الوحدة اليمنية: بين المشروع الوجداني وتعثر الدولة

أحمد ناصر حميدان

تُقرأ الوحدة اليمنية في كثير من الخطابات المعاصرة بوصفها نتيجة مباشرة لاتفاق سياسي بين نظامين في 22 مايو 1990، أو بوصفها محطة انتهت إلى حرب 1994 وما تلاها من تحولات. غير أن هذا الاختزال يُهمل طبقة أعمق وأكثر تعقيداً من التاريخ، حيث كانت الوحدة قبل كل شيء مشروعاً وجدانياً وثقافياً تشكل في الوعي اليمني، خصوصاً في عدن، قبل أن تتحول إلى صيغة سياسية رسمية.

في عدن، لم تكن فكرة اليمن الواحد طارئة أو مستوردة من لحظة سياسية عابرة، بل كانت امتداداً طبيعياً لتاريخ طويل من التفاعل الثقافي والنضال الوطني. فقد لعبت المدينة دوراً محورياً كمركز تنوير وحاضنة للحركة الوطنية اليمنية، واحتضنت رموزاً فكرية وسياسية بارزة مثل محمد محمود الزبيري وأحمد محمد نعمان، الذين شكلوا ملامح الوعي السياسي المناهض للإمامة وساهموا في صياغة خطاب وحدوي مبكر.

كما برز دور الصحافة العدنية، التي ارتبطت باسم محمد علي لقمان، في بلورة خطاب وطني حديث تجاوز الحدود المحلية الضيقة، وقدم تصوراً لليمن ككيان سياسي وثقافي واحد. هذا الحضور الثقافي والسياسي جعل فكرة الوحدة جزءاً من الوعي العام، وليس مجرد مشروع حزبي أو قرار فوقي.

حتى داخل التجربة الاشتراكية في جنوب اليمن، لم تُلغَ فكرة الوحدة من الخطاب الرسمي، بل بقيت حاضرة كهدف استراتيجي معلن، رغم التوترات السياسية والصراعات الداخلية، بما في ذلك أحداث يناير 1986. وهذا يعكس أن الخلاف لم يكن حول “وجود اليمن الواحد” بقدر ما كان حول طبيعة النظام السياسي وشكل الدولة.

من هنا يمكن القول إن الوحدة لم تولد من فراغ، بل جاءت تتويجاً لمسار طويل من التفاعل بين مشروعين سياسيين مختلفين: نظام شمالي تقليدي متحول، ونظام جنوبي اشتراكي مركزي. أي أن الأزمة كانت في “النظم السياسية” لا في “الجغرافيا البشرية” أو الانتماء الاجتماعي.

لحظة 22 مايو 1990 كانت بالنسبة لكثير من اليمنيين لحظة فرح حقيقية، إذ رآها الناس نهاية لعقود من التشطير، وبداية لمرحلة انتقال نحو الديمقراطية، والانفتاح الاقتصادي، وتجاوز منطق الانقلابات والصراعات. غير أن هذه اللحظة الوجدانية لم تُترجم إلى بناء مؤسسي متماسك.

فقد دخل الطرفان إلى الوحدة دون إعادة تفكيك بنيتهما السياسية القديمة. استمرت عقلية الغلبة، وبقيت إدارة الدولة محكومة بمنطق النفوذ لا بمنطق المؤسسات، ولم يتم استيعاب التعدد السياسي بوصفه قاعدة للاستقرار. ونتيجة لذلك، ظلت التجربة الديمقراطية هشة وقابلة للانفجار.

تراكم هذا الضعف المؤسسي حتى وصل إلى حرب صيف 1994، التي لم تُقرأ جنوبياً باعتبارها مجرد صراع سياسي داخل شراكة دولة، بل باعتبارها انهياراً فعلياً لفكرة الشراكة ذاتها. ومن هنا بدأ التآكل التدريجي لفكرة الوحدة في الوعي الجمعي الجنوبي، خصوصاً مع تصاعد الإقصاء، ونهب الأراضي، وتهميش الكوادر، وتحول الشراكة إلى شعور متزايد بالهيمنة.

ومع ذلك، من المهم التمييز بين مستويين مختلفين: فشل تجربة الدولة بعد الوحدة، وبين الفكرة التاريخية والإنسانية للوحدة نفسها. فانتقاد ممارسات ما بعد 1994 لا يعني بالضرورة رفض الروابط التاريخية والثقافية، بل يعكس رفضاً لطريقة إدارة الدولة لا لطبيعة الارتباط بين اليمنيين.

الأهم من ذلك أن الأجيال التي نشأت في عدن قبل وبعد الوحدة لم تُبنَ على ثقافة الكراهية المناطقية، بل على وعي مدني أكثر انفتاحاً، كان يرى في اليمن فضاءً أوسع من الانتماء، رغم التناقضات السياسية. ولذلك يبدو التحول الحالي نحو الخطابات الضيقة والمناطقية طارئاً وصادماً مقارنة بتلك المرحلة.

في المحصلة، يمكن القول إن الوحدة اليمنية لم تفشل كفكرة، لكنها تعثرت كمشروع دولة. وبين الفكرة والسلطة، تتحدد المسافة التي ما زال اليمنيون يعيشون داخلها حتى اليوم.