طارق صالح يرتدي الرتبة أخيراً.. أين ذهب وعد "تحرير صنعاء"؟
على مدى أكثر من ثماني سنوات، حرص طارق صالح على الظهور بزيه العسكري دون ارتداء الرتبة، وتم ربط ذلك ـ بحسب ما كان يردده مقربون منه وأنصاره ـ بوعد قطعه الرجل على نفسه بألا يضع الرتبة على كتفه إلا بعد استعادة العاصمة صنعاء من ميليشيات الحوثي التي سيطرت عليها بالقوة في سبتمبر 2014.
وعد ما بعد صنعاء
لكن يوم الأربعاء 20 مايو 2026 حمل ما بدا أنه مفاجأة تناقض تلك الصورة التي طبعت حضور قائد "المقاومة الوطنية"، إذ ظهر مرتدياً "البُريه" العسكرية الرسمية المحفور عليها طير الجمهورية، الرمز الرسمي للجمهورية اليمنية، إلى جانب حمله رتبة عسكرية على كتفيه، وهي رتبة "فريق أول ركن"، التي بدأ إعلامه تداولها رسمياً في أخباره منذ أكتوبر الماضي، حيث تُذكر قبل اسمه في البيانات والتغطيات الرسمية، رغم عدم صدور قرار جمهوري معلن بترقيته وفق ما يشترطه القانون.
ومع هذا الظهور الجديد، وبغض النظر عمّا إذا كان قد حصل على الرتبة بقرار جمهوري غير معلن أم لا، يبرز سؤال جوهري: لماذا أقدم طارق صالح على ارتداء الرتبة في هذا التوقيت تحديداً؟ وماذا عن الوعد الذي ظلّ المحسوبون عليه يكررونه طوال السنوات الماضية في ردودهم على من كان يتساءل عن سبب عدم استخدامه للرتب العسكرية، حين كانوا يؤكدون أنه قطع عهداً على نفسه بألا يرتديها حتى يتم "تحرير صنعاء"؟
تحولات داخل المقاومة
لكن السؤال الأوسع هنا: هل تغيّرت طبيعة المشروع العسكري والسياسي لقوات "المقاومة الوطنية" بحيث أصبحت الأولوية اليوم لإعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة الرسمية أكثر من ارتباطها بالشعارات السابقة؟
طوال السنوات الماضية، استخدم أنصار طارق صالح هذه الرواية للرد على الانتقادات والأسئلة المتعلقة بوضع قواته القانوني والعسكري، خصوصاً مع بقاء تشكيلاته خارج البنية التقليدية لوزارة الدفاع، رغم المطالبات العديدة بهذا الشأن.
كما أن هذا الخطاب كان يُستخدم أحياناً لتقديم صورة رمزية عن "قائد مؤجل الرتبة حتى المعركة الأخيرة"، بما يمنح المسألة بعداً عاطفياً وسياسياً يتجاوز الجانب البروتوكولي.
لكن الظهور الأخير يضع هذه الرواية أمام اختبار صعب، ويفتح الباب أمام التساؤل عمّا إذا كانت التطورات العسكرية والسياسية قد فرضت واقعاً جديداً.
ويأتي هذا التغيير في توقيت حساس تشهده قوات "المقاومة الوطنية"، بالتزامن مع جهود إعادة تنظيم التشكيلات العسكرية المدعومة سابقاً من الإمارات، وبدء خطوات الهيكلة العسكرية بإشراف سعودي، بعد انتقال تمويل هذه القوات إلى الرياض منذ مطلع العام الجاري.
الرتبة ومعركة الرمزية
ويرى متابعون أن ارتداء الرتب العسكرية الرسمية قد يكون مؤشراً على محاولة إعادة تقديم قوات "المقاومة الوطنية" كجزء أكثر اندماجاً داخل المؤسسة العسكرية اليمنية الرسمية، خصوصاً مع استمرار النقاشات المتعلقة بإعادة توحيد التشكيلات العسكرية المختلفة تحت مظلة وزارة الدفاع.
لكن في المقابل، يعتقد آخرون أن المسألة لا يمكن فصلها عن البعد الرمزي والسياسي، لأن الرتبة هنا ليست مجرد مسألة عسكرية، بل قضية ارتبطت بخطاب طويل جرى تسويقه لسنوات باعتباره "وعداً مرتبطاً بصنعاء".
ولهذا، لم يكن الجدل الذي رافق ظهور طارق صالح بالرتبة العسكرية هذه المرة متعلقاً بشكل الزي فقط، بل بالسؤال الأوسع: هل انتهى فعلاً ذلك الوعد الذي ظلّ يتكرر طوال السنوات الماضية، أم أن أولويات المرحلة تغيّرت بصورة جعلت الرمزية القديمة أقل حضوراً أمام حسابات السياسة والعسكر؟
أسئلة حول المصداقية
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، بل من حق المواطن المشروع أن يطرحها، خصوصاً عندما يكون الحديث متعلقاً بوعد ارتبط بهدف كبير بحجم صنعاء، بما تمثله من رمزية مرتبطة باستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي.
فهل كان ذلك الوعد مجرد خطاب مرحلي جرى استخدامه لتحقيق أهداف سياسية ومعنوية خلال السنوات الماضية، ولم تعد هناك حاجة لاستمراره اليوم؟ وهل يحمل هذا التحول إشارة سلبية توحي بأن هدف "تحرير صنعاء"، الذي طالما قُدِّم باعتباره البوصلة الرئيسية لقوات "المقاومة الوطنية"، أصبح ـ على الأقل من الناحية الواقعية ـ أقل حضوراً في حسابات المرحلة، خصوصاً بعد خروج الإمارات عسكرياً من اليمن بقرار من مجلس القيادة الرئاسي، وانتقال ترتيبات الدعم والتمويل إلى السعودية؟
كل ذلك يحدث في ظل غياب أي توضيح رسمي من قبل قوات "المقاومة الوطنية"، التي تأسست عام 2018 بدعم إماراتي وتتمركز في الساحل الغربي لليمن، وهو الصمت نفسه الذي رافق بدء استخدام لقب "فريق أول ركن" إعلامياً منذ أشهر دون تفسير قانوني أو سياسي واضح من الجهة نفسها.
لا يتعلق النقاش هنا بمجرد ارتداء رتبة عسكرية، بل بوعد جرى ربطه لسنوات بهدف بحجم "تحرير صنعاء"، وعندما يتم تجاوز مثل هذا الوعد وكأنه لم يكن، فإن الأمر لا يشبه وعوداً انتخابية عادية أو تعهدات خدمية قد يتعذر تنفيذها، بل يرتبط بجوهر الخطاب الذي تأسست عليه "المقاومة الوطنية" نفسها، والتي قدمت وجودها دائماً باعتباره جزءاً من معركة استعادة العاصمة وإنهاء الانقلاب.
صحيح أن ارتداء الرتبة لا يعني بالضرورة التخلي عن هدف استعادة صنعاء، أو هكذا يُفترض نظرياً، لكن مقارنة ذلك بالوعد السابق تجعل من الطبيعي التساؤل: إذا كان بالإمكان تجاوز هذا التعهد في أي وقت، فأين التفسير السياسي أو الأخلاقي الذي يبرر الإقدام على هذه الخطوة؟
فعندما يجري التعامل مع الوعود بهذا الشكل، فإن ذلك ينعكس بالضرورة على بقية الشعارات والمقولات السياسية المرتبطة بالقضية نفسها، من قبيل أن "البوصلة صنعاء" وأن "الهدف النهائي هو استعادة الدولة"، لأن تراجع الثقة في أحد الرموز الخطابية يفتح الباب أمام التشكيك ببقية الخطابات المرتبطة به.
وهنا يجب التذكير بأن طارق صالح نفسه هو من قطع هذا الوعد على نفسه، وليس خصومه أو أطرافاً أخرى من نسبوه إليه، ولذلك يُصبح من الطبيعي اليوم التساؤل عن موقع ذلك الوعد من الواقع الحالي.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن طارق لم يعد مجرد قائد تشكيل عسكري محدود، بل أصبح عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، أي جزءاً من القيادة الجماعية للدولة، كما يقود قوة عسكرية ذات امتداد جغرافي وبشري وعسكري واسع ومؤثر في الساحل الغربي.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في ارتداء الرتبة بحد ذاته، بل في معنى التراجع عن خطاب جرى تقديمه لسنوات باعتباره جزءاً من معركة استعادة الدولة، أي أن القضية هنا ليست قطعة قماش أو نجمة عسكرية، بل علاقة القائد بجمهوره وحدود الفاصل بين الشعارات الرمزية والواقع السياسي، لأن الوعود التي تُبنى عليها المعارك الكبرى، حين يجري تجاوزها دون تفسير، تترك بالضرورة أسئلة مفتوحة حول مصير بقية الوعود أيضاً.