خلف تغيير الاسم.. لماذا عاد الانتقالي إلى مصطلحات الحقبة البريطانية؟

2026-05-16 00:00 الهدهد/خاص:
خلف تغيير الاسم.. لماذا عاد الانتقالي إلى مصطلحات الحقبة البريطانية؟

بمناسبة الذكرى التاسعة لتأسيسه، لم تجد قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي ما تحتفل به سوى تغيير اسم المجلس إلى "المجلس الانتقالي للجنوب العربي"، قبل أن يصدر رئيس المجلس عيدروس الزُبيدي، بعد أحد عشر يوماً فقط، قراراً جديداً يقضي بتعديل الاسم مرة أخرى إلى "المجلس الانتقالي الجنوبي العربي".  

ويرى مراقبون أن هذا التغيير المتكرر يعكس حالة من التخبط والفراغ القيادي التي يعيشها المجلس منذ الانتكاسات التي تعرّضت لها قواته في حضرموت والمهرة مطلع يناير الماضي، وما تبع ذلك من إعلان عدد من قياداته العليا، من العاصمة السعودية الرياض، حلّ المجلس بصورة علنية.  

ويسعى المجلس الانتقالي، الذي تأسس بدعم وتمويل إماراتي، إلى مشروع انفصال جنوب اليمن وإقامة دولة يطلق عليها اسم "الجنوب العربي"، وهو مسمى يثير جدلاً واسعاً من الناحية التاريخية والسياسية، إذ لا وجود لكيان سياسي مستقل بهذا الاسم في التاريخ الحديث، بقدر ما يرتبط بمصطلح استخدمه الاستعمار البريطاني خلال فترة احتلاله لجنوب اليمن في القرن الماضي.  

ارتباك الهوية داخل المجلس  

وفي الرابع من مايو الجاري، أعلن القيادي في المجلس عمرو البيض، الذي يشغل منصب مفوض العلاقات الخارجية، اعتماد اسم "المجلس الانتقالي للجنوب العربي"، ما أثار جدلاً حتى داخل أوساط أنصار المجلس أنفسهم، بين من رأى الخطوة تغييراً شكلياً بلا جدوى، ومن اعتبرها محاولة للانسلاخ عن الهوية اليمنية.  

وبعد أيام قليلة، تداولت وسائل إعلام محسوبة على المجلس ما قالت إنه توجيه صادر عن عيدروس الزُبيدي – الغائب عن الظهور العلني منذ السادس من يناير الماضي، وسط حديث عن وجوده في الإمارات – يقضي بتعديل الاسم مجدداً إلى "المجلس الانتقالي الجنوبي العربي"، مع تعميم القرار على مختلف فروع المجلس لاعتماده رسمياً.  

وفي سياق الجدل المتصاعد، وجّه القيادي السابق في المجلس الانتقالي عيدروس نصر النقيب انتقادات حادة لقيادة المجلس على خلفية تعديل الاسم وإضافة مصطلح "الجنوب العربي"، معتبراً أن الخطوة تفتقر إلى الأسس الدستورية والقانونية، وقد تُدخل المجلس في متاهات سياسية وتاريخية هو في غنى عنها.  

وأشار النقيب إلى أنه دأب خلال السنوات الماضية على توجيه رسائل تنبيه ونصح لقيادة المجلس، قائلاً: "نحن نحمي الانتقالي من أعدائه ومن أخطائه"، لافتاً إلى أنه بعث مؤخراً رسالة صوتية لمتابعيه حذر فيها من تداعيات تغيير المسمى.  

وانتقد ما وصفه بـ"الاندفاع غير المدروس" في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالهوية السياسية للمجلس، مؤكداً أن الحديث عن "دولة الجنوب العربي" يعكس – بحسب رأيه – فقراً في المعطيات وغياباً للمرجعيات القانونية والتاريخية.  

وشدد النقيب على أنه "لم توجد في التاريخ دولة باسم الجنوب العربي"، موضحاً أن الوحدة اليمنية عام 1990 قامت بين دولتين معترف بهما دولياً هما: الجمهورية العربية اليمنية، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، دون وجود أي حضور رسمي أو قانوني لمسمى "الجنوب العربي" في ذلك السياق.  

"الجنوب العربي" تاريخياً وجغرافياً  

وحتى بمنطق دعاة الانفصال أنفسهم، لم تقم دولة مستقلة باسم "الجنوب العربي"، إذ إن الدولة التي حكمت جنوب اليمن بعد الاستقلال عن بريطانيا عام 1967 وحتى إعادة توحيد شطري اليمن في 22 مايو 1990 كانت تحمل اسم "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية".  

أما تاريخياً، فقد أنشأت بريطانيا عام 1959 ما عُرف بـ"اتحاد الجنوب العربي"، ليضم عدداً من السلطنات والمشيخات، لكنه لم يشمل حضرموت ولا المهرة ولا سلطنة يافع العليا ولا بلاد الواحدي في شبوة، وهو ما يعني أن حتى هذا الاتحاد لم يكن يمثل كامل جغرافيا الجنوب.  

ومن الناحية الجغرافية، فإن مصطلح "الجنوب العربي" كان يُستخدم تاريخياً كمفهوم جغرافي فضفاض يشير إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وقد يشمل اليمن وسلطنة عُمان وأجزاء من جنوب السعودية والإمارات، وليس كاسم لدولة جنوبية موحدة.  

وتشير المصادر التاريخية إلى أن أول تنظيم سياسي تبنى هذا المسمى كان "رابطة أبناء الجنوب"، التي بدأت بالتشكل عام 1950 وأُعلن عنها رسمياً في أبريل 1951 برئاسة محمد علي الجفري تحت اسم "رابطة الجنوب العربي".  

وبحسب المؤرخ السياسي الراحل سعيد الجناحي، فإن الرابطة "كانت ترفض وحدة النضال للحركة الوطنية اليمنية"، وقد تأسست كرد فعل على "الجمعية العدنية" التي ظهرت عام 1949 برئاسة محمد علي لقمان وعبدالرحمن جرجرة، ورفعت شعار "عدن للعدنيين"، قبل أن تتلاشى لاحقاً.  

وفي كتابه "الاستعمار البريطاني ومعركتنا العربية في جنوب اليمن"، أشار الرئيس قحطان الشعبي إلى أن القوى الجنوبية التي تبنت مشروع فصل الجنوب عن الشمال، بالتنسيق مع الاستعمار البريطاني، هي من روجت لمسمى "الجنوب العربي"، معتبراً أن الهدف من التسمية كان إيجاد كيان سياسي منفصل يخدم المشروع البريطاني في المنطقة.  

وأكد قحطان الشعبي أن التسمية التاريخية والسياسية الأدق للمنطقة كانت "جنوب اليمن"، لا "الجنوب العربي".  

انتقادات قانونية وسياسية متصاعدة  

من جانبه، يقول الباحث في التاريخ الدكتور ثابت الأحمدي إن مصطلح "الجنوب العربي"بدأ بالتلاشي تدريجياً مع نهاية حكم الإمامة في اليمن، حتى كاد يختفي من التداول السياسي والتاريخي، قبل أن يعود للظهور مجدداً مع صعود الحوثيين وسيطرتهم على أجزاء واسعة من البلاد.  

ويضيف الأحمدي، في قراءة نشرها على حسابه بمنصة "إكس"، أن عودة هذا المصطلح ترتبط – بحسب رؤيته – بحالة من "التخادم غير المباشر" بين مشروع الإمامة في صنعاء وبعض المشاريع الانفصالية أو السلالية في الجنوب.  

وقال: "هكذا تتخادم الإمامة في صنعاء مع المحتل الخارجي، سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، كما تتخادم مع السلاليين والعنصريين في الجنوب الذين يقدمون لها الدعم اللوجستي بطريقة ناعمة".  

ويرى الأحمدي أن تصاعد الدعوات الانفصالية غالباً ما يتزامن مع صعود المشاريع الإمامية أو الكهنوتية في صنعاء، باعتبارها – وفق تعبيره – رد فعل على طبيعة الحكم الإمامي وتجارب الجنوب التاريخية معه.  

وأشار إلى أن أبناء الجنوب يحملون ذاكرة تاريخية سلبية تجاه حكم الأئمة، تعود إلى فترة ما بعد خروج العثمانيين من اليمن عام 1045هـ، خلال حكم الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم، ثم أخيه المتوكل على الله إسماعيل، اللذين توسعا جنوبًا وسيطرا على عدن وحضرموت وفرضًا – بحسب وصفه – سلطتهما الدينية والسياسية بالقوة.  

وأضاف أن تلك المرحلة التاريخية تركت آثاراً عميقة في الذاكرة الجنوبية، وهو ما يجعل أي عودة لمشاريع الحكم السلالي أو الإمامي سببًا في تصاعد الخطابات الرافضة للوحدة أو الداعية للانفصال.  

خاتمة  

تكشف قرارات قيادة المجلس الانتقالي المتعلقة بتغيير الاسم، والجدل الواسع المصاحب لها – خصوصاً من قيادات اشتراكية كانت جزءًا من المشروع الانتقالي في السابق أو لا تزال تدور في فلكه، إلى جانب مواقف المعارضين – أن المجلس يعيش أزمة سياسية عميقة تتجاوز مجرد الخلاف حول التسمية.  

فبحسب منتقدين، لم يتمكن الانتقالي طوال السنوات الماضية من تقديم مشروع سياسي متكامل بقدر ما ظل يعتمد على استدعاء الماضي وإحياء مشاريع وأسماء قريبة من تلك التي ارتبطت بفترة الاستعمار البريطاني لجنوب اليمن.  

ومن هذا المنظور، قد يكون أحد أهداف تغيير الاسم استمالة بعض الأصوات والتيارات التي كانت تؤمن بالمشروع المرتبط بهذا الاسم خلال الحقبة البريطانية، كما لا يستبعد آخرون أن يكون تغيير المسمى مرتبطاً أيضاً بحسابات الداعم الخارجي.