مصدر لـ"الهدهد": السعودية أبلغت وضاح الحالمي بالسفر إلى الرياض أو مواجهة الاعتقال
قال مصدر خاص لمنصة "الهدهد" إن المملكة العربية السعودية أبلغت القائم بأعمال الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي، وضاح الحالمي، بضرورة السفر إلى الرياض، أو الاستعداد لاحتمال اعتقاله، وذلك بالتزامن مع صدور أوامر من النيابة العامة بالقبض القهري عليه وعلى عدد من قيادات المجلس خلال الأيام الماضية.
وذكر المصدر، مشترطاً عدم الكشف عن هويته، أن الرياض أوصلت هذه الرسالة إلى الحالمي عبر قيادات في المجلس الانتقالي موجودة داخل المملكة، في محاولة للضغط عليه من أجل وقف النشاط السياسي والتصعيد الإعلامي والتحريضي ضد الحكومة، وضد الجهود السعودية الأمنية والعسكرية والسياسية في الجنوب.
الضغوط السعودية المتصاعدة
وخلال الأيام الماضية، أعادت النيابة العامة تفعيل أوامر ضبط قهرية بحق الحالمي وثلاثة من قيادات المجلس، بعد أن كانت قد جُمّدت في وقت سابق، بناءً على مذكرة من قيادة شرطة محافظة عدن، أفادت بعدم التوصل إلى أدلة كافية تثبت التهم المنسوبة إليهم، مع ترك القرار النهائي للنيابة لاتخاذ ما تراه مناسباً.
ويثير تزامن إعادة تفعيل أوامر القبض مع الاهتمام السعودي المتزايد بالحالمي تساؤلات حول خلفيات هذا التصعيد. وللإجابة على ذلك، لا بد من العودة إلى منتصف فبراير الماضي، حين أعلن رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزُبيدي، المُختفي عن الأنظار منذ مطلع يناير، تكليف الحالمي بمهام القائم بأعمال الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس، بعد نحو شهر من إعلان مجموعة من قيادات المجلس العليا، من العاصمة السعودية الرياض، حل المجلس، معتبرة أنه انحرف عن الأهداف التي تأسس من أجلها، بحسب تعبيرها.
إعادة ترتيب المشهد
ومنذ توليه هذه المهمة، استطاع الحالمي إعادة لملمة صفوف المجلس، وإحياء عدد من هيئاته العليا والمتوسطة، واستئناف نشاط الهيئات التنفيذية في المحافظات، بما في ذلك عدن، وهو ما سمح — بحسب مراقبين — للمجلس باستعادة جزء من زمام المبادرة بعد الصدمة التي أعقبت هزيمة قواته وخروجها من محافظتي حضرموت والمهرة في الثالث من يناير الماضي، وما تبع ذلك من تطورات سياسية وعسكرية واسعة، بينها إسقاط عضوية رئيس المجلس من مجلس القيادة الرئاسي وإحالته إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى.
وأدت هذه التطورات إلى تغيرات جديدة في المشهد الجنوبي، للمرة الأولى منذ عشر سنوات، تقلص خلالها نفوذ المجلس الانتقالي الذي كان يحظى بدعم واسع من الإمارات منذ تأسيسه في مايو 2017، ضمن مشروع سياسي وعسكري ارتبط، بحسب خصومه، بأهداف انفصالية ومصالح جيوسياسية تتعلق بالموانئ اليمنية.
سياسة الضغط والإغراء
وفي هذا السياق، اتبعت السعودية — وفق مراقبين — سياسة تجمع بين الضغط والإغراءات لإعادة تشكيل علاقة المجلس الانتقالي بمحيطه الإقليمي، وإبعاده تدريجياً عن أبوظبي. فإلى جانب استخدام القوة العسكرية ضده في محافظة حضرموت، جرى أيضاً تفعيل دور المؤسسات القضائية والأمنية، بما في ذلك إصدار أوامر إغلاق مقرات المجلس وأوامر قبض بحق قيادات المجلس، في محاولة للحد من تحركاته وإجباره على التكيف مع موازين القوى الجديدة.
وفي المقابل، قدمت الرياض حزمة من الحوافز السياسية والمالية، شملت استضافة عدد كبير من قيادات المجلس في الرياض، والسماح لهم بالتعبير عن مواقفهم السياسية عبر وسائل إعلام سعودية، إلى جانب دفع رواتب بعض القيادات العسكرية والمدنية التي كانت الإمارات تتولى تمويلها سابقاً، فضلاً عن تمويل رواتب قرابة 800 من عناصر المجلس بمبلغ يناهز ألف ريال سعودي شهرياً لكل فرد، بعد تقليص الدعم الإماراتي.
ومع ذلك، لم تنجح هذه السياسات — بحسب متابعين — في كبح التصعيد الميداني والإعلامي للمجلس الانتقالي، الذي واصل رفع سقف خطابه السياسي ضد الحكومة والسعودية، متهماً الرياض بدعم قوى مرتبطة بتنظيمات متطرفة، في إشارة إلى قوات الطوارئ وقوات "درع الوطن" المدعومة سعودياً.
ويرى مراقبون أن هذه السردية لا يمكن فصلها عن الخطاب الإماراتي الإقليمي، الذي يسعى إلى تقديم أبوظبي باعتبارها الطرف الأكثر جدية في مكافحة الإرهاب، رغم أن عدداً من الباحثين المتخصصين في الشأن اليمني يشيرون إلى أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت استخدام ملف مكافحة الإرهاب أحياناً كأداة سياسية لتصفية الخصوم وتعزيز النفوذ.
وتبدو شخصية وضاح الحالمي — وفق مقربين منه — مختلفة نسبياً عن عدد من قيادات المجلس، إذ يوصف بأنه أكثر ميلاً إلى التهدئة والحفاظ على التوازنات الداخلية، إلى جانب اهتمامه بإعادة تنشيط مؤسسات المجلس ومنع انهياره التنظيمي. وينحدر الحالمي من مديرية حالمين بمحافظة لحج، وسبق أن شغل منصب رئيس الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي في المحافظة عام 2023، كما يُعرف بابتعاده عن الظهور الإعلامي المتكرر أو التصريحات الحادة.
ويعتقد مراقبون أن اختياره لقيادة المرحلة كان قراراً مدروساً، نظراً لكونه محسوباً على الجناح المعتدل داخل المجلس، وبعيداً نسبياً عن صراعات النفوذ والموارد التي أضعفت صورة المجلس لدى قطاع من أنصاره والشارع الجنوبي عموماً.
وفي المقابل، يتمتع الحالمي بحيوية وديناميكية وشخصية ميدانية جعلته يواصل نشاطه من منزله في عدن، متحدياً أوامر النيابة العامة بالقبض عليه أو الحد من نشاطه السياسي.
وبعد صدور أوامر القبض، شددت التشكيلات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي إجراءات الحماية حول منزله، عبر استحداث تحصينات وإجراءات أمنية مشددة، تحسباً لأي محاولة لتنفيذ قرار الاعتقال بالقوة.
الحالمي يرفض المغادرة
ويقول المصدر المشار إليه سابقاً إن الحالمي رفض الرسالة السعودية بشكل واضح، وأبلغ الوسطاء أنه لا ينوي السفر إلى الرياض، معتبراً أن مهمته الأساسية تتمثل في الحفاظ على المجلس واستمرار نشاطه في عدن.
وفي أول تعليق له على الإجراءات الأخيرة، قال الحالمي إن قرار اعتقاله الصادر من السلطات في العاصمة المؤقتة عدن "لن يغيّر من ثباته على مواقفه السياسية"، معتبراً أن ما يجري بحقه يأتي في إطار "استهداف سياسي"، بحسب تعبيره.
وأضاف، في تصريح صحفي أن الإجراءات المتخذة بحقه "تجاوزت حدود الخلاف السياسي إلى محاولة لمصادرة الرأي"، وفق قوله.
وأكد تمسكه بانتمائه إلى المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة اللواء عيدروس الزُبيدي، واصفاً ذلك بأنه "خيار نابع من قناعة وإرادة حرة".
وأشار إلى أن ما وصفها بـ"الملاحقات والإجراءات المخالفة للقانون" لن تمنعه من مواصلة الدفاع عن مواقفه السياسية.
ويرى مراقبون أن اعتقال الحالمي — في حال تم — قد يؤدي إلى تصعيد ميداني واسع، خصوصاً أن المجلس الانتقالي قد يدعو إلى احتجاجات وتحركات شعبية، لا سيما في عدن، في حين أن عدم تنفيذ أوامر القبض قد يضعف هيبة النيابة العامة والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ويُفقد السلطات، ومن خلفها السعودية، إحدى أهم أوراق الضغط القانونية في التعامل مع قيادات المجلس داخل اليمن.