواطنة المتساوية، لا لفكرة المحاصصة المناطقية. فالمواطن يجب أن يُنظر إليه باعتباره مواطناً كامل الحقوق، لا تابعاً لمنطقته أو جماعته أو انتمائه الاجتماعي. والدولة المدنية الحقيقية هي التي تحمي حق الاختلاف، وتفتح المجال أمام الجميع للمشاركة في صناعة القرار عبر أدوات سياسية ومؤسساتية واضحة.
الحوار المنتج ليس ذلك الذي يجمع الأشخاص فقط، بل الذي يجمع المشاريع والرؤى المختلفة تحت سقف وطني واحد. أما الحوار الذي يخشى التعدد السياسي والفكري، فإنه قد ينجح في إنتاج سلطة، لكنه لن ينجح في بناء دولة.
الجنوب اليوم بحاجة إلى مشروع وطني واسع يتجاوز منطق الإقصاء وردود الفعل، ويؤمن بأن قوة أي وطن ليست في الصوت الواحد، بل في قدرته على إدارة التنوع داخل إطار الدولة والقانون. فالدولة المدنية ليست شعاراً يُرفع، بل منظومة تقوم على الشراكة، والمؤسسات، والتعدد، والمواطنة المتساوية، واحترام حق الجميع في التعبير والمشاركة.
ومن دون ذلك، سنبقى ندور في دائرة إنتاج الأزمات نفسها، بأسماء جديدة وأدوات مختلفة، بينما يظل حلم الدولة الحقيقية مؤجلاً.