عامٌ من العتمة: الصحفي الزيلعي.. "صوت مرضى السرطان" في غياهب سجون الحوثيين بالحديدة
بينما يحتفل صحفيو العالم في الثالث من مايو بيومهم العالمي، رافعين شعارات الحرية والكلمة المسؤولة، يمر هذا اليوم على عائلة الصحفي اليمني عبدالمجيد الزيلعي في مدينة الحديدة (غرب اليمن) كغصةٍ إضافية في حلق جف من كثرة النداءات.
عام كامل يمر والزيلعي مدير الإعلام والتثقيف الصحي لدى المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان بالحديدة غائب خلف قضبان ما يسمى "الأمن والمخابرات" التابعة لمليشيا الحوثي، المصنفة على قوائم الإرهاب لا لذنب اقترفه سوى أنه كان "سفير الأمل" لأكثر الفئات وجعاً في اليمن.
وكانت مليشيا الحوثي قد شنت في 22 مايو من العام الماضي، حملة قمعية واسعة استهدفت الأقلام الإعلامية في الحديدة، وكان الزيلعي من بين أبرز الوجوه التي تم اقتيادها إلى المجهول.
ومنذ ذلك الحين، انقطعت أخباره تماماً، وتوقفت رسائله التي كانت تملأ فضاء المدينة أملاً للمرضى والفقراء، ليحل محلها صمت مطبق يقض مضاجع عائلته. وتحول مصيره وزملاؤه إلى رقم في سجلات الاخفاء محروما من أبسط حقوقه القانونية والإنسانية، وسط تعتيم كامل عن حالته الصحية.
من منصات الإغاثة إلى عتمة السجون
قصة الزيلعي هنا ليست مجرد اعتقال، بل تغييب متعمد، حيث حرم من التواصل مع أسرته أو الحصول على محاكمة عادلة، في بيئة باتت تصنفها المنظمات الدولية "مثل مراسلون بلا حدود" كواحدة من أخطر المناطق على الصحفيين.
الزيلعي لم يكن صحفياً سياسياً بالمعنى التقليدي، بل كان "صحفياً إنسانياً"، وظيفته كمدير للإعلام والتثقيف الصحي جعلته حلقة الوصل بين المتبرعين والمرضى المحتاجين، فتغييبه لم يكن ضربة لحرية الصحافة فحسب، بل هو ضربة للعمل الإنساني في مدينة تفتقر لأبسط الخدمات الصحية.
قضى الزيلعي سنواته وهو ينسج تقارير إنسانية تحثُّ المحسنين على إنقاذ أرواح تفتك بها الأورام، حتى جاء شهر مايو من العام الماضي، ليصبح هو "القضية" بدلاً من "ناقلها".
في مكتبه الفارغ في "مؤسسة السرطان" بالحديدة التي غابت المنشورات التوعوية التي كان يكتبها بلغة الأمل، ليحل محلها صمت ثقيل منذ اختطافه، فلم يكن الزيلعي يحمل سلاحاً، بل قلماً وكاميرا، يطارد بها وجع مرضى السرطان ليخفف عنهم، فصار هو وجعاً مضافاً لعائلته.
في هذا التقرير، تسلط منصة "الهدهد" الضوء على معاناة الصحفي الزيلعي المستمرة والذي غيبته الزنازين الحوثية خلف قضبان القمع وظروف اختطافه، وكذلك معاناة أسرته في غيابه، في ظل صمت دولي يطيل أمد هذه المأساة الإنسانية.
أسرة الزيلعي بين ألم الغياب وحلم العودة
حاولنا التواصل مع أسرة الصحفي الزيلعي ومن المقربين، بشأن معاناتها ومستجدات نجلهم ووضعه الصحي داخل معتقلات الحوثيين بالحديدة، لكنهم رفضوا الإدلاء بأي تصريحات، وذلك خوفا من أي تصعيد قد تفهمه مليشيا الحوثي على أمل الأفراج عنه.
لكن أحد زملاء الزيلعي والذي رفض الكشف عن هويته خوفاً من بطش وقمع الحوثيين قال لمنصة "الهدهد" إن وضع عائلة الزيلعي "كارثي"، فغياب المعيل الوحيد لم يترك فقط فجوة عاطفية، بل ألقى بظلال الفقر المدقع على زوجة وأخوات وأطفال يواجهون قسوة الحياة وحدهم.
وأضاف "بينما العالم يحيي اليوم العالمي لحرية الصحافة، تعيش أسرة الزميل الزيلعي مأساة صامتة تفوق الوصف، فالزيلعي لم يكن مجرد صحفي أو موظف إنساني، بل كان العمود الفقري لمنزل يضم أطفالاً ونساءً باتوا اليوم بلا معيل".
وتابع "منذ عام، والديون تتراكم، وقلق الجوع يزاحم قلق الغياب"، مشيرا إلى إن تغييبه خلف القضبان هو حكم بالإعدام المعيشي على أسرة كاملة لم تقترف ذنباً سوى أن عائلها اختار خدمة مرضى السرطان بالكلمة والصورة.
وأردف "الزيلعي الذي كان يقضي يومه في البحث عن تمويل لعلاج مرضى السرطان، تترك أسرته اليوم وحيدة دون أن يلتفت لمعاناتها أحد في ظل هذا التغييب القسري الظالم، لافتا إلى أن منزل الزيلعي بالحديدة، لا تعني "حرية الصحافة" سوى حلم بعودة رب الأسرة.
وختم حديثه بالقول: في هذا اليوم الذي يتحدثون فيه عن حرية التعبير، نحن لا نطالب سوى بحق الزيلعي في العودة لأطفاله فهو لم يؤذ أحداً، كان يتحدث عن الأدوية والكيماوي ووجع الفقراء، فكيف يكون جزاؤه كل هذا التغييب؟
استهداف الشهود
وقالت مصادر حقوقية لمنصة "الهدهد" إن تغييب الزيلعي وزملاؤه بالتزامن مع اليوم العالمي للصحافة يبعث برسالة قمعية واضحة، مفادها أن العمل الإنساني والإعلامي في مناطق سيطرة الحوثيين "جريمة" تستوجب العقاب.
وحسب المصادر فإن المليشيا تواصل احتجاز الزيلعي وعشرات من زملائه دون تهم واضحة، بل وحولت ملفاتهم إلى أوراق للمقايضة السياسية. مؤكدة أن قضية الزيلعي ليست مجرد قصة صحفي مختطف، بل هي مرآة لوضع الحريات في اليمن.
وأشارت إلى أسرة الزيلعي تعيش كحال أسر الصحفيين المختطفين لدى المليشيا من القلق المزمن والانهيار النفسي، خاصة مع تزايد المخاوف على سلامتهم الجسدية في ظل ظروف الاحتجاز الغامضة التي تمارسها أجهزة المخابرات الحوثية.
الصحفيون ومواجهة المخاطر الأمنية
ومع إتمام عامه الأول في المعتقل، جددت نقابة الصحفيين اليمنيين دعوتها للمجتمع الدولي للضغط الجاد على مليشيا الحوثي للإفراج عن الزيلعي وزملاؤه الصحفيين المختطفين في الحديدة.
ووصفت النقابة -في بيان لها بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف 3 مايو- واقع العمل الصحفي في اليمن بأنه بالغ التعقيد ويواجه الصحفيون مخاطر أمنية وضغوطًا مهنية ومعيشية غير مسبوقة.
وقالت إن "بيئة العمل الصحفي مقيدة وغير آمنة ويعيش الصحفيون في اليمن أوضاعًا معيشية صعبة وغيابًا للحماية الاجتماعية وعدم استقرار وظيفي وتراجعًا كبيرًا في مستوى الأمان المهني".
وأشار بيان النقابة إلى أن غياب المساءلة أسهم في ترسيخ واقع الإفلات من العقاب وهو ما يتطلب حسب البيان معالجة جادة وشاملة تعيد الاعتبار لحرية الصحافة في اليمن.
انتهاكات ممنهجة
بدورها أعربت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، عن قلقها إزاء استمرار احتجاز عدد من الصحفيين في ظروف وصفتها بالقاسية، مشيرة إلى أن تسعة صحفيين ما زالوا رهن الاحتجاز لدى جماعة الحوثي، بينهم الزيلعي.
وقالت الشبكة -في بيان لها بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة- إن هذا اليوم، الذي يفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بحرية التعبير، يأتي في اليمن مثقلاً بانتهاكات واسعة، تشمل الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب والمحاكمات غير القانونية بحق الصحفيين، في إطار سياسة تهدف إلى إسكات الأصوات المستقلة وفرض رواية إعلامية أحادية.
وحملت الشبكة مليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن سلامة الصحفيين المحتجزين لديها، باعتبارها سلطة أمر واقع تسيطر على مناطق واسعة، وتمارس سياسة ممنهجة لاستهداف الإعلاميين وإسكات الأصوات المستقلة.
ودعت المجتمع الدولي ومجلس حقوق الإنسان والمقررين الخاصين بحرية التعبير إلى ممارسة ضغوط حقيقية على مختلف الأطراف في اليمن لوقف الانتهاكات بحق الصحفيين، وتوفير الحماية اللازمة لهم، وضمان بيئة آمنة للعمل الإعلامي.
تنديد حقوقي سابق
ولاقت عملية اختطاف الحوثيين للزيلعي وزملاؤه الصحفيين حينها تنديداً واسعاً بين أوساط الحقوقيون ومنظمات المجتمع المدني.
وتصاعدت المطالبات بضرورة الإفراج الفوري عنهم، خاصة مع تدهور الحالة الصحية لبعض المختطفين نتيجة سوء المعاملة داخل المعتقلات التي يشرف عليها جهاز "الأمن والمخابرات" التابع للمليشيا.
وأدانت نقابة الصحفيين اليمنيين والعديد من المنظمات الحقوقية استمرار هذا الاحتجاز التعسفي، مؤكدة أن الزيلعي وزملائه يُحتجزون دون تهم قانونية أو محاكمات عادلة.
وفي وقت سابق طالبت منظمة "مراسلون بلا حدود" جماعة الحوثي بالإفراج الفوري عن الصحفيين المخفيين قسريا في سجونها بينهم الزيلعي، محمّلة الجماعة مسؤولية ما يتعرض له الإعلاميون من قمع، ومشددة على أن "الصحافة ليست جريمة، بل حجر أساس في بناء المجتمعات الديمقراطية". ومؤكدة أن "الصحافة ليست جريمة بأي حال من الأحوال".
وحذرت المنظمة الدولية من تصاعد غير مسبوق في حالات الاعتقال والاختطاف بحق الصحفيين اليمنيين خلال الأشهر الأخيرة، مؤكدة أن اليمن بات أحد أخطر البلدان في العالم على العمل الصحفي، بعد تراجعه إلى المرتبة 154 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025.
وفي السياق ذاته طالبت المنظمة الوطنية للإعلاميين اليمنيين "صدى" مليشيا الحوثي بالافراج الفوري عن الصحفي الزيلعي وكافة زملائه في الحديدة.
وقالت إن ذلك يمثل اعتداءً ممنهجا وسافرا ضد الصحفيين وحرية الصحافة في اليمن، ويمكن ان يشملها توصيف "التهديد الوجودي لحرية الإعلام في اليمن".
وحملت المنظمة المليشيا المسؤولية الكاملة عن سلامة الصحفيين المختطفين في الحملة وعن حياتهم وعن سلامة وحياة كافة الصحفيين المختطفين في سجونها.
وأكدت أن ما أقدمت عليه المليشيا انتهاك صارخ لقوانين البلاد والقانون الدولي والتشريعات كافة، كما حذرت من استمرار تعريض المختطفين للإخفاء القسري أو سوء المعاملة.
ودعت المنظمة المجتمع الدولي ومجلس حقوق الإنسان، ومكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، وكافة المنظمات المعنية بحرية التعبير، إلى اتخاذ مواقف حازمة لإدانة هذه الجرائم، وممارسة الضغوط اللازمة على مليشيا الحوثي لوقف الانتهاكات بحق الصحافة اليمنية.