اليمنيون أقوى من التشظي.. كيف قاومت الهوية الوطنية مشاريع التفكيك؟

2026-05-20 04:02 الهدهد/خاص:
اليمنيون أقوى من التشظي.. كيف قاومت الهوية الوطنية مشاريع التفكيك؟

في كل مرة تحل فيها ذكرى الوحدة اليمنية، يعود السؤال القديم بصيغ جديدة: ما الذي أبقى اليمنيين متماسكين رغم كل ما جرى؟ كيف ظل هذا البلد، الذي عاش حروباً وانقسامات وصراعات ممتدة لعقود، يحتفظ حتى اليوم بشعور عميق بوحدة الهوية والانتماء؟ ولماذا فشلت كل مشاريع التشطير، حتى الآن، في صناعة قطيعة اجتماعية ونفسية كاملة بين اليمنيين؟

في الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، لا تبدو الإجابة مرتبطة فقط بالسياسة أو بالحدود الجغرافية، بل بطبيعة المجتمع اليمني نفسه؛ مجتمع تشكل عبر قرون طويلة من التداخل البشري والثقافي والحضاري، حتى أصبحت فكرة اليمن في الوعي الجمعي أعمق من أي سلطة عابرة أو صراع مرحلي.

جذور الهوية اليمنية الواحدة

تستدعي المناسبة الحديث عن "الهوية الوطنية الجامعة"، للتذكير بحقيقة تاريخية واجتماعية راسخة؛ فمن صعدة في أقصى الشمال إلى عدن في الجنوب، ومن المهرة شرقاً حتى حجة غرباً، عاش اليمنيون قروناً من التواصل المستمر الذي صنع مع الزمن شبكة هائلة من الروابط الإنسانية والثقافية يصعب تفكيكها بسهولة.

لم يكن اليمن يوماً مجتمعاً مغلقاً داخل حدوده المحلية الصغيرة؛ فهناك القوافل التجارية القديمة التي ربطت الموانئ الجنوبية بالمرتفعات الشمالية، وطرق الهجرة الداخلية جعلت من المدن اليمنية فضاءات مختلطة اجتماعياً بصورة طبيعية. في صنعاء القديمة عاش الحضارم والتعزيون وأبناء إب وذمار والبيضاء، وفي عدن استقرت عائلات من تعز ولحج وحضرموت وصنعاء منذ عقود طويلة، بينما شكّلت مدن مثل تعز وزبيد وتريم مراكز علمية استقبلت اليمنيين من مختلف المناطق دون أي شعور بحواجز نفسية أو ثقافية حادة.

وفي هذا السياق، يرى الباحث والكاتب نبيل البكيري أن "الهوية الوطنية الواحدة هي الوعاء الوطني الكبير الذي يعترف بكل مكونات المجتمع ويستوعبها دون إقصاء"، وهي فكرة تفسّر إلى حد بعيد كيف استطاع اليمن، رغم تنوعه الاجتماعي والمناطقي، الحفاظ على شعور عام بالانتماء المشترك.

حتى اللهجات اليمنية، رغم تنوعها، ظلت تحمل روحاً لغوية واحدة تعكس تاريخاً طويلاً من التفاعل الاجتماعي. وبالمثل، صنعت الأغاني الشعبية، الأمثال، العادات الاجتماعية، العلاقات الأسرية، حضور القبيلة، طقوس المناسبات، المطبخ اليمني، وحتى تفاصيل الحياة اليومية؛ شعوراً عاماً بأن اليمنيين ينتمون إلى نسيج اجتماعي واحد مهما اختلفت مناطقهم.

وحدة المجتمع رغم الحروب

ولعل أكثر ما يؤكد عمق هذه الهوية المشتركة أن سنوات الحرب والانقسام الأخيرة، بكل ما حملته من خطاب تعبوي وتحريض سياسي ومناطقي، لم تستطع إنتاج عزلة اجتماعية كاملة بين اليمنيين. فلا يزال ملايين المواطنين يعيشون خارج محافظاتهم الأصلية، والمصاهرات الممتدة بين الشمال والجنوب لم تتوقف، والعلاقات التجارية والاجتماعية استمرت رغم الحواجز العسكرية وخطوط التماس.

في عدن مثلاً، ورغم التوترات السياسية الحادة التي خلقها المجلس الانتقالي الجنوبي بدعم إماراتي خلال السنوات الماضية، ما تزال المدينة تضم عشرات الآلاف من الأسر القادمة من محافظات شمالية مختلفة، كما تحتضن صنعاء وتعز وإب وحضرموت أسراً جنوبية مستقرة منذ سنوات طويلة. هذه الحقيقة وحدها تكشف أن المجتمع اليمني أكثر تماسكاً مما تبدو عليه الصورة السياسية والعسكرية أحياناً، رغم محاولات مشاريع الانقسام إعادة تعريف اليمنيين وفق هويات ضيقة؛ مناطقية أو طائفية أو سلالية، لكن المشكلة التي واجهتها دائماً أن الهوية اليمنية العامة ليست فكرة مصطنعة يمكن محوها بسهولة، بل تراكم تاريخي وثقافي وإنساني عميق.

وتؤكد قراءات تناولت مسألة الهوية الوطنية اليمنية أن هذه الهوية لم تتشكل بصورة عابرة، بل جاءت نتيجة تراكم تاريخي وثقافي واجتماعي طويل ربط اليمنيين بأرض واحدة وتاريخ مشترك وثقافة متقاربة رغم تنوعهم الجغرافي والمناطقي. وتشير هذه القراءات إلى أن الحروب والصراعات تمثل أخطر التهديدات التي تواجه الهوية الوطنية، خصوصاً مع ظهور جماعات مسلحة أو مشاريع طائفية تسعى إلى فرض هويات ضيقة بديلة تقوم على السلالة أو المنطقة أو المذهب بدلاً من الهوية الجامعة. كما تؤكد أن التاريخ والجغرافيا المشتركة، إلى جانب اللغة العربية والثقافة الاجتماعية والدين الإسلامي والنظام الجمهوري، تمثل أبرز مرتكزات الهوية الوطنية اليمنية الحديثة.

وفي توصيفه لخطورة هذه التحولات، يقول البكيري إن "ضرب مفهوم الهوية الوطنية يعني ضرب فكرة المواطنة المتساوية"، في إشارة إلى أن تفكيك الإحساس الوطني المشترك لا يقود فقط إلى الانقسام السياسي، بل يهدد أيضاً فكرة الدولة الجامعة التي تقوم على المساواة بين المواطنين.

اليمنيون أقوى من الانقسام

عندما تحققت الوحدة اليمنية عام 1990، شعر كثير من اليمنيين أنها أقرب إلى استعادة لوضع طبيعي تعطّل بفعل ظروف سياسية وصراعات إقليمية ودولية، لا إنشاء كيان جديد بالكامل، ولهذا السبب ظلت فكرة الوحدة حاضرة في الوعي الشعبي حتى بعد كل ما تعرضت له من انتكاسات وأزمات.

لكن السنوات الأخيرة حملت اختباراً مختلفاً وأكثر قسوة؛ فمع انهيار مؤسسات الدولة وتعدد السلطات المسلحة، بدأ اليمنيون يختبرون عملياً معنى غياب الدولة الجامعة. وبدلاً من أن يؤدي التشظي إلى الاستقرار أو تحسين الأوضاع، دخلت البلاد في دوامات من الانهيار الاقتصادي والاضطراب الأمني وتعدد مراكز النفوذ والجبايات والانقسامات.

وفي قراءته للمشهد اليمني، يعتبر البكيري في مقاربة سابقة أن "الحرب الراهنة تمثل إحدى تجليات أزمة الهوية الوطنية"، موضحاً أن غياب الدولة الجامعة وتراجع مفهوم المواطنة فتح المجال أمام تصاعد المشاريع الطائفية والمناطقية.

في كثير من المناطق، اكتشف الناس أن غياب الإطار الوطني الجامع لا يعني بالضرورة الحرية أو العدالة، بل قد يعني ببساطة المزيد من الفوضى والضياع، ولهذا عاد الحديث عن الهوية الوطنية ليأخذ طابعاً وجودياً يتجاوز الخطاب السياسي التقليدي.

وتشير التجارب التاريخية أن المجتمعات الخارجة من الحروب الطويلة تحتاج دائماً إلى سردية وطنية مشتركة تمنع انهيارها الكامل، ومن دون ذلك، تتحوّل الهويات الصغيرة إلى وقود دائم للصراع. وهذا ما يجعل التركيز الإعلامي على "وحدة النسيج الاجتماعي اليمني" جزءاً من معركة الحفاظ على المجتمع نفسه لا مجرد احتفاء بذكرى سياسية.

الهوية الوطنية تواجه التشظي

وربما لهذا السبب تحديداً تصرّ المشاريع الطائفية والمناطقية على مهاجمة فكرة الهوية الوطنية الجامعة، لأنها تدرك أن بقاء اليمنيين يشعرون بأنهم شعب واحد يمثل عائقاً حقيقياً أمام مشاريع التفكيك والهيمنة؛ فكلما ضعفت الهوية الوطنية الكبرى، أصبح من الأسهل إعادة تشكيل الولاءات على أسس ضيقة ومتصارعة.

ورغم كل الجراح، ما تزال هناك مؤشرات كثيرة على صمود هذا الشعور الوطني، ويظهر ذلك في التفاعل الشعبي الواسع مع المنتخب الوطني لكرة القدم، وفي التضامن المجتمعي أثناء الكوارث الطبيعية، وفي الحنين المستمر لفكرة الدولة الواحدة، وحتى في اللغة اليومية التي يستخدمها اليمنيون حين يتحدثون عن أنفسهم كوطن واحد مهما اختلفت مواقفهم السياسية.

وفي واحدة من أكثر العبارات تعبيراً عن خطورة اللحظة الراهنة، يقول الباحث السياسي البكيري: "عندما يبدأ الفرد بفقد الشعور بهويته، فإن الهوية الوطنية تكون في طريقها إلى الانفجار"، وهي خلاصة تلخص حجم التحدي الذي يواجه اليمن اليوم.

وفي الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ فالوحدة لم تعد مجرد حدث سياسي جرى في مايو 1990، بل أصبحت بالنسبة لكثير من اليمنيين تعبيراً عن رغبتهم في البقاء داخل إطار وطني يحمي ما تبقى من تماسك المجتمع.

قد تختلف الرؤى السياسية حول شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي وطبيعة السلطة، لكن ما يبدو ثابتاً حتى الآن أن اليمنيين، رغم الحرب والانقسامات، ما يزالون يحملون في أعماقهم شعوراً عميقاً بأنهم أبناء أرض واحدة وتاريخ واحد وهوية واحدة تشكّلت عبر قرون طويلة وأن كل محاولات التمزيق، مهما اشتدت، ما تزال عاجزة عن اقتلاع هذا الشعور بالكامل.