الوحدة اليمنية.. أعظم منجز في التاريخ اليمني الحديث
لم تكن الوحدة اليمنية التي أُعلنت في الثاني والعشرين من مايو 1990 مجرد اتفاق سياسي عابر بين نظامين، ولا تسوية مؤقتة فرضتها ظروف اللحظة الإقليمية والدولية آنذاك، بل جاءت تتويجاً لمسار طويل من النضال الوطني الذي خاضه اليمنيون لعقود طويلة في مواجهة التشطير والاستعمار والإمامة والصراعات التي مزقت البلاد وأضعفت حضورها التاريخي والحضاري.
وفي الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، يعود هذا الحدث إلى الواجهة ليس فقط بوصفه مناسبة وطنية، بل باعتباره واحداً من أهم التحولات الكبرى في التاريخ اليمني الحديث والإنجاز الذي أعاد لليمنيين شعورهم بأنهم ينتمون إلى وطن واحد وهوية واحدة بعد عقود من الانقسام السياسي والجغرافي.
الوحدة.. حلم أقدم من 1990
قبل إعلان الوحدة بسنوات طويلة، كانت فكرة "اليمن الواحد" حاضرة بقوة في الوعي الشعبي والثقافي والسياسي لليمنيين، ذلك أن التشطير الذي عاشته البلاد خلال القرن العشرين لم يكن وضعاً طبيعياً أو نهائياً، بل نتيجة لظروف فرضتها التدخلات الأجنبية والصراعات الدولية التي قسّمت اليمن إلى شطرين مختلفين سياسياً.
في الشمال، عاش اليمنيون تحت حكم الإمامة الذي عزل البلاد وأدخلها في حالة من الجمود السياسي والاجتماعي، بينما خضع الجنوب للاستعمار البريطاني الذي سعى إلى تكرّيس واقع التجزئة عبر السلطنات والمشيخات المحلية وربط الجنوب بمشاريع سياسية منفصلة عن امتداده اليمني التاريخي.
لكن رغم هذا الانقسام، ظل الشعور بالانتماء الوطني الواحد حاضراً في الوجدان اليمني، فقد كانت الحركة الوطنية في الشمال والجنوب تتحدث عن "اليمن" كوطن جامع والثوار الذين قاتلوا ضد الإمامة والاستعمار لم ينظروا إلى معاركهم باعتبارها قضايا محلية معزولة، بل جزءاً من مشروع تحرري وطني أكبر يستهدف استعادة الدولة اليمنية الحديثة وإنهاء آثار التشطير.
وفي هذا السياق، قال يحيى العرشي، وزير شؤون الوحدة اليمنية سابقاً، إن الوحدة ظلت "هدفاً وطنياً ومنشوداً وشعاراً رفعته مختلف القوى الوطنية في شمال اليمن وجنوبه، رغم ما فرضته ظروف التشطير وازدواجية النظام والدولة والحكومة في وطن واحد".
وأوضح العرشي في كتاب له بهذا الخصوص أن التحولات السياسية التي شهدها الشطران انعكست على رؤية كل من صنعاء وعدن لمفهوم الوحدة وآليات تحقيقها، مشيراً إلى أن عدن اتجهت نحو النظام الاشتراكي، في حين حافظت صنعاء على نهج أكثر انفتاحًا ضمن إطار أهداف ثورة سبتمبر.
ثورتان صنعتا الطريق
يرى كثير من الباحثين أن الطريق الحقيقي نحو الوحدة بدأ مع ثورتي 26 سبتمبر 1962 في شمال اليمن و14 أكتوبر 1963 في الجنوب، إذ لم تكن الثورتان مجرد تحولات سياسية لإسقاط الإمامة والاستعمار، بل لحظة تأسيس لهوية وطنية يمنية حديثة قائمة على فكرة الجمهورية والمواطنة والدولة الجامعة.
في الشمال، حملت ثورة سبتمبر مشروع الخروج من العزلة وبناء دولة حديثة، بينما مثّلت ثورة أكتوبر في الجنوب معركة تحرر وطني ضد الاستعمار البريطاني. ورغم اختلاف الظروف السياسية بين الشطرين بعد ذلك، بقيت فكرة الوحدة حاضرة في الخطاب السياسي والثقافي باعتبارها هدفاً وطنياً مؤجلاً لا أكثر.
وعلى مدى سنوات طويلة، ظلت الحدود السياسية بين الشمال والجنوب عاجزة عن إلغاء الروابط الاجتماعية والثقافية والإنسانية بين اليمنيين؛ فالعائلات الممتدة، والهجرات الداخلية، والتجارة، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية، كلها حافظت على شعور عام بأن اليمنيين شعب واحد حتى وإن قسمت السياسة جغرافيتهم.
لماذا كانت الوحدة حدثاً استثنائياً؟
عندما أُعلنت الوحدة اليمنية رسمياُ عام 1990، شعر كثير من اليمنيين أنهم يعيشون لحظة تاريخية استثنائية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، إذ لأول مرة منذ عقود طويلة، عاد اليمن موحداً تحت اسم "الجمهورية اليمنية"، وبنظام سياسي واحد وعلم واحد ومؤسسات دولة واحدة.
ولم يكن الاحتفاء الشعبي الكبير بالوحدة حينها نابعاً فقط من الحماس السياسي، بل من شعور عميق بأن اليمنيين يستعيدون شيئاً فقدوه طويلاً. ولهذا السبب تحديداً بقيت الوحدة، بالنسبة لقطاعات واسعة من اليمنيين، أكثر من مجرد صيغة سياسية؛ بقيت رمزاً لفكرة الوطن الجامع والهوية المشتركة.
كما أن الوحدة اليمنية جاءت في لحظة عربية وإقليمية شهدت تراجع مشاريع الوحدة العربية الكبرى، ما جعلها تبدو بالنسبة لكثيرين تجربة نادرة نجحت في تحقيق ما عجزت عنه تجارب عربية أخرى.
بين أخطاء السلطة وفكرة الوحدة
لكن السنوات التي تلت إعلان الوحدة لم تكن سهلة؛ فقد دخل اليمن في أزمات سياسية وصراعات متراكمة انتهت بحرب صيف 1994، ثم توالت الأزمات والحروب والانقسامات خلال العقود التالية.
ورغم ذلك، ظل جزء كبير من الجدل في اليمن يدور حول التفريق بين "فشل السلطة" و"فشل الوحدة"، فالكثير من اليمنيين رأوا أن الأزمات التي ضربت البلاد كانت نتيجة للفساد وسوء الإدارة والصراع على النفوذ، لا نتيجة لفكرة الوحدة نفسها.
ولهذا ظلّت الوحدة، حتى في ذروة الأزمات، حاضرة في الوعي الوطني باعتبارها مشروعاً يحتاج إلى الإصلاح والتصحيح لا مشروعاً يجب التخلي عنه بالكامل.
وفي السياق ذاته، قال عضو الكتلة البرلمانية للتجمع اليمني للإصلاح علي حسين عشال إن الوحدة اليمنية "ستظل من أعظم الإنجازات التي تحققت في حياة اليمنيين في تاريخهم الحديث”، مؤكداً أن هذا المنجز الكبير "بقي حاضراً رغم كل ما رافقه من هنات وعثرات خلال العقود الماضية".
الوحدة كهوية لا كسلطة
اليوم، وبعد ستة وثلاثين عاماً على إعلان الوحدة، لم تعد القضية بالنسبة لكثير من اليمنيين مجرد دفاع عن تجربة سياسية بقدر ما أصبحت دفاعاً عن فكرة الوطن نفسه، ذلك أن الوحدة، بالنسبة لقطاعات واسعة، لم تعد مرتبطة بأداء نظام أو حكومة، بل بفكرة وجود إطار وطني جامع يمنع تحول اليمن إلى كيانات متصارعة وممزقة.
ولهذا يركز الخطاب الوطني في ذكرى الوحدة على الهوية اليمنية المشتركة، وعلى التاريخ الطويل الذي جمع اليمنيين قبل قيام الجمهورية اليمنية الحديثة بقرون طويلة. وهنا، لا تُقدّم الوحدة باعتبارها حدثاً طارئاً، بل امتداداً لمسار تاريخي وثقافي وحضاري تشكل عبر الزمن.
أعظم منجز في العصر الحديث
ورغم كل ما تعرّضت له التجربة الوحدوية من انتكاسات وأزمات، ما تزال الوحدة اليمنية في الوعي الوطني باعتبارها أعظم منجز تحقق لليمنيين في العصر الحديث، لأنها أعادت صياغة فكرة الدولة الوطنية على أساس وطن واحد وهوية واحدة ومواطنة يفترض أن تشمل الجميع.
ولم يأتِ هذا الإيمان من فراغ، بل من تضحيات طويلة خاضها اليمنيون في مختلف أنحاء البلاد، ومن شعور تاريخي عميق بأن اليمن، رغم كل الانقسامات، ظل دائماً أكبر من الحدود المؤقتة والصراعات العابرة.